25/5/2001
هناك أشخاص تضيق اللغة العربية وتعجز مفرداتها عن رثائهم، لأنهم ليسوا أفرادا عابرين في حياتنا، بل حشد من القيم والتجارب والأدوار اختزلها إنسان واحد؛ فإذا رحل، اهتز عالمنا برحيله، وشعرنا أن شيئا من ذاكرتنا وتاريخنا ووجداننا قد رحل معه.
كان إبراهيم أبو لغد، أو «عمدة يافا» كما تعودنا أن نسميه، واحدا من هؤلاء. اجتمعت في شخصه أدوار كثيرة؛ كان أستاذا ومعلما ومفكرا، وأبا وأخا وصديقا ورفيق مسيرة نضالية. وكان، بالنسبة لي ولكثيرين من أبناء جيلي، أكثر من ذلك كله: صورة للوطن الذي اقتُلع شعبنا منه، ودليلا على أن المنفى لا يستطيع أن ينتزع الإنسان من جذوره ما دام يحمل وطنه في عقله وروحه ووجدانه.
التقيته في بيروت أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان قادما من الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم ويعمل في جامعاتها. وكان يسعى إلى استحضار الوطن الفلسطيني وإحياءه، عبر مشروع طموح يجمع شمل الشباب الفلسطيني من داخل الوطن المحتل والشتات في جامعة القدس المفتوحة.
وكنت عائدة للتو من بلغاريا بعد حصولي على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي، والتحقت بالعمل في مؤسسة معامل أبناء الشهداء والأسرى الفلسطينيين «صامد»، يسكنني حلم كبير ببناء نواة قطاع عام فلسطيني، وإن كان ذلك في المنفى، لتعذّر بنائه في الوطن الخاضع للاحتلال. قطاع يوفر احتياجات مقاتلي الثورة الفلسطينية، ويشغّل أبناء الشهداء والأسرى والجرحى، وما أمكن من أبناء المخيمات الذين حرمهم قانون العمل اللبناني من حق ممارسة 98 مهنة، وضاقت أمامهم فرص العمل.
كان ذلك اللقاء بداية معرفة إنسانية وفكرية تركت في نفسي أثرا عميقا، وأتاحت لي أن أقترب من شخصية جمعت بين سعة المعرفة وعمق التجربة، وبين صلابة الموقف ورهافة الإحساس، وبين الانشغال بقضايا الوطن والقدرة على الاستمتاع بتفاصيل الحياة الصغيرة.
من يافا إلى المنفى: التكوين والمسار الأكاديمي
وُلد إبراهيم أبو لغد في يافا عام 1929، وعاش فيها حتى نكبة فلسطين عام 1948، حين اقتُلع مع عائلته من يافا، ولجأ أولاً إلى الأردن، ثم غادر إلى الولايات المتحدة لمواصلة دراسته. حصل على درجتي البكالوريوس والماجستير من جامعة إلينوي، ثم نال الدكتوراه في العلوم السياسية والدراسات الشرق أوسطية من جامعة برنستون عام 1957. وعمل خبيراً في منظمة اليونسكو في مصر وأمريكا اللاتينية، قبل أن يلتحق عام 1967 بهيئة التدريس في جامعة نورث وسترن الأمريكية، حيث تدرّج في المناصب الأكاديمية حتى أصبح رئيساً لقسم العلوم السياسية، وأمضى هناك أكثر من ربع قرن.
لكن إبراهيم أبو لغد لم يكن أكاديمياً تقليدياً، ولم ينظر إلى الجامعة باعتبارها فضاءً معزولاً عن قضايا الإنسان والمجتمع والتاريخ. فقد حمل معه إلى المنفى سؤال فلسطين، وجعل من موقعه الأكاديمي منبراً للدفاع عن حق شعبه في الرواية والوجود وتقرير المصير. وكان يدرك أن معركة الفلسطينيين لا تدور على الأرض وحدها، بل تدور أيضاً في ميادين الفكر والمعرفة والإعلام، حيث تُصاغ الصور، وتُنتج الروايات، وتُحدد موازين القوة الرمزية التي تؤثر في تشكيل الرأي العام العالمي.
