ملخص تنفيذي
يسعى المقال التاسع في السلسلة إلى اختبار مفهوم “الفخ المركب” كإطار تفسيري لتعذر حسم الصراعات المعاصرة، على الرغم من المستويات غير المسبوقة للقدرة التدميرية. بالانتقال إلى ما هو أبعد من النماذج الكلاسيكية للعلاقات الدولية، مثل توازن القوى والردع والهيمنة.
يجادل المقال بأن النظام الدولي قد تطور إلى بنية معقدة من القيود المتشابكة التي تُشكل وتُقيد السلوك الاستراتيجي عبر مجالات متعددة: عسكرية واقتصادية، وتكنولوجية، وزمنية، وخطابية. ويفصّل المقال “نقطة التحول” التي ينزلق عندها الصراع من كونه نزاعا تقليديا إلى “فخ مركّب” عبر تجاوز عتبات التدويل، وتداخل المجالات، والاستنزاف الإدراكي.
ويفترض أن تراكم القوة لم يعد يضمن إغلاقا استراتيجيا للصراعات، بل على العكس، فإنه يزيد من تعقيد النظام الدولي، ويقلل من إمكانية السيطرة، ويعيد إنتاج ديناميات الصراع. ولإثبات ذلك، يطور المقال مجموعة من المؤشرات القابلة للقياس: الاستنزاف، عدم الحل، التناقض الاستراتيجي، التداخل النظامي، وتوليد البدائل، ويطرح نموذجا تحليليا رياضياً يربط بين أدوات القوة، وكثافة التداخل، والقدرة على السيطرة عبر المعادلة الاستراتيجية، حيث زيادة القوة في ظل تداخل كثيف مع تراجع قدرة التحكم داخل النظام الدولي المعقد، لا تعني بالضرورة نتائج أفضل، بل تؤدي حتما إلى “اللا- حسم” أو نتائج عكسية.
ويختبر هذا الإطار من خلال مراقبة محاولات الولايات المتحدة للهيمنة، وروسيا لكسر التوازن، والتوسع العالمي للصين الصاعدة، وتمدد الفاعلين الإقليميين مثل إيران وتركيا و”إسرائيل” بالتركيز على أربع حالات مقارنة في أوكرانيا، فلسطين. إيران، و”إسرائيل”. ويلاحظ أنه في جميع هذه الحالات، يبرز نمط سببي متكرر: فمع ازدياد استخدام القوة، تزداد كثافة القيود، مما يؤدي إلى تراجع النتائج الاستراتيجية وإطالة أمد الصراعات.
ويخلص إلى أن “الفخ المركب” ليس شذوذا مرتبطا بفاعلين محددين، بل هو حالة بنيوية للنظام الدولي المعاصر، تُشير إلى انتقال النظام الدولي من نظام الهيمنة إلى حالة من الفوضى المقيدة. كما يبين حدود النموذج، في ضوء التكامل النظري والاختبار التجريبي، ويطرح “نموذج الصمود النشط” كآلية عملية لكسر بنية الفخ وتفكيك تداخلاته، خاصة في حالات الشعوب الأصيلة التي تواجه مشاريع إحلالية. ويوفر في الوقت ذاته إطارا تحليليا لفهم الديناميات البنيوية لممكنات كسر الدائرة المغلقة في عالم متعدد القيود والمتغيرات.
المقال الكامل: الفخّ المركّب: إطار بنيوي لتفسير اللا- حسم في الحروب المعاصرة وتحول النظام الدولي
تمهيد
تستهدف سلسلة مقالات “الفخ المركب” تقديم إطار تفسيري لفهم الحروب المعاصرة، كنظام معقد يعيد إنتاج نفسه عبر مستويات متعددة: الأخلاقي، الزمني، الطاقوي، الخطابي، الإدراكي، والبنيوي. وتكشف عجز الحروب المعاصرة عن الحسم رغم فائض القوة التدميرية، وتفتح مساحة لتحليل هذا التناقض بوصفه ظاهرة بنيوية لا ظرفية.
وقد أتاح هذا الطرح مساحة لحوار فكري عميق بين مجموعة من المفكرين والباحثين والمثقفين الفلسطينيين العرب، وشهد اشتباكا فكريا مكثفا بين الكاتبة وكل من الأساتذة خالد عطية، يحيى بركات، ونائل موسى. فقد أسهمت مداخلاتهم ومقالاتهم الثرية في تعميق فهم بنية الصراع، وتوسيع أفق السؤال: من الحروب بوصفها ظواهر ميدانية إلى النظام الدولي الذي ينتجها.
وفي هذا الحوار الممتد، يتشكل مسار فكري يجمع بين التلاقي والاختلاف، سعيا لفهم أعمق لاختلالات النظام الدولي الراهن، ووقوعه في قبضة “الفخّ المركّب” الذي لا يكتفي بتوليد الحروب، بل يعيد إنتاج عجزها عن الحسم. ومن هنا، لا تقتصر السلسلة على التحليل، بل تنفتح أيضا على استشراف إمكانيات التفكيك، وطرح تساؤلات حول الشروط التي قد تتيح كسر هذه الدائرة المغلقة.
أولًا: الفخّ المركّب بوصفه بنية العالم المعاصر – من الأحادية إلى الفوضى المقيدة
تاريخيا، لم يكن تعدد الأقطاب مجرد سمة عامة للنظام الدولي، بل شكّل آلية غير مباشرة لإنتاج التوازن والاستقرار النسبي. فمن تعددية الأقطاب في أوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى، إلى نظام الحرب الباردة ثنائي القطبية، ظل هناك نوع من التقييد المتبادل بين القوى، حتى في ظل وجود قوة راجحة. لم يمنع هذا التقييد وقوع الحروب، لكنه حدّ من إمكانية تحقق الهيمنة المطلقة، وحافظ على قدر من الانضباط البنيوي داخل النظام.
