لم يكن طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حدثا عابرا في تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ولا مجرد عملية عسكرية جديدة أضيفت إلى سجل المواجهة الطويلة مع الاحتلال الصهيوني وتصدّي الشعب الفلسطيني لحروب المحو والإبادة المتواصلة منذ أكثر من قرن. لقد كان لحظة تاريخية فاصلة، لأنها كشفت عن تصدعات عميقة كانت تتشكل في بنية النظام الدولي، وأطلقت شرارة ممتدة إلى الوعي السياسي والأخلاقي لمجتمعات عديدة، مخلخلة العلاقة التقليدية بين القوة والشرعية، وبين المصالح والقيم، وبين الرواية والواقع.
لم ينشئ الطوفان أزمات إسرائيل والغرب من العدم، ولم يخلق التناقضات الكامنة في المنظومة الدولية، لكنه وضعها أمام اختبار تاريخي غير مسبوق؛ أخرج المستتر إلى العلن، وسرّع وتيرة التململ الاجتماعي، وأفسح المجال أمام قوى تبحث عن بدائل للتعبير عن نفسها بجرأة غير معهودة. ومن هنا، فإن الأثر الحقيقي للحدث لا يُقاس بما غيّره لحظيا، بل بما كشفه من مسارات تراكمية قد لا تكتمل نتائجها إلا عبر سنوات.
لقد أعاد الطوفان فلسطين إلى مركز الاهتمام بوصفها قضية تحررية تمس جوهر العدالة الدولية، وفضح ازدواجية المعايير التي تحكم النظام العالمي. وكانت حرب الإبادة الجماعية المتواصلة على غزة، للعام الرابع على التوالي، المختبر الأقسى لهذه المنظومة؛ إذ جعلت المشاهد المباشرة وشهادات الناجين من المستحيل استمرار تمرير الرواية الإسرائيلية بالسهولة السابقة، حتى داخل المجتمعات التي انحازت مؤسساتها السياسية والإعلامية تاريخيا لإسرائيل. وباتت فلسطين مدخلا لمساءلة أوسع حول عجز الديمقراطيات الغربية عن حماية القيم الأخلاقية التي تستند إليها شرعيتها.
من حدود القوة العسكرية إلى أزمة الشرعية
لعل الدرس الأبرز الذي كشفته تجربة غزة هو أن القوة العسكرية، مهما بلغت وحشيتها وتفوقها التقني، تظل عاجزة عن تحقيق كل الأهداف السياسية. تستطيع القوة أن تقتل وتبيد، وأن تدمر المدن وتفرض التجويع، لكنها لا تضمن إخضاع الإرادة الوطنية، ولا تستطيع وحدها بناء نظام سياسي مستقر أو فرض رواية قابلة للتصديق إلى ما لا نهاية. فالتفوق الميداني والسيطرة على الأرض لا يتحولان تلقائياً إلى نصر سياسي ناجز.
وفي المقابل، فإن النزاهة الفكرية تقتضي الإقرار بأن الصمود وحده لا يحسم صراعا، ومنع الإخضاع المادي لا يعني تلقائيا امتلاك القدرة على قلب موازين القوى أو إنجاز التحرير. وتكمن فرادة تجربة غزة تحديدا في هذا المفصل: لقد واجه مجتمع صغير محاصر ترسانة عسكرية هائلة، ودفع كلفة إنسانية تفوق الوصف، ومع ذلك عجزت تلك القوة عن محو قضيته من الوعي الإنساني.
هذا المأزق يعكس أزمة القوة غير القادرة على توليد القبول؛ فالقوة التي تفتقر إلى الغطاء الأخلاقي تظل أداة إيذاء وتدمير محضة، عاجزة عن صياغة مستقبل مستقر.
حدود المال والنفوذ واحتكار الرواية
وعلى غرار حدود القوة العسكرية، انكشفت حدود المال وجماعات الضغط. لا يعني ذلك تراجع نفوذ اللوبيات أو فقدان رأس المال قدرته على التأثير في السياسات والجامعات ومراكز الأبحاث؛ بل يعني أن هذا النفوذ لم يعد قادرا على شراء الصمت المطلق أو احتواء الاعتراض الشعبي.
لقد أثبتت التجربة أن تمويل الرواية لا يعني امتلاك الحقيقة، وأن احتكار المنصات التقليدية لم يعد يكفل توجيه الوعي الجمعي في زمن تدفق الصورة والشهادة الحية خارج الأطر الرسمية.
إن الرواية الإسرائيلية اليوم لم تعد تمر دون مساءلة وتفنيد واسعين داخل الأوساط الأكاديمية والنقابية والحقوقية والحزبية في الغرب نفسه.