من المنفى إلى معركة الوعي
شكّلت هزيمة حزيران عام 1967 منعطفاً مهماً في تجربته الفكرية والسياسية. فقد أدرك، كما أدرك عدد من المثقفين الفلسطينيين والعرب في تلك المرحلة، أن الهزيمة لم تكن عسكرية فحسب، بل كشفت أيضاً عن اختلال عميق في القدرة العربية على مخاطبة العالم، وشرح قضايانا بلغته وأدواته المعرفية، ومواجهة الرواية الصهيونية التي كانت تتمتع بنفوذ واسع في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الغربية.
ومن هنا انخرط أبو لغد في بناء حضور فلسطيني وعربي منظم داخل الجامعات الأمريكية. وبادر، بالتعاون مع نخبة من الأكاديميين والمثقفين العرب، إلى تأسيس رابطة الخريجين الجامعيين العرب الأمريكيين (AAUG) عام 1967، وكان من أبرز قياداتها ورؤسائها.
لم تكن الرابطة مجرد تجمع للأكاديميين العرب في الولايات المتحدة، بل شكلت مساحة للعمل الفكري المنظم، ومنصة للحوار والنقاش وإنتاج المعرفة، ونافذة للتعريف بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني ومركزه الفلسطيني الإسرائيلي، منخلال البحث العلمي والتحليل التاريخي والسياسي. وعملت على تنظيم المؤتمرات وإصدار الدراسات والكتب، وإتاحة المجال أمام الأكاديميين العرب لتقديم رؤاهم ومناقشة القضايا العربية بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
كان إبراهيم أبو لغد يؤمن بأن مواجهة الرواية الصهيونية لا تكون بالشعارات وحدها، بل بإنتاج معرفة رصينة، وتقديم قراءة تاريخية وسياسية تستند إلى البحث والتوثيق، وتكشف الجذور الاستعمارية للصراع، وتعيد الاعتبار إلى الفلسطيني باعتباره صاحب قضية وطنية وحق تاريخي، وليس مجرد لاجئ أو مشكلة إنسانية تنتظر حلاً إغاثياً.
وفي هذا السياق، برزت علاقته الفكرية والإنسانية بإدوارد سعيد، التي شكلت واحدة من المحطات المهمة في تطور الحضور الفلسطيني داخل الأكاديميا الغربية. جمع الرجلين الإيمان بأن المعرفة ليست محايدة بالضرورة، وأن إنتاج الصورة الغربية عن الشرق والشعوب العربية ارتبط، في كثير من الأحيان، بتاريخ طويل من الهيمنة الاستعمارية. وقد تلاقى جهدهما في الدفاع عن الرواية الفلسطينية، وفي نقد التمثيلات الغربية للعرب، وفي توسيع دائرة النقاش الأكاديمي حول الاستعمار والهوية والحقوق الوطنية.
وكانت مساهمتهما، إلى جانب مساهمات عدد كبير من الباحثين والمثقفين، جزءاً من حركة فكرية أوسع أسهمت في تطوير الدراسات النقدية للاستعمار، وفتحت المجال أمام إعادة قراءة التاريخ من منظور الشعوب التي عانت من الاستعمار والاقتلاع والتهميش.
ولم يحصر أبو لغد القضية الفلسطينية في إطارها القومي الضيق، بل حرص على ربطها بحركات التحرر العالمية، وبنضالات الأمريكيين الأصلانيين والأمريكيين الأفارقة من أجل الحقوق المدنية، وبمقاومة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وبحركات التحرر في آسيا وأمريكا اللاتينية. كان يرى أن قضية فلسطين ليست استثناءً من تاريخ النضال الإنساني ضد الاستعمار والعنصرية، وأن التضامن الحقيقي يتأسس على فهم مشترك للعدالة والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وهكذا تحولت الجامعة، في تجربته، من مجرد مكان للتدريس والبحث إلى ساحة من ساحات النضال الوطني والفكري، وتحول موقع الأستاذ الجامعي إلى مسؤولية تتجاوز حدود قاعة المحاضرات.
ولم يكن أبو لغد منظّراً في برج عاجي؛ فقد وضع مكانته الأكاديمية وخبرته الفكرية في خدمة الحضور السياسي والمؤسسي الفلسطيني، وكان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، وشارك في العمل الوطني من موقع المثقف الذي لا يفصل المعرفة عن المسؤولية، ولا يساوم على حق شعبه في الحرية والاستقلال.