غير أن التحولات التي أعقبت انتهاء عصر الثنائية القطبية مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الاشتراكي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، دفعت بالنظام الدولي إلى وضعية مغايرة، دخل العالم ما يُعرف بـ“اللحظة الأحادية”، وهي مرحلة أحادية غير مسبوقة، تختلف عن أنماط الأحادية التاريخية التي كانت تقوم على تعددية المراكز تحت قوة راجحة داخل النظام الرأسمالي. حيث وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها دون ندّ مكافئ، ليس عسكريا فقط، بل اقتصاديا وتكنولوجيا وثقافيا ورمزيا. وتزامنت هذه الأحادية مع صعود النيوليبرالية وتركز السلطة والقوة والمال في يد قلة متناقصة، يقودها عقل أداتي يحتكم لمعايير مادية وعقيدة عنصرية، كشفت هيمنتها على مراكز القرار عن مفارقة مركزية: فائض القوة يعمق الصدوع داخليا، ولم يعد يُترجم إلى قدرة على الحسم خارجيا. إذ ترافَق تضخّم أدوات السيطرة مع تراجع القدرة على تحقيق نتائج نهائية. فلم تعد الحروب تُحسم، ولا الصرعات تُغلق، ولا التفوق يُترجم إلى استقرار مستدام. وبذلك، لم يقتصر التحول على موازين القوى، بل امتد إلى قواعد اشتغال القوة نفسها.
ثانيًا: حين تُقيِّد القوةُ نفسَها
هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها ضمن النماذج التقليدية التي تفترض علاقة خطية بين القوة والنتيجة، بل تكشف عن تحول أعمق في بنية القوة ذاتها، وفي القيود التي تحكم فاعليتها.
وبناء على ذلك، لا يصبح فائض القوة ضمانا للحسم، بل عاملا في تعقيده، حيث يؤدي الاستخدام المتزايد للأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية إلى توسيع نطاق التداخل بين الفاعلين، بما يتجاوز القدرة على التحكم في مسار الصراع ونتائجه.
وفي هذا السياق، يتجاور التحليل ثنائية (هيمنة/توازن) بوصفها أدوات تفسير كافية، ويطرح بدلا منها إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة القوة نفسها، وفي طريقة اشتغالها داخل النظام الدولي. فلم يعد السؤال: من يملك القوة؟ بل: ماذا تفعل القوة حين تعجز عن تحقيق الحسم رغم امتلاكها قدرات تدميرية فائقة؟
انطلاقا من ذلك، سعت السلسلة إلى تقديم:
1.1 إطار نظري يتجاوز ثنائية (هيمنة/توازن).
2.1 أداة تحليل قابلة للاختبار في حالات متعددة.
3.1 تفسير لظاهرة “اللا- حسم” في الحروب المعاصرة.
4.1 ربط بين البنية الدولية والسلوك الاستراتيجي.
وبهذا المعنى، لا يُقدَّم “الفخّ المركّب” كمجرد مفهوم وصفي، بل كمدخل لفهم العالم المعاصر بوصفه نظاما تحكمه قيود متداخلة، تُعيد تشكيل العلاقة بين القوة والنتيجة، وتفتح المجال لإعادة التفكير في منطق الحروب وتحولات النظام الدولي.
ثالثاً: ديناميكية التحول: متى يصبح الصراع “فخا مركبا”؟
إن التمييز بين الصراع التقليدي والفخ المركب يكمن في نقطة التحول البنيوية، وهي اللحظة التي يتجاوز فيها النزاع عتبة الحسم الخطي ليصبح نظاما مغلقا. وتتحقق هذه النقطة عند تلاقي ثلاث عتبات رئيسية:
1.3 عتبة التدويل وتعدد الفاعلين: حين يفقد الطرفان الأصيلان السيطرة الحصرية على مسار الحرب، وتتدخل قوى إقليمية ودولية بالوكالة، مما يفقد الأطراف القدرة على التوافق على “صيغة للنصر”.
2.3 عتبة تداخل المجالات: حين يتوقف الرصاص عن كونه الأداة الوحيدة، وتصبح “معركة السرديات” و “الحرب السيبرانية” مساوية للسيطرة الميدانية، مما يحوّل الإنجاز التكتيكي إلى عبء استراتيجي.
3.3 عتبة الاستنزاف الإدراكي: حين يصبح “الاستمرار في الحرب” (رغم كلفته) أرخص سياسيا للنخب من “إعلان التوقف”، فيتحول الصراع من وسيلة لتحقيق هدف سياسي إلى وسيلة للبقاء في السلطة.
رابعاً: من توازن القوى إلى بنية الفخّ
انطلاقا من هذه المفارقة، تبرز حدود النظريات التقليدية في تفسير ديناميات النظام الدولي المعاصر. فقد قامت هذه النظريات – سواء في صيغها الواقعية أو الليبرالية – على مفاهيم مركزية مثل توازن القوى والردع والهيمنة، والتي تفترض ضمنيا أن القوة، إذا استُخدمت بقدر كاف، وضمن شروط مناسبة، يمكن أن تؤدي إلى الحسم، أو إلى إنتاج نوع من الاستقرار.
غير أن التجربة المعاصرة تكشف اتجاها مغايرا، فالقوة تُستخدم اليوم على نطاق أوسع من أي وقت مضى، لكنها تنتج مستويات أقل من الاستقرار، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى إطالة أمد الصراعات بدل إنهائها. ومن هنا، لا يعود بالإمكان فهم العالم بوصفه نظاما لتوازن القوى، بل بوصفه نظاما من القيود المتداخلة التي تُنتج سلوكا مقيدا للفاعلين.
في هذا التحول، ننتقل من تصور النظام الدولي كفضاء تتحرك فيه القوى بحرية نسبية لتحقيق مصالحها، إلى فهمه كبنية مركبة من “الفخاخ” التي تتقاطع فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والإدراكية والزمنية. وعليه، لا يُفسَّر العجز عن الحسم بوصفه نتيجة لقصور في القدرات، أو سوء في التقدير فحسب، بل بوصفه تعبيرا عن منطق بنيوي أعمق، حيث تتحول أدوات القوة نفسها إلى قيود تحدّ من فعاليتها، وتعيد إنتاج الشروط التي تجعل الصراع مستمرا.
خامساً: ماهية الفخّ المركّب
عرّفت المقالات السابقة “الفخّ المركب”: فالفخ بنية ديناميكية من القيود المتشابكة – عسكرية، اقتصادية، إدراكية، وزمنية – تجبر الفاعلين على اتخاذ خيارات تبدو ضرورية أو عقلانية، لكنها تؤدي إلى نتائج عكسية تعيد إنتاج هذه القيود نفسها.
أما مصطلح “المركّب”، فيشير إلى تعدد مستويات الفخّ، وتداخلها، وقدرتها على إعادة إنتاج ذاتها، بحيث يصبح الفاعل أسير منطق بنيوي لا يمكن تجاوزه بسهولة.