وهذا لا يشير إلى انتهاء المعركة الثقافية أو هزيمة المنظومة الدعائية للاحتلال، لكنه يؤكد اتساع المسافة بين ما تفرضه المؤسسات والحكومات من سياسات، وبين ما تقتنع به قطاعات حية ومتزايدة من المجتمعات.
التحولات السياسية: حين يمتد الاعتراض إلى صناديق الاقتراع
لم تنحصر ارتدادات الطوفان في ساحات الاحتجاج، بل ظهرت لها تجليات لافتة في المشهد الانتخابي. وقراءة هذه التحولات لا تعني ادعاء وجود علاقة سببية ميكانيكية تجعل من غزة التفسير الأوحد لنتائج انتخابات جرت في بيئات سياسية متباينة؛ فالطوفان لم يخلق التناقضات الداخلية لتلك الدول، لكنه وفّر صدمة للوعي السياسي، وسرّع من وتيرة التمرد على النخب التقليدية، ووسّع هوامش مساءلة السياسات الداخلية والخارجية.
في الولايات المتحدة: مثّل صعود تيار تقدمي، تجسد في فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك، علامة فارقة على تجاوز الفكرة القديمة بأن انتقاد السياسات والسلوكيات الإسرائيلية يعني الانتحار السياسي؛ إذ برهن على إمكانية حشد كتل ناخبة وازنة حول خطاب يربط العدالة الاجتماعية بمناهضة الإبادة والتطهير العرقي والتمييز العنصري.
وتعمق هذا المسار في انتخابات التجديد النصفي (تشرين الثاني/نوفمبر 2026)، عبر فوز عبد السلام السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، ودخول آدم حموي مجلس النواب عن نيوجيرسي، وتجديد ولاية إلهان عمر في مينيسوتا. ولا يعكس ذلك انقلابا فوريا في السياسة الأمريكية الرسمية، إذ تظل مؤسسة الحزبين ملتزمة عضويا بدعم إسرائيل، لكنه يثبت أن القاعدة الاجتماعية للناخبين باتت أكثر تنوعا وتمايزا واستعدادا لكسر الخطوط الحمراء التي فرضتها النخب لعقود.
في البرازيل وصربيا: تكشف هذه النماذج أن العالم يعيش مخاضا أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة.
ففي البرازيل، عكست إعادة انتخاب لولا دا سيلفا أمام اليمين الاستقطاب الحاد حول هوية الدولة في الجنوب العالمي.
وفي صربيا، أثبت فوز القائمة التي قادتها الحركة الطلابية وهزيمة تحالف الرئيس فوتشيتش أن بإمكان الحراك الشعبي والشبابي الانتقال من التظاهر إلى التمثيل السياسي وتحدي احتكار النخب.
وإذا كانت لهذه المعارك سياقاتها المحلية الصرفة، فإن تقاطعها الزمني يوضح أن أزمة الشرعية التي فضحها الطوفان غربيا تتماشى مع موجة عالمية ترفض الوصاية وتطالب بالمساءلة.
في إسرائيل: صراع الهوية داخل قفص الإجماع الاستعماري
تكتسب التحولات السياسية والانتخابية داخل إسرائيل دلالة عضوية تتصل بطبيعة الكيان ذاته وبنيته الوظيفية. وهنا يبرز تمييز منهجي حاسم لا يجوز إغفاله: إن الصراع المستعر داخل المجتمع السياسي الصهيوني ليس نزاعا بين معسكر يتبنى الحرب والعدوان وآخر يناصر الحقوق الفلسطينية أو يرفض الإبادة؛ بل هو تناحر ينفجر بكامله فوق أرضية إجماع صهيوني صلب ومطلق حول جوهر المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، وسياسات الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وضرورة التطهير العرقي والمحو بحق الفلسطينيين.
لقد أثبتت وقائع حرب الإبادة في غزة أن المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته – بيمينه ويساره التاريخي ووسطه – يتوحدون بلا تردد خلف استخدام القوة التدميرية القصوى، ويتقاطعون في استباحة الدم الفلسطيني وتجريده من إنسانيته؛ فالإبادة والتصفية الجسدية للمجتمع الأصلي تمثلان عقد التأسيس ومناط الإجماع القومي الصهيوني الذي لا تشوبه أي شائبة خلافية حقيقية.
