ورقة نقاشية تأسيسية في ضوء الحوار حول «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل»
من تفسير النتائج وعوائقها إلى بناء مقومات التغيير
تنطلق هذه الورقة النقاشية التأسيسية من حصيلة الحوار الثري والقراءات النقدية المعمّقة حول ورقة «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل» (14/10/2026)، لمعالجة الفجوة بين الآثار المباشرة والتغيرات الإدراكية التي أحدثها «طوفان الأقصى»، وبين محدودية انتقالها إلى تحولات سياسية ومؤسسية ومجتمعية مستدامة.
وتبحث في المسافة بين ما كشفه الحدث من إمكانات وما أحدثه من اتساع في الوعي، وبين تعثّر ترجمة ذلك إلى تغيّرات بنيوية في الواقع الفلسطيني والعربي والدولي، مستهدفة الانتقال من التشخيص الانطباعي إلى تأسيس إطار عملي لبناء مقومات التغيير والقدرة المنظمة.
تتوزع الورقة على عشرة محاور ذات وظائف تحليلية متمايزة ومتكاملة، تضمن تسلسلا منهجيا من فهم الواقع إلى صناعة الفعل:
المقدمة: توثّق السياق الحواري للورقة، وتحدد مراكز ثقل مساهمات المشاركين الـ 12 الذين أثروا النقاش (خمسة كتّاب فلسطينيين، وكاتبة مغربية، وكاتب سوداني). وتضمنت مساهماتهم سبع قراءات نقدية موسعة تجاوزت الورقة وأثرتها، وأعادت صياغة أسئلتها ووسّعت الآفاق، ما أتاح الفرصة لكتابة ورقة نقاشية تأسيسية تسهم في الانتقال من فهم الحدث ونتائجه المباشرة وحدود تأثيره إلى تشخيص عوائق التحول وشروطه، وبناء قدرة على الفعل واختبار البدائل وتثبيت النتائج.
ويمكن إيجاز الإسهام المعرفي للقراءات النقدية للكتّاب، وفقا للترتيب الأبجدي ولجغرافيا التأثير، في صياغة الورقة بما يلي:
الجغرافيا الفلسطينية
أمين كعابنة «قراءة نقدية تشريحية في ورقة غانية ملحيس: طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل»: تفكيك البنى والمصالح التي تعطل الانتقال من المعرفة إلى الفعل، وربط الصمود بمقومات الحياة والكرامة، مشددًا على عدم تحميل الناس مسؤولية العجز الناجم عن خلل المؤسسات والسلطات.
عواد أبو زينة «الصدى الذي لا يكفي: قراءة نقدية في جغرافية التحوّل»: فحص شروط التحول، والتمييز بين الوصف والتفسير السببي لآليات التعطيل، وتفكيك الإرادة والبيئة، وطرح أسئلة حاسمة حول تعيين الفاعل السياسي القادر على التغيير.
خالد عطية «من أثر الحدث إلى سؤال التحول التاريخي»: تأطير الحدث في سياقه الاستعماري البنيوي، والتشديد على التمييز المنهجي بين التزامن والسببية، وبين إرباك مسار قائم وبناء مسار بديل.
مصطفى النبيه «هل وصلنا إلى مرحلة الهزيمة الداخلية؟»: تفكيك أبعاد الهزيمة الداخلية، والتنبيه إلى خطورة تآكل الثقة بالمستقبل، وأثر انعدام الأمان والبيئة الحيوية على تقويض القدرة على الصمود والتغيير.
يحيى بركات: تضمنت قراءته جزأين: «حين يصبح السؤال أصعب من الإجابة»، و«من يملك المستقبل حين يدفع الشعب ثمن التاريخ؟». أعاد طرح سؤال الشرعية والتمثيل وحق المجتمعات والأجيال الشابة في تقرير مستقبلها ومساءلة صناع القرار، والتفريق بين احترام التضحيات ومنح التفويض المطلق.