وبهذا المعنى، فإن الفخّ المركّب ليس حدثا مؤقتا، بل حالة مستمرة تُعيد تشكيل سلوك الفاعلين والنتائج التي يحققونها، مهما كانت قوتهم أو خبراتهم.
تتيح هذه الرؤية الانتقال من التركيز على فشل القرارات الفردية إلى فهم النظام ككل، ويصبح الفخّ المركّب أداة لفهم لماذا تستمر الحروب رغم امتلاك القوى الكبرى أدوات قوة غير مسبوقة، ولماذا تعجز حتى استراتيجيات الهيمنة الأكثر تطورا عن تحقيق نتائج نهائية.
سادساً: خصائص الفخّ المركّب
عرضت المقالات السابقة السمات الجوهرية للفخّ المركّب ويمكن تلخيصها في خمسة محاور رئيسية:
1.6 التداخل: لا يعمل أي فخ بمعزل عن الآخر، فالأمني يتداخل مع الاقتصادي، والأخلاقي مع الخطابي، والإدراكي مع العسكري، والبنيوي مع الزمني. وهذا التداخل يولد شبكة معقدة من القيود التي تحدد سلوك الفاعلين.
2.6 انعدام الحسم: لا يصبح الحسم مستحيلا بسبب ضعف الفاعلين، بل لأن بنية النظام الدولي تمنع الإغلاق النهائي للصراع، وتبقي مسارات المواجهة مفتوحة على المدى الطويل.
3.6 التناقض الداخلي: كما في قوانين الطبيعة والفيزياء، كل أداة قوة تحمل نقيضها: الردع يولد التحدي، التمدد يولد الانكشاف، السيطرة تولد المقاومة. الحصار يولد البدائل، هذا التناقض يجعل من كل نجاح تكتيكي مصدرا لاحتمالات سلبية على المستوى الاستراتيجي.
6.4 إعادة الإنتاج: الفخّ لا يُحلّ، بل يُعاد إنتاجه بشكل مستمر، كل محاولة للخروج منه تعمّقه، وكل حل جزئي يعيد المشكلة بصيغة جديدة، مما يحافظ على استمرار الصراع ضمن بنية النظام.
5.6 تعدد المستويات: لا يقتصر تأثير الفخ على مستوى واحد، فهو يمتد من الفرد والقرار، مرورا بالمؤسسة والفاعلين الإقليميين، وصولا إلى النظام الدولي ككل، ما يجعل الاستراتيجية دائما مقيّدة ومتداخلة.
سابعاً: الفخاخ داخل الفخّ المركّب
الفخ المركّب ليس مجرد حالة عامة للعجز عن الحسم، بل هو شبكة من الفخاخ المتداخلة، كل منها يمثل بعدا محددا من القيود البنيوية التي تحد من قدرة الفاعلين على تحقيق نتائج نهائية. هذه الفخاخ تعمل، كما سبقت الإشارة، ضمن منطق بنيوي متكامل، حيث تولّد تفاعلاتها ديناميات معقدة تعيد إنتاج نفسها باستمرار. ويمكن تفصيل هذه الفخاخ كما يلي:
1.7 الفخ البنيوي: يرتبط بالخصائص المركزية للفخ المركّب: التداخل وانعدام الحسم. حيث يمنع النظام الدولي أي فاعل من فرض سيطرة نهائية أو تحقيق هيمنة مطلقة. وتقابل أي محاولة للهيمنة دائما مقاومة متكاملة من بقية الفاعلين، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. فحتى القوى الكبرى لا تستطيع فرض واقع دائم دون ظهور بدائل أو تحركات مضادة تعيد تشكيل المسار الاستراتيجي.
2.7 الفخ الأمني: يظهر من خلال التناقض الداخلي وانعدام الحسم. فكل خطوة لتعزيز الأمن، سواء عبر القوة العسكرية أو التدابير الدفاعية، قد تخلق تهديدات جديدة أو نقاط ضعف إضافية. يوضح هذا الفخ لماذا تفشل الاستراتيجيات العسكرية التقليدية في إنتاج استقرار طويل الأمد، حيث يصبح السعي للأمن نفسه مصدرا للاستنزاف وعدم الاستقرار.
3.7 فخ التمدد: يرتبط بخاصيتي إعادة الإنتاج والتداخل.
أي توسع في النفوذ الإقليمي أو الدولي يولد تحديات جديدة، بما في ذلك مقاومة محلية ودولية، وتنافس على الموارد أو التحالفات. كل توسع يعيد إنتاج شبكة القيود ويجعل السيطرة على النتائج أكثر هشاشة وتعقيدا. ويظهر ذلك بوضوح في سلوك القوى الصاعدة التي تسعى لتوسيع نفوذها، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.
4.7 الفخ الإدراكي: يتصل بخاصيتي تعدد المستويات والتداخل، ويعتبر القلب المفاهيمي للفخ المركّب. إذ يضلل النخب والفاعلين حول مدى قدرتهم على التحكم في نتائج أفعالهم. بحيث يظن الفاعل أنه يتخذ قرارات عقلانية على المستوى الفردي أو التكتيكي، لكنه في الواقع يعمل ضمن قيود مركبة تفوق إدراكه، فتؤدي إلى نتائج غير متوقعة على المستوى البنيوي.
هذا الفخ يشرح لماذا تتكرر نفس الأنماط السلوكية رغم تغير الأوضاع أو استخدام أدوات قوة متقدمة.
5.7 الفخ الزمني: يرتبط بانعدام الحسم واستنزاف الوقت.
الزمن لا يعمل كعامل حسم، بل كعامل استنزاف مستمر، حيث يؤدي كل تأخير أو تمديد للعمليات إلى تعميق الصراع. ويظهر هذا الفخ في النزاعات الطويلة، حيث لا تحقق العمليات العسكرية أو السياسية نتائج نهائية رغم استمرار الجهود والموارد.
6.7 الفخ الاقتصادي: يظهر من خلال التناقض الداخلي وإعادة الإنتاج. تتحول أدوات الضغط الاقتصادي، مثل العقوبات أو الحصار، إلى مصادر ضعف متبادلة. كل محاولة لفرض تأثير اقتصادي قد تؤدي إلى ظهور بدائل اقتصادية أو مالية جديدة، تسهم في تعزيز قوة الخصم المستهدف على المدى الطويل.