ولم يقتصر إسهام إبراهيم أبو لغد المعرفي على حضوره الأكاديمي ومشاركته في تأسيس المؤسسات البحثية، بل ترك رصيداً من المؤلفات والدراسات والكتب المحررة التي تناولت التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية في العالم العربي، والقضية الفلسطينية وجذور الصراع العربي الإسرائيلي. ومن أبرز أعماله:
كتاب The Arab Rediscovery of Europe: A Study in Cultural Encounters (1963)، الصادر عن Princeton University Press،
والكتاب الذي حرّرهThe Transformation of Palestine: Essays on the Origin and Development of the Arab-Israeli Conflict (1971)، الصادر عن Northwestern University Press، إلى جانب أعمال أخرى في قضايا الاستيطان والحقوق الفلسطينية. وقد جعل من إنتاج المعرفة وتطوير المؤسسات الأكاديمية جزءاً لا يتجزأ من مشروعه الوطني.
يافا التي لم تغادره
أكثر ما شدني إليه منذ اللقاء الأول عشقه ليافا، المدينة التي وُلدت فيها جدتي لأبي، وكذلك زوجي، والتي كانت حاضرة في حكاياتهما وذاكرتهما. ومن خلال تلك الحكايات، كنت أقترب من صورة المدينة، وأدرك شيئاً من سحرها الذي ظل يسكن إبراهيم أبو لغد، وكأن سنوات المنفى لم تستطع أن تنتزعها منه، أو أن تفصل روحه عن شوارعها وبحرها وبيوتها.
زُرقة بحرها استقرت في عينيه، وموجه سكن شعره واستقر بياضاً، ودقات ساعتها ضبطت خفقات قلبه، وسحر ليلها ارتسم في عينيه فرحاً طفولياً ممزوجاً بدمعة حزن لم تغادرهما منذ غادر مرفأها. ورائحة برتقالها اختلطت بأنفاسه، حتى أصبح لإبراهيم أبو لغد شكل يافا ولونها وعطرها وسحرها.
لم تكن يافا بالنسبة إليه مجرد مكان وُلد فيه ثم غادره قسراً؛ كانت جزءاً من هويته، وذاكرة لم تنقطع، وحضوراً يومياً في تفاصيل حياته. كان يتحدث عنها كما لو أنه غادرها بالأمس، وكأن المسافة بينه وبينها لم تكن عقوداً من الزمن، بل غياباً مؤقتاً ينتظر أن ينتهي.
لفتني في حديثه إيمانه العميق بقوة الحق، حتى في أشد لحظات فتك القوة بالمظلومين، وثقته بإمكانية انتصاره من خلال سلامة الرؤية، ووضوح الهدف، وطول النفس، وفعالية التخطيط والبرمجة، وصدق المشورة، وحسن الإدارة، ودقة التنفيذ.
كان يرى أن النصر ليس مجرد أمنية، بل قرار يتطلب وعياً وإرادة وتنظيماً وعملاً متواصلاً. وأن الشعوب، حين تمتلك وضوح غايتها وتؤمن بحقها وتستثمر طاقاتها، تستطيع أن تردم الفجوة بين من لا يمتلك سوى إرادته وروحه، وبين من يتسلح بأعتى أدوات القوة والتدمير.
لم يكن إيمانه هذا إنكاراً لاختلال موازين القوى، ولا تجاهلاً لقسوة الواقع، بل كان رفضاً لتحويل اختلال القوة إلى قدر أبدي، أو الاستسلام لفكرة أن المستقبل يُحسم دائماً لمن يمتلك السلاح الأشد فتكاً. كان يؤمن بأن المستقبل لمن يمتلك القدرة على منح الحياة، لا لمن يصر على إفنائها.
العودة: من الفكرة إلى الممارسة
ربما كان أجمل ما في تجربة إبراهيم أبو لغد أنه لم يترك أفكاره حبيسة الكتب والمحاضرات، ولم يكتفِ بالدفاع عن حق العودة من موقع الأكاديمي المقيم في المنفى، بل جعل من العودة نفسها جزءاً من مشروعه الشخصي والوطني.