لكن هذا الإجماع الاستعماري الخارجي – الذي اتفقت فيه كافة الأطراف على تصفية الوجود الفلسطيني – لم يمنع، بل ربما فجّر، انقساما وجوديا عميقا حول هوية الدولة وشكل نظامها الداخلي. فالخلاف ليس على “ماذا نفعل بالفلسطينيين”، بل على “من نكون نحن، ومن يقود هذا الكيان؟”:
هل تظل إسرائيل وفية لنموذج «دولة إسرائيل»، بوصفها دولة استعمارية إحلالية تستعير واجهة ليبرالية غربية وقواعد قضائية ومؤسساتية تكفل تماسك النخبة الأشكنازية، وتضمن اندماجها الاقتصادي والاستراتيجي مع الغرب، وتمنح ممارساتها التطهيرية غطاء قانونيا ودبلوماسيا مخادعا؟
أم تتحول صراحة وبلا أقنعة إلى «دولة يهودا»؛ الهالاخا، ذلك المشروع الاستيطاني الثيوقراطي الفاشي، الذي يستند إلى رؤية خلاصية تلمودية متطرفة، ويختزل الدولة في نقاء ديني – قومي استعلائي، ساعيا إلى تفكيك مؤسسات الدولة العلمانية والقضائية لصالح سلطة الحاخامات وغلاة المستوطنين في المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية والقدس والمتغلغلين في مؤسسات الدولة ؟
إن هذا التنازع يكشف عن أزمة بنيوية عميقة: كيف يمكن للمشروع الصهيوني أن يدير تناقضاته الداخلية حين تفشل “الحروب الخارجية المشتركة” في صهر مجتمعه المستجلب؟
وقد جاءت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة لتُبرز شلل النظام السياسي العاجز عن فرز أغلبية متماسكة؛ فالأزمة ليست حسابية (53 مقعدا لنتنياهو وحلفائه المتطرفين مقابل 48 مقعدا لخصومه الصهيونيين)، بل هي أزمة العجز عن التوفيق بين رؤيتين متناحرتين لهوية الكيان من الداخل.
وتتعمق هذه المعضلة البنيوية بصعود الحضور العربي في الكنيست إلى 19 مقعدا؛ فهذا الثقل الديمغرافي لا يُلزم المعسكرين بأي انزياح أخلاقي نحو الاعتراف بحقوق أصحاب الأرض، ولكنه يضع “دولة الفصل العنصري” أمام مفارقتها القاتلة: فإشراك العرب متعذر عقائديا وبنيويا لأنه يهدم نقاء الفكرة الصهيونية، وتجاهل ثقلهم العددي بات يمنع المنظومة من تشكيل حكومة مستقرة.
وهكذا، يجد الكيان الصهيوني نفسه عالقا؛ موحَّدا في عقيدة الإبادة والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين في الخارج، ومنقسما عموديا حول روحه وهويته وسلطته في الداخل.
حدود التحول الغربي: الفجوة بين الشارع والمؤسسة
كشف الطوفان وحرب الإبادة اتساع الفجوة الأخلاقية بين المجتمعات الغربية وحكوماتها؛ فبينما واصلت الإدارات الرسمية تزويد إسرائيل بالغطاء العسكري والسياسي والدبلوماسي والاقتصادي، تشكلت في الجامعات والشوارع حركة تضامن عابرة للأجيال ترى في فلسطين اختبارا لصدقية حقوق الإنسان.
ومع ذلك، يظل من الضروري تجنب المبالغة في تقدير هذا المنجز؛ فالرأي العام لا يصنع القرارات بمفرده، وحركات الاحتجاج لا تعني تغييرا تلقائيا في السياسات العليا المحكومة بمصالح استراتيجية وروابط بنيوية معقدة.
إن ما تحقق يتمثل في كسر الإجماع وتجريد السياسات الرسمية من غطائها الأخلاقي، لتصبح المنظومة الحاكمة في موقع الدفاع المستمر عن سياسات باتت عبئا على شرعيتها.
المعضلة الفلسطينية والعربية: غياب المشروع المقابل
وهنا نقف أمام السؤال المركزي والأشد إلحاحا: لماذا لم يواكب الفلسطينيون والعرب هذا التحول العالمي بما يوازي حجمه وتضحياته؟
فلسطينياً: نجحت المقاومة والصمود الشعبي الأسطوري في قطاع غزة في إعادة القضية إلى صدارة المشهد وتفكيك الرواية الصهيونية، لكن هذه التضحيات اصطدمت بجمود وتكلس البنية السياسية الفلسطينية؛ إذ يواصل الانقسام الفصائلي والمؤسسي تعطيل بلورة مشروع وطني تحرري جامع، وتغيب المؤسسة القيادية الموحدة القادرة على توظيف هذا الزخم وتطوير استراتيجية شاملة تدمج الصمود الميداني بالعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني الدولي، وتخاطب العالم بلغة الحقوق والمصالح المستدامة.