7.7 ألفخ الخطابي: مرتبط بخاصيتي التداخل وتعدد المستويات. الخطاب والسرديات السياسية والإعلامية تصبح أدوات إنتاج ضغط وصراع، أكثر من كونها أدوات لتفسير الواقع. هذه الفخاخ تؤثر في قدرة الفاعلين على الفهم الواقعي للأحداث، وتعيد إنتاج السياق الصراعي بدل حله، خصوصا مع تقدم التكنولوجيا وتعدد المنصات وفقدان السيطرة على السرديات.
كل فخ من هذه الفخاخ لا يعمل بمعزل عن الآخرين، بل يشكل جزءا من شبكة مترابطة، حيث يخلق تفاعل هذه الفخاخ حلقة مستمرة من التغذية العكسية، تجعل أي محاولة للتفوق أو الهيمنة محدودة، وتؤكد أن العجز عن الحسم ليس نتيجة ضعف أو سوء تقدير فحسب، بل هو نتاج منطق بنيوي معقد يسيطر على سلوك الفاعلين.
ثامنًا: من الفاعل إلى البنية – إعادة تعريف المسؤولية
التحليل لا ينفي دور الفاعلين الفرديين أو المؤسسات، لكنه يضعه في سياق أوسع. فالفواعل لا تفشل بسبب قرارات خاطئة أو سوء تقدير فحسب، بل لأنها تعمل ضمن بنية الفخ المركّب التي تحدد نطاق الممكن. وبالتالي، تصبح الأخطاء الفردية أو التكتيكية معبرة عن قيود أعمق، تعكس التداخل البنيوي بين القيود المختلفة، وتوضح لماذا يظل العجز عن الحسم مستمرا رغم امتلاك الفاعلين أدوات قوة متزايدة. هذه الرؤية تحوّل التركيز من لوم الفاعلين إلى فهم النظام ككل، حيث تصبح الاستراتيجيات الفردية محدودة الفعالية أمام منطق الفخ المركّب.
تاسعاً: لماذا الآن؟ – السياق التاريخي
يبرز الفخ المركّب بوضوح في السياق الراهن لعدة أسباب:
1.9 نهاية الأحادية دون استقرار تعددية: انهيار النظام ثنائي /أحادي القطبية متعدد المراكز تحت قوة راجحة، خلق لحظة أحادية تنفرد فيها الولايات المتحدة الأمريكية، بلا قواعد مستقرة.
2.9 تداخل غير مسبوق لمجالات القوة: القوة العسكرية، التكنولوجية، الاقتصادية، الإعلامية، والزمنية كلها تتشابك بشكل متداخل.
3.9 تسارع زمني يفوق قدرة القرار: الأحداث تتسارع بحيث يصبح الزمن عاملا استنزافيا أكثر منه عامل حسم.
في هذه المرحلة، يظل العالم في حالة انتقالية بلا قواعد واضحة، حيث تتحول القوة إلى قيد، وتصبح الاستراتيجية بمثابة مأزق، والصراع حالة دائمة، وهو ما يجعل فهم الفخ المركّب ضروريا لفك شيفرة السلوك الدولي المعاصر.
عاشراً: الدلالة السياسية للسلسلة
لا يكتفي الإطار النظري بالتحليل، بل يطرح سؤالا عمليا: كيف يمكن للفاعلين، وخصوصا الضعفاء، التحرك داخل الفخ دون أن يُسحقوا به؟ هذا الإطار يتيح:
• التفكير الاستراتيجي البديل.
• تقليل الانخراط في الفخاخ المتعددة.
• إعادة تعريف مفهوم “النجاح” السياسي.
فالعالم المعاصر يُدار بمنطق معقد، حيث تتحول القوة إلى قيد، وتصبح الاستراتيجية مأزقا، والصراع حالة مستمرة.
إحدى عشر: حدود النموذج وإشكالياته النظرية
رغم القدرة التفسيرية العالية التي يوفرها نموذج “الفخّ المركّب” في تحليل الحروب المعاصرة وتحولات النظام الدولي، إلا أنه لا يدّعي الإحاطة الكاملة بكل أنماط الصراع، أو تقديم تفسير شامل لجميع الحالات التاريخية. بل يظل إطارا تحليليا يكتسب قوته من قدرته على تفسير نمط محدد من الظواهر، ضمن شروط بنيوية معينة.
فالنموذج يفترض مستوى مرتفعا من التداخل بين مجالات القوة (العسكرية، الاقتصادية، التكنولوجية، الخطابية، الإدراكية)، وهو ما يجعله أقل قابلية للتطبيق على حالات الصراعات المحدودة أو التقليدية التي لم تصل إلى هذا المستوى من التعقيد البنيوي. في مثل هذه الحالات، قد تظل أدوات التفسير الكلاسيكية – كالحسم العسكري أو توازن القوى- أكثر ملاءمة.
كما يركز النموذج على البنية أكثر من الفاعل، ما قد يؤدي إلى تقليل وزن القرارات الاستثنائية، أو التحولات المفاجئة التي يمكن أن تُحدث انكسارا في مسار الصراع. ورغم أن هذه الحالات نادرة، إلا أن تجاهلها قد يحدّ من قدرته على تفسير لحظات التحول الحاد أو “الخروج المؤقت” من الفخ.
من ناحية أخرى، يواجه النموذج تحديا منهجيا في تحويل بعض مفاهيمه إلى مؤشرات كمية دقيقة، خصوصا ما يتعلق بـ“كثافة التداخل” و“قدرة التحكم”، حيث تظل هذه المفاهيم، في جزء منها، مركّبة، وتتطلب مزيدا من التطوير المنهجي لتصبح أدوات قياس معيارية قابلة للتطبيق الواسع. كما أنه قد يُساء استخدامه باعتباره تفسيرا حتميا يفترض استحالة الحسم بشكل مطلق، في حين أن المقصود هو الإشارة إلى اتجاه بنيوي غالب، لا إلى قانون صارم بلا استثناء. فالفخّ المركّب لا يلغي إمكانية التغيير، بل يعيد تعريف شروطه وحدوده.
علاوة عن أن النموذج في هذه المرحلة يعتمد على عدد محدود من الحالات التحليلية، ما يستدعي توسيع نطاق الاختبار ليشمل حالات إضافية عبر أزمنة وسياقات مختلفة، بهدف تعزيز صلابته التفسيرية واختبار مدى عموميته.
غير أن هذه الحدود لا تقلل من قيمته، بل تحدد نطاق اشتغاله بدقة، وتفتح المجال أمام تطويره نظريا وتطبيقيا.