الجغرافيا العربية والدولية
نزهة الإدريسي «جغرافية الصدى: كيف يمكن أن تنعكس التحولات العالمية على القضية الفلسطينية؟»: تفكيك المسافة بين اتساع التضامن الشعبي والدولي وبين تحويله إلى تأثير مؤسسي وسياسات قابلة للتنفيذ والاستدامة.
هاشم عبد السلام «هل امتلأ الكوب أم ما زال نصفه فارغا؟ فلسطين بين انكسار الكؤوس وسقوط الأقنعة»: التركيز على تحديد مسؤولية الأنظمة العربية، وطرق نقل التضامن الشعبي من حالة الانفعال المؤقت إلى أطر فاعلة ومستدامة عبر المسارات المدنية والسياسية والقانونية المنظمة.
وفي التعليقات على الورقة، تركزت المساهمات كما يلي:
جواد عقل: التأكيد على أهمية الانتقال من الدعوة إلى استثمار اللحظة إلى تحديد شروط هذا الاستثمار: رؤية وطنية واضحة، ومرجعية تمثيلية خاضعة للمساءلة، وأولويات متفق عليها، وآليات لتحويل التضامن والتضحيات إلى قدرة سياسية ومؤسسية ونتائج قابلة للقياس.
رائد حواري: إثارة سؤال الفجوة بين تراكم المعرفة والتحذيرات وتكرار التشخيص، وبين محدودية النتائج.
سعيد مدحية: طرح المرجعية الحقوقية، ولا سيما الأبارتهايد، بوصفها مدخلا يمكن البناء عليه في توحيد الخطاب وتوجيه العمل الدولي.
فارس عياش: التركيز على الوحدة الوطنية بوصفها شرطا للعمل المشترك، وليس مجرد شعار للمصالحة.
هداية عياش: إعادة الاعتبار إلى الحياة والكرامة، مؤكدة أن الصمود لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمعاناة، بل إلى عمل يغيّر شروطها.
تكشف هذه المداخلات أن الحوار انتقل من محاولة تفسير الحدث والصدى والتحول إلى تفسير ما تحقق وما تعثّر، والكشف عن آليات التعطيل وأسبابه، وتحديد شروط الانتقال من الإمكان إلى القدرة، ومن القدرة إلى الفعل المنظم، ومن الفعل إلى تغيير مستدام في الواقع الفلسطيني والعربي والدولي.
ومن هنا، تتقدم هذه الورقة خطوة أخرى: من تصنيف النتائج إلى تفسيرها، ومن تسجيل غياب التحول إلى تحليل أسبابه والمتسببين في تعطيله، ومن الدعوة إلى التغيير إلى اقتراح مداخل عملية لبناء مقوماته.
ولا تفترض أن جميع الأسئلة قد حُسمت، أو أن المداخلات أنتجت اتفاقا كاملا. بل تسعى إلى استخلاص المشترك بينها، وإبقاء نقاط الاختلاف والفرضيات المتنافسة مفتوحة للفحص والنقاش، وتحويل الحوار إلى معرفة جديدة تساعد على تحديد خيارات الفعل.
تضمنت الورقة عشرة محاور:
المحور الأول (التشخيص والتوصيف): يفرّق بين أربعة مستويات للنتائج: مباشرة، وإدراكية، وتنظيمية/سياسية، وبنيوية مستدامة. وينفي السببية الآلية بين التزامن والتغيير.
المحور الثاني (التأطير المفهومي للصمود): يعيد تعريف الصمود باعتباره قدرة المجتمع على حماية الحياة وإعادة إنتاجها، وصون الكرامة الإنسانية وتوفير مقومات المعيشة، رافضا تمجيد المعاناة.
المحور الثالث (التأطير النفسي والمجتمعي): يحلل تآكل الثقة وانسداد الأفق بوصفهما نتيجة تراكمية لغياب الأمان، وسياسة الإقصاء، وضعف المشاركة المجتمعية في صنع القرار، وحصانة القيادة والمؤسسات من المساءلة، وليس بوصفهما ضعفا في الإرادة الوطنية.