في مطلع التسعينيات، غادر موقعه الأكاديمي في جامعة نورث وسترن، بعد مسيرة طويلة وناجحة في الولايات المتحدة، وعاد إلى فلسطين، ليلتحق بجامعة بيرزيت أستاذاً ونائباً لرئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية.
كان ذلك القرار تعبيراً عملياً عن قناعة راسخة بأن المعرفة، مهما بلغت قيمتها في الجامعات ومراكز البحث العالمية، تكتسب معنى إضافياً حين توضع في خدمة المجتمع الذي ينتمي إليه صاحبها، وحين تسهم في بناء مؤسساته وتعزيز قدرته على النهوض.
في بيرزيت، لم يكن حضوره مجرد إضافة أكاديمية إلى هيئة التدريس، بل مشاركة في تأسيس مرحلة جديدة من بناء التعليم العالي الفلسطيني. أسهم في تأسيس معهد دراسات التنمية، وأطلق برامج في الدراسات الدولية، وعمل على تطوير البيئة البحثية والأكاديمية، مؤمناً بأن بناء المؤسسات الوطنية شرط أساسي لبناء مجتمع قادر على إدارة شؤونه وصناعة مستقبله.
كما تولى رئاسة اللجنة الفلسطينية المستقلة لإعداد وتطوير المناهج التعليمية، في واحدة من أهم محطات بناء النظام التعليمي الفلسطيني. وكان يدرك أن المنهاج ليس مجرد مجموعة من الكتب والمعلومات، بل هو تعبير عن رؤية المجتمع لذاته وتاريخه ومستقبله، وعن نوع المواطن الذي يريد أن ينشئه.
لذلك لم يكن مشروع المناهج بالنسبة إليه عملاً إدارياً أو فنياً محضاً، بل مشروعاً وطنياً وتربوياً يهدف إلى بناء عقل نقدي، وتعزيز الهوية الوطنية، وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لفهم تاريخها ومجتمعها والعالم من حولها، وتكوين القدرة على السؤال والتحليل والمساءلة.
لقد أراد للتعليم أن يكون أداة للتحرر، لا وسيلة لإعادة إنتاج التبعية؛ وأن تكون المدرسة فضاءً لبناء الإنسان الحر، لا مجرد مؤسسة لتلقين المعلومات. وكان يؤمن بأن تحرير العقل شرط لتحرير الأرض، وأن السيادة الوطنية لا تكتمل من دون سيادة على المعرفة، والقدرة على إنتاجها وتطويرها وتوظيفها.
وتوطدت علاقتنا عندما توليت إدارة معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) عام 1998؛ فقد كان كريماً في رعايته للبرامج البحثية ومتابعتها، وحريصاً على مراجعة الدراسات والتقارير وإبداء ملاحظاته النقدية، كما كان يزور المعهد كلما وجد متسعاً من الوقت.
وهنا تتجلى واحدة من أهم خصائص تجربته: فقد عاد إلى فلسطين لا ليستعيد ماضيه فحسب، بل ليشارك في صناعة مستقبلها. عاد من جامعة أمريكية مرموقة إلى جامعة فلسطينية تعمل في ظل الاحتلال والحصار والقيود، حاملاً خبرة أكاديمية واسعة، وإيماناً بأن الوطن لا يُبنى بالأمنيات وحدها، بل بالعلم والمؤسسات والكفاءات والعمل المثابر.
وكانت عودته إلى يافا في نهاية رحلته أكثر من خاتمة شخصية؛ كانت ترجمة رمزية وعملية لمعنى ظل يدافع عنه طوال حياته: أن حق العودة ليس مجرد ذكرى تتوارثها الأجيال، ولا شعاراً سياسياً يُرفع في المناسبات، بل حق متجذر في التاريخ والوجدان، وإرادة لا تسقط بالتقادم.
لقد عاد إلى الأرض التي اقتُلع منها طفلاً، واختار أن يوارى جسده الثرى في يافا، إلى جوار أبيه وأخيه، وعلى مقربة من البحر الذي عشقه وسكن عقله وروحه وقلبه، ورافقه في حله وترحاله.
وكأن حياته، منذ لحظة الاقتلاع حتى لحظة العودة الأخيرة، كانت حواراً طويلاً مع يافا؛ بدأ بالفقد، واستمر بالحنين والعمل والمقاومة، وانتهى بالعودة إلى ترابها.