فكل إطار تفسيري يكتسب قوته ليس فقط من قدرته على الشرح، بل من وعيه بحدوده، ومن قابليته المستمرة للاختبار والتعديل. وعليه، لا يُقدَّم “الفخّ المركّب” كنظرية مغلقة، بل كإطار ديناميكي مفتوح، قابل للتطوير، وموجّه لفهم عالم تتزايد فيه القيود البنيوية بقدر ما تتزايد فيه أدوات القوة.
فهو نموذج تحليلي لقياس السلوك الاستراتيجي في مرحلة الفوضى المقيدة، حيث السؤال المركزي: لماذا تفشل القوى الدولية رغم امتلاك أدوات قوة متزايدة في تحقيق الحسم الاستراتيجي؟
والإجابة عليه بأن سلوك الفاعلين محكوم ببنية الفخ المركّب، التي تنتج تناقضا بنيويا بين أدوات القوة وأهدافها، مما يؤدي إلى استنزاف مستمر وإعادة إنتاج الصراع بدل حسمه. حيث أن المقاربات التقليدية: الواقعية، الليبرالية المؤسسية، ونظريات الهيمنة، جميعها تفشل في تفسير ظاهرة “اللا- حسم”،
والاستنزاف المتبادل طويل الأمد، والنتائج العكسية للسياسات الناجحة تكتيكيا.
إثنا عشر: إمكانية كسر الفخ المركّب و”نموذج الصمود النشط”
رغم الطابع البنيوي الذي يمنحه نموذج “الفخّ المركّب” لظاهرة اللا- حسم، فإنه لا يفترض استحالة الكسر بشكل مطلق، بل يقرّ بإمكانية حدوثه عبر استراتيجية “تفكيك التداخل”. ونطرح هنا “نموذج الصمود النشط” كآلية عملية خاصة للشعوب الأصيلة التي تخوض صراعا وجوديا والفاعلين الضعفاء:
1.12 العزل الجراحي للمسارات: فك الارتباط بين الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية لمنع الخصم من استخدام الضغط الموحد، وتقليل عدد المتغيرات لرفع قدرة التحكم.
2.12 الصمود الاقتصادي والسيادي: بناء اقتصاديات بديلة تعزز الاعتماد على الذات وتقلل التبعية لمنظومة الفخ الدولي، مما يحول الحصار من أداة ضغط إلى دافع للاستقلال البنيوي.
3.12 الهجوم الخطابي (حرب الرواية): تحويل الصراع من قالب “الأمن” الذي يخدم المحتل، إلى قالب “العدالة والتحرر”، مما يحطم الفخ الخطابي ويعزل المستعمر أخلاقيا.
4.12 قلب المنطق الزمني: تحويل الزمن من أداة استنزاف للضحية إلى “ثقب أسود” يمتص موارد المستعمر، فالأصيل باق بطبعه، والصمود هنا هو الفعل الهجومي الذي يجعل كلفة الاحتلال والبقاء داخل الفخ أعلى من كلفة الخروج.
ثلاثة عشر: دراسة حالات مقارنة
1.13 فخ الهيمنة: الولايات المتحدة (العراق/أفغانستان)
2.13 فخ الصعود: الصين (بحر الصين/الحزام والطريق)
3.13 فخ كسر التوازن: روسيا (أوكرانيا)
4.13 فخ التمدد: الفاعل الإقليمي: إيران/تركيا
5.13 فخ التمدد المؤمّن: “إسرائيل”
6.13 فخ متعدد المستويات: فلسطين
أدوات التحليل: تحليل سلوكي استراتيجي، تتبع العمليات، وتحليلالخطاب والسرديات.
أ. الفرضيات الرئيسية:
• زيادة الاعتماد على أدوات القوة الصلبة تزيد احتمال الوقوع في فخ الاستنزاف.
• الضغط الاقتصادي يؤدي إلى توليد بدائل مضادة.
• القوى الصاعدة تواجه قيودا بنيوية ضمن النظام القائم.
• الاستراتيجيات التوسعية في بيئات متعددة الفاعلين تؤدي إلى تآكل السيطرة.
ب. مؤشرات القياس:
• الاستنزاف: مدة الصراع، الكلفة الاقتصادية، الخسائر البشرية/العسكرية، تراجع الدعم الداخلي.
• اللا- حسم: غياب نتيجة سياسية واضحة، استمرار العمليات، تكرار جولات التصعيد.
• التناقض الاستراتيجي: الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، تحول الإنجاز التكتيكي إلى عبء استراتيجي.
• إنتاج البدائل: ظهور تحالفات مضادة، استقلال تكنولوجي ومعرفي متزايد، اقتصاد وأنظمة مالية بديلة.
• التداخل: عدد الفاعلين، مستويات الصراع، تداخل الأدوات.
ج. نموذج تحليلي تكاملي:
النتيجة الاستراتيجية في هذا الإطار تُحسب بالمعادلة التالية: زيادة القوة في ظل تداخل كثيف مع تراجع قدرة التحكم داخل النظام الدولي المعقد، لا تعني بالضرورة نتائج أفضل، بل تؤدي حتماً إلى “اللا- حسم” أو نتائج عكسية.
أربعة عشر: التطبيق التجريبي لنموذج الفخ المركّب
1.14 الحالة الأولى: أوكرانيا (فخ انفجار التداخل)
لا يمكن فهم الحرب في أوكرانيا من خلال توصيف مستويات الاستنزاف أو التداخل فحسب، بل يتطلب الأمر تتبّع السلسلة السببية التي تربط بين استخدام أدوات القوة والنتائج التي آلت إليها. وفي هذا السياق، يقدّم إطار “الفخّ المركّب” أداة تحليلية تسمح بتفكيك هذه العلاقة على نحو ديناميكي.
انطلقت الاستراتيجية الروسية من هدف واضح تمثّل في إعادة تشكيل التوازن الدولي، انطلاقا من افتراض ضمني مفاده أن استخدام القوة العسكرية المكثفة سيؤدي إلى حسم سريع للصراع. غير أن تفعيل هذه الأدوات لم يؤدِّ إلى النتيجة المتوقعة، بل أطلق سلسلة من القيود البنيوية. فعلى المستوى الدولي، أدى التدخل العسكري إلى توليد استجابة تحالفية وانفجار في التداخل مما أدى لتراجع كبير في قدرة التحكم.