وعربياً: تتجاوز المسألة حدود التضامن العاطفي لتصل إلى صلب الأمن القطري والقومي العربي. فرغم الهبّات الشعبية العارمة التي أكدت تجذر فلسطين في الوجدان الجمعي العربي، ظل الموقف الرسمي عاجزا عن التحرر من حسابات التبعية والهاجس الأمني الضيق.
لقد كشفت حرب الإبادة، وما رافقها من استنفار أسطولي غربي، حقيقة طالما جرى التعامي عنها: إن عجز القوة الإسرائيلية عن حسم المعركة دون جسور إمداد أمريكية وغربية كشف بالتوازي هشاشة التحالفات العربية مع واشنطن، التي تحصر اهتمامها الاستراتيجي في ضمان التفوق الإسرائيلي المطلق.
لقد بات واضحا أن الرهان على الحماية الأمريكية ليس إلا وهماً، بل إن القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في الجغرافيا العربية تحولت إلى مصادر تهديد للأمن القطري والقومي العربي، ونقاط ارتكاز لحماية إسرائيل وتقييد السيادة الوطنية، وليست صمامات أمان للدول المضيفة.
إن هذا الانكشاف التاريخي يفرض ضرورة حتمية لإحداث استدارة واستفاقة استراتيجية شاملة؛ فالصراع لم يعد معزولا عن مصير أي عاصمة عربية من الخليج إلى المحيط، والمشروع الصهيوني في نسخته الأكثر فاشية لا يرى في الفضاء العربي سوى محيط ملحق وخاضع، محكوم بالتطبيع القسري والتبعية الأمنية والاقتصادية.
المفارقة الكبرى وامتحان التاريخ
إن المفارقة التي يتركنا أمامها الطوفان ليست أن العالم تحرك وبقي واقع فلسطين ثابتا، بل إن الحدث استطاع إطلاق شرارة مساءلة كونية أربكت منظومة الهيمنة، في حين بقيت المؤسسات السياسية الفلسطينية والعربية أسيرة عجزها البنيوي عن ترجمة هذا التحول الأخلاقي الدولي إلى أدوات نفوذ سياسي ومؤسسي فاعل.
إن التعاطف الدولي، والاحتجاجات الطلابية، وتصدعات الرواية الإسرائيلية لا تصنع وحدها دولة ولا تنجز تحريرا؛ فالوعي العالمي يفتح نوافذ تاريخية نادرة، لكنه لا يعبرها نيابة عن أصحاب الحق.
وهنا يصبح النقد الذاتي واجبا وجوديا: كيف أمكن لعواصم بعيدة أن تضع فلسطين في قلب نقاشاتها السياسية والانتخابية، بينما تعجز البيئة الفلسطينية والعربية عن توحيد جبهتها وبناء إطارها الجامع؟
إن المسؤولية التاريخية لا تقع على الشعوب المكافحة التي قدمت أقصى ما تملك، بل على النخب والأنظمة والأطر السياسية التي لم ترتقِ إلى مستوى اللحظة التاريخية.
لقد كشف الطوفان حدود القوة العسكرية للمحتل وسقوط أوهام تفوقه، لكنه كشف أيضا فداحة غياب الإرادة والاستراتيجية في صفوفنا.
إن العالم الذي يختبر ضميره اليوم لن ينتظر طويلا من يعيد ترتيب بيته الداخلي؛ فاللحظات الكبرى تفتح الأبواب، ولكنها لا ترحم المترددين، ومن لا يصنع أمنه ومستقبله بيده، سيُصنع له مستقبله حتما على مقاس أعدائه.
والسؤال الذي سيظل مفتوحا أمام محكمة التاريخ ليس فقط: ماذا فعل الطوفان بالعالم وبإسرائيل؟ بل ماذا سيفعل الفلسطينيون والعرب بما كشفه الطوفان من إمكانات وتصدعات؟
هل يرتفع الفلسطينيون إلى مستوى بطولات وتضحيات شعبهم، فيوحدون صفهم في مشروع تحرري جامع ومؤسسة وطنية موحدة تستثمر التحول العالمي قبل أن ينطفئ؟
وهل يرتفع العرب إلى مستوى اللحظة، فيكسرون قيود التبعية ويعيدون صياغة مشروعهم الاستراتيجي المستقل لحماية أمنهم الوطني والقومي وسيادتهم، أم يبقون ساحات مستباحة وأوراقا محترقة في صراع القوى الإقليمية والدولية؟