المحور الرابع (تشخيص الانسداد والتعثر): يطرح سجلا لقياس آليات التعثر، للتفريق إجرائيا بين غياب القدرة، الذي يستدعي بناء الموارد؛ وتشتتها، الذي يستدعي التنظيم والتنسيق؛ وتعطيلها، الذي يستدعي المساءلة، وسلّم الضغط المجتمعي والنقابي المتدرج.
المحور الخامس (التخطيط وإدارة عدم اليقين): يضع مصفوفة لتقدير شروط التحول، ويوسّع التقدير ليشمل أدوات التكيف مع السيناريوهات الصفرية والإنكار الميداني، عبر رصد الإشارات المبكرة، واختبار مرونة البنى والبدائل عند الانقطاع.
المحور السادس (النظام السياسي والبنية الداخلية): يعيد تأطير مفاهيم القرار والشرعية، بربطها بالتفويض الشعبي والمساءلة، وتجريد التضحيات من منح الحصانة، وتعريف الوحدة الوطنية بوصفها شراكة في القرار وإدارة الاختلاف، لا مجرد محاصصة فصائلية.
المحور السابع (جغرافية الصدى الخارجي): يحدد مسارات التأثير الخمسة: القانونية، والسياسية، والمدنية، والمعرفية، والتنسيقية؛ ويضع أسس مأسسة التضامن العربي والدولي عبر الجاليات والشراكات المناهضة للعنصرية، لتحويله إلى أثر سياسي مستدام.
المحور الثامن (المنهجية والمعرفة الجماعية): يؤسس قواعد إنتاج المعرفة الجماعية وتصنيفها في سجل معرفي مشترك، يميّز بين الوقائع والتفسيرات والفرضيات، ويدير الاختلاف، ويحدد شروط انتقال المعرفة إلى فعل.
المحور التاسع (الأولويات وتطبيق الفعل): يقدم قواعد المفاضلة لاختيار الأولويات، ويصوغ بطاقة المبادرة التنفيذية ومؤشرات التقييم، لربط الأهداف الاستراتيجية بالخطوات المرحلية القابلة للاختبار.
المحور العاشر (الحوصلة والتأسيس للنهوض): يحوصل النتائج ويركز على المهمات الثلاث للمرحلة المقبلة:
- مهمة تفسيرية: تحديد ما تحقق وما تعثّر بالدليل، والتمييز بين الوقائع والفرضيات.
- مهمة تأسيسية: بناء مقومات الحياة وصون الكرامة، وتجديد الشرعية، وقواعد القرار، والمساءلة.
- مهمة عملية: اختيار مبادرات محددة قابلة للتنفيذ والتقييم، تتيح التعلم المؤسسي والتكيف مع التحولات.
وبذلك، لا تقدم الورقة إجابات نهائية، ولا تحسم مسبقا الأولويات أو مسارات العمل، بل تؤسس إطارا مشتركا للانتقال من تفسير نتائج طوفان الأقصى وعوائق التحول إلى فحص شروط التغيير وبناء القدرة على الفعل. ويتمثل ما ينبغي أن ينتقل به الحوار إلى مرحلته التالية في أسئلة أوضح، وافتراضات قابلة للفحص، وأولويات يمكن مناقشة مبرراتها، ومسارات يمكن اختبارها ومراجعتها، وقدرة جماعية على التعلم من النتائج.
أما تحديد هذه الأولويات وترتيبها، وتقدير ما يمكن البدء به، وما يحتاج إلى تهيئة أو توافق أو معرفة إضافية، فيبقى عملا تشاركيا مفتوحا، يهدف إلى تحويل الإمكانات إلى تغيير قابل للاستمرار، دون التفريط بالأهداف الوطنية والحقوق الأساسية.
ونظرا إلى طول الورقة (72 صفحة)، أرفق رابط الورقة الكاملة.