النتيجة هي “فوضى استنزافية” حيث تزيد القوة من اشتعال الحريق بدلا من إطفائه، وتحوّلت الإنجازات التكتيكية إلى أعباء طويلة الأمد.
2.14 الحالة الثانية: فلسطين (صراع الوجود في مواجهة الفخ الاستعماري الإحلالي)
تمثل حالة فلسطين النموذج الأبرز والأكثر تكثيفاً لعمل “الفخّ المركّب” بوصفه بنية استعمارية ممتدة لأكثر من قرن، حيث يتداخل فيها الصراع الوجودي مع مشروع استعماري غربي-صهيوني استهدف السيطرة على المنطقة العربية والإسلامية برمتها.
ويمكن تفكيك هذه الحالة بوصفها “الفخ المركزي” في النظام الدولي عبر الأبعاد التالية:
• الجذور الاستعمارية الإحلالية والوظيفية: بدأ الفخ فعلياً بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، عبر تقسيم المنطقة وزرع كيان استعماري استيطاني صهيوني “إحلالي ووظيفي” في فلسطين. ومع إقامته فعليا عام 1948، ثم استكماله الاستيلاء على كامل فلسطين الانتدابية عام 1967، وتهجير نصف الشعب الفلسطيني، وانتهاج سياسات إبادة وتطهير عرقي ممنهجة ضد من تبقى فوق أرضه.
• تمدد الفخ وتطبيع الوجود: لم يتوقف الفخ عند حدود فلسطين، بل تمدد جغرافيا في سوريا ولبنان، وسعى لفرض شرعيته بالقوة وعبر “تطبيع وجوده” عربيا وإسلاميا ودوليا بالقفز عن الحقوق الوطنية والتاريخية الشعب الفلسطيني. ومحاولة تحويل الكيان الاستيطاني الوظيفي إلى “قائد للإقليم” لإدامة الهيمنة الغربية على عموم المنطقة.
• تناقض القوة والأصالة: تنطلق الاستراتيجية “الإسرائيلية” من فائض قوة تدميري مدعوم عالميا لإدارة الصراع الوجودي. غير أن تفعيل هذه الأدوات يؤدي إلى نتائج معاكسة بنيويا، فكل خطوة نحو “الحسم العسكري” أو “الإبادة” تولد أنماطا متجددة وأكثر صلابة من المقاومة، بما يعكس تفعيلا واضحاً للفخ الأمني، حيث يتحول السعي للأمن “الإسرائيلي” إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الوجودي للكيان نفسه.
• الصمود النشط كأداة لكسر الفخ: هنا تبرز المقاومة الفلسطينية في صراع البقاء كمتغير يرفض الامتثال لمعادلة القوة. فالفلسطيني يقلب الفخ الزمني، إذ يظل بقاؤه وتشبثه بالحق التاريخي فعلا هجوميا يفكك منطق الإزاحة الإحلالي. إن قدرة الشعب الفلسطيني على الاشتباك من داخل الفخ، رغم سياسات الإبادة والتطهير العرقي، تثبت أن “التحكم” “الإسرائيلي” يظل وهما استراتيجيا، فالمحتل يمتلك الأرض بالقوة، لكنه يعجز عن امتلاك “الشرعية” أو “الاستقرار”.
• اللا-حسم البنيوي: تكرار جولات الصراع على مدار ثمانية عقود متصلة، وخاصة الحرب المتواصلة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى اليوم، يكشف عن فجوة عميقة بين التقدير “الإسرائيلي” والواقع البنيوي. فالنجاحات التكتيكية في التدمير والقتل تتحول إلى أعباء استراتيجية وعزلة دولية، مما يعيد إنتاج الصراع كحالة دائمة لا تقبل “الإغلاق” الذي ينشده المشروع الصهيوني.
إن حالة فلسطين هي البرهان الحي على أن “الفخ المركب” حين يصطدم بـ “الأصالة التاريخية”، يتحول من أداة سيطرة إلى “دوامة استنزاف” للمستعمر، حيث يظل الصمود الفلسطيني هو القوة الوحيدة القادرة على تعطيل تكريس الهيمنة الصهيونية والغربية وإعادة تعريف شروط التحرر.
3.14 الحالة الثالثة: إيران (مواجهة الهيمنة وطموح القيادة الإقليمية)
تمثل إيران النموذج الأبرز للقوة الإقليمية الأصيلة والوازنة التي تتبنى استراتيجية بنيوية تهدف إلى تقويض الهيمنة الأمريكية والغربية وتفكيك دور الوكيل الإسرائيلي، انطلاقاً من طموح صريح في القيادة الإقليمية بمرتكزات ذاتية وتاريخية.
إن انخراط إيران في “الفخ المركب” هو نتاج صراع ممتد تعود جذوره إلى انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وقطع العلاقات مع “إسرائيل”، وما تلاه من محاولات إمبريالية محمومة لكسر إرادتها السيادية.
وتتجلى أزمة “اللا- حسم” في هذه الحالة من خلال المسار التاريخي والزمني التصعيدي التالي:
• الجذور البنيوية للصراع (1979-2015): واجه النظام الإيراني منذ نشأته حصارا اقتصاديا وسياسيا شاملاً، ومحاولات استنزاف كبرى بدأت بالحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، وفرض عقوبات خانقة، وإنشاء تحالفات إقليمية ودولية لمواجهته. كان الهدف الاستراتيجي دوما هو القضاء على طموحات إيران في التنمية المستقلة، ومنعها من امتلاك برنامج نووي سلمي يُعزز من مكانتها القيادية، وتقويض قدرتها الدفاعية ومحاصرة نفوذها الإقليمي.
• خديعة الاتفاق والعودة للحصار (2015-2018): رغم التوصل لاتفاق نووي عام 2015، إلا أن المعارضة “الإسرائيلية” الشرسة وقرار الرئيس الأمريكي ترامب بإلغائه عام 2018، أعاد الصراع إلى مربعه الأول. ترافق ذلك مع تكثيف للعقوبات واغتيال للعلماء الإيرانيين بدعم أمريكي وغربي، في محاولة لتعميق “الفخ الاقتصادي” وإعاقة التقدم التكنولوجي المستقل.