إبراهيم أبو لغد… الوطن الذي بقي حاضراً
لا أغالي في القول إن إبراهيم أبو لغد كان بالنسبة إليّ وإلى أبناء جيل ما بعد النكبة اختزالاً للوطن المفقود.
تبحث عنه كلما ضاقت بك المنافي واشتد بك الحنين إلى الوطن، وتستحضره ذاكرتك كلما أحسست بالتيه، وتفتش عنه كلما عجزت عن الفهم، وتهرع إليه كلما افتقدت القدرة على استبقاء الأمل.
كان إبراهيم أبو لغد مزيجاً فريداً من وحدة الأضداد: الثورة والهدوء، الشغف بالحياة والترفع عنها، البراءة والحكمة، العفوية والحنكة، المرونة والحسم، الأصالة والحداثة، التواضع والكبرياء، الشفافية والصرامة، والصراحة والكياسة.
امتلك قدرة الطالب على التعلم، ومقدرة العالم على التعليم. ظل منفتحاً على المعرفة، مؤمناً بأن التعلم لا يتوقف عند حدود الشهادة أو المكانة الأكاديمية، وأن المثقف الحقيقي لا يفقد فضول الطالب مهما اتسعت خبرته وارتفعت مكانته.
وأدرك أن صناعة المستقبل تبدأ بصناعة الفكر، وأن تحرير الوطن يبدأ بتحرير العقل وتنمية الوعي، وأن تحقيق الاستقلال يبدأ بتكريس السيادة، وأن الحصاد الجيد يسبقه غرس نافع.
كان إنساناً استثنائياً، لأنه استطاع أن يحول تجربته الشخصية في الاقتلاع والمنفى إلى مشروع معرفي ووطني، وأن يجعل من الحنين طاقة للعمل، ومن المعرفة أداة للمقاومة، ومن العودة موقفاً يترجم الإيمان بالفعل.
كان إبراهيم أبو لغد طليعياً في استحضار الوطن إلى الشتات، ليعلم الأجيال الفتية تضاريسه وتاريخه وفنون عشقه. وكان طليعياً في العودة إلى أرض الوطن، للمساهمة في لملمة جراحه وبناء مؤسساته. وكان طليعياً أيضاً في ممارسة حق العودة إلى يافا، مسقط رأسه، ليعود إليها أخيراً ويُوارى جسده الثرى في ترابها. فقد نجحت عائلة إبراهيم أبو لغد وأصدقاؤه في تحقيق حلمه بالعودة إلى يافا، ولو جسدًا، باستغلال ثغرة قانونية في نظام الدفن الإسرائيلي لتنفيذ وصيته بدفنه في المقبرة، المغلقة والممنوعة على الفلسطينيين منذ النكبة، بجوار والده وأشقائه وصديقه جمال الحوت. فكان إبراهيم أبو لغد أول لاجئ فلسطيني يعود إلى مسقط رأسه في يافا، وينضم إلى رفاقه وأصدقائه المناضلين.
إن حضور إبراهيم أبو لغد في سجل الخالدين ليس حضور اسم غاب، ولا سيرة أكاديمي انتهت برحيله، بل حضور منهج فكري ووطني وإنساني متكامل؛ منهج يؤكد أن المثقف غير المهادن هو أحد خطوط الدفاع الأولى عن كرامة شعبه، وأن المعرفة حين تقترن بالكرامة والوفاء تصبح من أقوى أسلحة التحرر.
رحل إبراهيم أبو لغد، لكن يافا التي سكنت قلبه لم ترحل، والوطن الذي حمله في منفاه لم يغب، والحلم الذي عاش من أجله لم ينتهِ.
لقد انتصر على المنفى، لا لأن المنفى لم يستطع أن يقتلع منه الألم، بل لأنه لم يستطع أن ينتزع منه الوطن. وعاد إلى يافا، لا ليغلق حكاية الغياب فحسب، بل ليؤكد أن للإنسان وطناً قد يغيب عن عينيه عقوداً، لكنه لا يغيب عن روحه أبداً.
وداعاً عمدة يافا.. ولتنعم روحك بحرية السكن في المدينة التي سكنتك وأسكنتها فينا.