• من “طوفان الأقصى” إلى المواجهة الكبرى (2023-2026): تفاقم الأمر بشكل دراماتيكي بعد حرب السابع من تشرين الاول / أكتوبر 2023، حيث شنّت “إسرائيل” حربا واسعة على حلفاء إيران في محور المقاومة بلغت ذروتها في حرب الإبادة في قطاع غزة، وامتدادها إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق. بهدف “تجريد المركز” من أذرعه الإقليمية، غير أن مقاومة وصمود غالبية أطراف المحور رغم ما تكبدوه من خسائر بشرية ومادية جسيمة، دفع بالصراع نحو الصدام المباشر.
• المسار العسكري التصعيدي (حزيران 2025 – نيسان 2026): شهد شهر حزيران 2025 عدوانا أمريكيا –”إسرائيليا” مشتركا استمر 12 يوما لاختبار قدرات الردع الإيرانية. وتوج ذلك بالهجوم الشامل الذي بدأ في 28 شباط/ فبراير 2026 وما يزال مستمرا حتى اليوم (أبريل 2026)، مستهدفا “تغيير النظام” وتجريد إيران من قدراتها العسكرية والاقتصادية لتمكين “إسرائيل” من قيادة الإقليم.
• صدام مشروعي القيادة والهيمنة: يبرز الفخ المركب هنا في أوضح صوره، فالولايات المتحدة تسعى لإزاحة القوة الإيرانية الطامحة للقيادة الإقليمية واستبدالها بالوكيل “الإسرائيلي”. لكن القوة الإيرانية الأصيلة، وصمود محور المقاومة واستعصاءه على الخضوع، رغم الضربات المؤلمة والقاسية، تجعل من محاولة “التجريد” عملية تصطدم بصلابة البنية الوطنية والإقليمية الرافضة للهيمنة.
• فشل منطق “الإزاحة القسرية”: تثبت شهور القتال المتواصل منذ فبراير 2026 أن “فائض القوة” عاجز عن إنتاج “نتيجة سياسية”. فالحسم العسكري الذي تنشده واشنطن وتل أبيب يصطدم بحقائق القوة الإيرانية التي استطاعت تحويل “الفخ” إلى أداة لاستنزاف المهاجمين، متمسكة بمشروعها في مواجهة الهيمنة، وسعيها المشروع للدفاع عن الإقليم واستقلاله. وما يستدعيه ذلك من ضرورة موضعة مشروعها الجيوسياسي في سياق المشروع الحضاري الجامع لكافة مكونات الأمة الأصيلة (العرب والترك والفرس والأكراد).
4.14 الحالة الرابعة: “إسرائيل”، الفخّ “المؤمّن” وتآكل الوظيفة الاستراتيجية.
تمثل “إسرائيل” النموذج الأكثر تعقيدا للفخّ المركّب، فهي “كيان استعماري استيطاني إحلالي وظيفي” أُقيم بقرار استعماري غربي ليكون أداة سيطرة على عموم المنطقة، لكنه تحول بمرور الزمن إلى قوة ذاتية تمتلك فائضاً عسكريا وتكنولوجيا هائلاً يعجز، بنيويا، عن إنتاج “أمن مستدام”.
ويمكن تحليل هذا الفخ عبر المحاور التالية:
• تناقض “القوة الاستيطانية الإحلالية” مع “الأصالة الفلسطينية “: تعيش “إسرائيل” في صراع وجودي يمتد لثمانية عقود، حيث حاولت عبر حربي 1948 و1967، وما تلاها من إبادة وتطهير عرقي فرض واقع “الإزاحة” للشعب الفلسطيني وتطبيع وجودها عربيا وإقليميا بالقفز فوق الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني. غير أن هذا المشروع يصطدم بعناد الشعب الأصيل وتمسكه ببلوغها مهما طال الزمن وعظمت التضحيات. فكلما زادت كثافة القوة الإسرائيلية لقمعه وردع المحيط، زادت المقاومة و “كثافة التداخل”، مما يجعل “الحسم النهائي” مستحيلا بنيويا لأن الخصم (الشعب الأصيل) لا يملك خيار الرحيل أو الاستسلام.
• الفخ الأمني الذاتي تعتمد العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” على “الردع” و”الحسم السريع”. لكن في بيئة “الفخ المركب”، تحولت هذه العقيدة إلى أداة استنزاف، فالحروب المتتالية التي شنها الكيان الصهيوني على غزة ولبنان، وعلى محور المقاومة خصوصا بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 وصولا إلى نيسان/ أبريل 2026) لم تُنتج أمرا واقعا مستقرا، بل أنتجت أجيالا أكثر راديكالية، ووسائل مقاومة أكثر ابتكارا (أنفاق، مسيّرات، مقاومة شعبية)، مما جعل “الأمن” هدفا يبتعد كلما اقتربت منه القوة العسكرية.
• تآكل الدور الوظيفي والأزمة الوجودية: تجد “إسرائيل” نفسها اليوم في حرب شاملة بشراكة أمريكية على إيران وفلسطين ولبنان والعراق واليمن وعموم المنطقة، لمحاولة فرض “قيادتها للإقليم”. لكن هذه الحرب تكشف عن “الفخ الإدراكي”، إذ يظن الكيان أن سحق القوى الأصيلة (إيران، وفلسطين وقوى المقاومة) سيمنحه القيادة، بينما الواقع يؤكد أن زيادة القتل والتدمير تعمق العزلة العربية والاسلامية والدولية، وتآكل “الشرعية الأخلاقية” والقانونية للكيان، مما يحوله من “ذخر استراتيجي” للغرب إلى “عبء استراتيجي” يتطلب حماية دائمة.
• الفشل في “إدارة الصراع” وانفجار التداخل: لسنوات، اعتقدت القيادة الإسرائيلية أنها تملك “قدرة التحكم” عبر استراتيجية “جز العشب” أو إدارة الصراع. لكن انفجار الجبهات المتعددة أثبت أن “كثافة التداخل” النظامي أكبر من قدرة الكيان على السيطرة. فالأزمات الداخلية (السياسية والاجتماعية) تتفاعل مع الفشل العسكري الخارجي، مما يحول النجاحات التكتيكية الميدانية إلى أعباء استراتيجية، تؤدي لتآكل التماسك الاجتماعي الصهيوني، وهجرة الرساميل والعقول.
• اللا – حسم كقدر بنيوي: في معادلة الفخ المركب، تظل “إسرائيل” القوة الأكثر تسلحا والأقل قدرة على “إغلاق الصراع”. إن محاولتها الحالية لفرض سيادتها الإقليمية بالقوة المطلقة هي “هروب إلى الأمام” داخل الفخ، فكلما أمعنت في استخدام القوة، تآكلت قدرتها على التحكم في بيئة ترفض وجودها الإحلالي، مما يبقيها في حالة “اضطراب دائم” لا ينتهي إلا بانهيار الركائز التي قام عليها المشروع الصهيوني.
خمسة عشر: الفخّ المركّب ونهاية القوة المطلقة
توضح سلسلة مقالات الفخ المركّب حدود القوة، حيث الصراعات والحروب المعاصرة لا يمكن فهمها كنظام منفصل، بل كنظام معقد يفرض قيودا متشابكة. تظهر هذه الحالات أن الاستراتيجيات الناجحة في القرن الحادي والعشرين هي التي تنتقل من “منطق الحسم العسكري” (الذي بات مستحيلاً بنيوياً) إلى “منطق التفكيك البنيوي”؛ أي إفشال أهداف الخصم، وعزل الملفات، والحفاظ على “الأصالة” كمرتكز أخير لتحطيم بنية الفخ. النصر في عالم الفخاخ لا يُقاس بالسيطرة على المساحة، بل بالقدرة على إطالة أمد الصمود النشط حتى ينهار الفخ من ثقله الذاتي.
المراجع
المراجع
أ. النظريات الكلاسيكية في العلاقات الدولية
Morgenthau, Hans J. Politics Among Nations: The Struggle for Power and Peace. 7th ed. New York: McGraw-Hill, 2006.
Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. Reading, MA: Addison-Wesley, 1979.
Kennedy, Paul. The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000. New York: Random House, 1987.
ب. التحولات بعد الحرب الباردة
Cohen, Wolf. “The Unipolar Moment Reconsidered.” World Politics 45, no. 1 (1993): 66–79.
Goldstein, Joshua S. International Relations in the 21st Century: Power, Institutions, and Globalization. Boston: Pearson, 2001.
Mearsheimer, John J. The Tragedy of Great Power Politics. New York: W.W. Norton & Company, 2001.
ج. حالات تحليلية معاصرة قبل الأحداث الحديثة
Ackerman, David. Russia’s Foreign Policy and the Ukraine Crisis. London: Routledge, 2019.
Galeotti, Mark. We Need to Talk About Putin: How the West Gets Him Wrong. London: Ebury Press, 2019.
Jones, Adam. The Gaza Strip: Protracted Conflict and the Limits of Force. London: Routledge, 2020.
United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA). Gaza Humanitarian Overview 2022. New York: UN, 2022.
Ehteshami, Anoushiravan, and Mahjoob Zweiri. Iran and the Rise of Regional Powers: Politics of Influence in the Middle East. London: I.B. Tauris, 2007.
Singer, Bruce. Israeli Security Dilemmas and Regional Power. Jerusalem: Hebrew University Press, 2015.
Xiao, Lin. China’s Belt and Road Initiative: Strategic Implications for the Global Order. Singapore: Palgrave Macmillan, 2019.
د. مناهج التحليل والتطبيق
Bennett, Andrew, and Jeffrey T. Checkel, eds. Process Tracing: From Metaphor to Analytic Tool. Cambridge: Cambridge University Press, 2015.
Boyd, James. Strategic Behavior Analysis: Principles and Applications. New York: Routledge, 2012.
Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge. London: Tavistock, 1972.
هـ. الأحداث والحالات الحديثة (2022–2026)
أوكرانيا
Ackerman, David. Russia’s Foreign Policy and the Ukraine Crisis. London: Routledge, 2019.
ResearchGate. “The Russian-Ukrainian Conflict Perspective and Prospective 2022–2023.” 2023. https://www.researchgate.net/public…onflict_Perspective_and_Prospective_2022-2023
Al Jazeera. “حصاد 2025: تقييم ميداني للحرب الروسية-الأوكرانية.” January 1, 2026. https://www.aljazeera.net/politics/2026/1/1/حصاد-2025-تقدّم-ميداني-لروسيا-وأوكرانيا
غزة
Palestinian Center for Policy and Survey Research (PCPSR). تقرير حول التحولات البنيوية في الصراع بعد حرب غزة 2023. 2025. أوراق سياساتية نقدية، رقم 2026/1 | PCPSR
Al Zaytouna. “المساعدات الإنسانية في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة.” September 9, 2025. https://www.alzaytouna.net/2025/09/09/ورقة-علمية-المساعدات-الإنسانية-المفاهيم
إيران
Center for Strategic and International Studies (CSIS). Latest Analysis: War on Iran. 2026. Latest Analysis: War with Iran | CSIS
Reuters. “Iran War is Dimming Outlook for Many Economies, IMF Says.” March 30, 2026. https://www.reuters.com/world/middl…ng-outlook-many-economies-imf-says-2026-03-30
إسرائيل والمنطقة
The Guardian. “What the Houthis’ Entry into the Iran War Means for the Region.” March 29, 2026. What the Houthis’ entry into the Iran war means for the conflict and the wider region
و. المصادر الإخبارية والتحليلية الإقليمية (2026)
The Guardian. “What the Houthis’ Entry into the Iran War Means for the Region.” March 29, 2026. What the Houthis’ entry into the Iran war means for the conflict and the wider region
The Guardian. “Iran’s Regional Proxies Hold Back from All-Out War with US and Israel.” March 11, 2026. Iran’s regional proxies hold back from all-out war with US and Israel
Washington Post. “Iran Regime, Intelligence, and IRGC in Wartime.” March 16, 2026. https://www.washingtonpost.com/national-security/2026/03/16/iran-regime-intelligence-irgc-war
ز. المصادر الأكاديمية والمنهجية الحديثة
ArXiv. “Geospatial Monitoring of Gaza Conflict Using SAR Techniques.” 2025. Active InSAR monitoring of building damage in Gaza during the Israel-Hamas War
ArXiv. “International Academic Collaboration under Wartime Conditions in Ukraine.” 2025. International collaboration of Ukrainian scholars: Effects of Russia’s full-scale invasion of Ukraine
ArXiv. “Impact of Iran-West Confrontation on Economic Institutions.” 2026. Confrontation with the West and Long-Run Economic and Institutional Outcomes: Evidence from Iran
ArXiv. “Digital Discourse Analysis in the Israeli-Palestinian Conflict.” 2026. Cross-Platform Digital Discourse Analysis of the Israel-Hamas Conflict: Sentiment, Topics, and Event Dynamics