في لحظة دولية مضطربة، تتكاثر فيها الحروب وتتداخل فيها الأزمات، تبرز أهمية الحوار الفكري، ليس بوصفه أداة لفهم الواقع فحسب، بل كمدخل لإعادة صياغة الأسئلة التي نواجه بها هذا الواقع. وفي هذا السياق، يكتسب الاشتباك الفكري الذي دار حول مقال “النظام العالمي في قبضة الفخ المركّب”، وشارك فيه خالد عطية ونائل التونسي وكاتبة المقال، قيمة خاصة، ليس لأنه يقدّم إجابات جاهزة، بل لأنه يفتح أفقا لمساءلة مفاهيم راسخة، وفي مقدمتها: النظام الدولي، ومعنى القوة، وحدود الفاعلية.
ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية مفادها أن ما نشهده اليوم لا يقتصر على اختبار النظام الدولي القائم، بل يتجاوزه إلى انكشاف وهمه البنيوي، أي انكشاف أن ما اعتُبر نظاما لم يكن سوى نمط إدارة للاختلال، لا بنية قادرة على إنتاج استقرار مستدام.
وينطلق هذا الحوار من أرضية مشتركة واضحة بين المتحاورين، تتمثل في الإقرار بأن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه “حروبا تقليدية”، ليصل إلى مستوى اختبار عميق لبنية العالم ذاته.
فالحرب لم تعد حدثا معزولا يمكن احتواؤه ضمن جغرافيا محددة، بل أصبحت عقدة داخل شبكة أزمات متداخلة تشمل الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والهوية الحضارية، بما يجعل أي صراع موضعي قابلا للامتداد والتحول إلى أزمة أوسع.
ولم تعد هذه الحروب مجرد تفاعل مع الأزمات، بل أصبحت جزءا من آلية اشتغالها، بما يجعل التمييز بين “الأزمة” و”إدارتها” أقل وضوحا من أي وقت مضى. وفي هذا الإطار، تتأكد مركزية المنطقة العربية، ليس باعتبارها هامشا، بل بوصفها إحدى ساحات التشكل الرئيسية لهذه التحولات.
غير أن هذا التقاطع لا يلغي التباينات في القراءات، بل يمنح الحوار عمقه.
فبينما يرى خالد عطية أن الحروب الجارية تكشف حدود النظام الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب الباردة، يذهب طرح “الفخ المركّب” إلى مستوى أكثر جذرية، معتبرا أن المسألة لا تتعلق باختبار نظام قائم، بل بانكشاف وهمه. فالنظام الدولي، وفق هذا التصور، لم يعد يمتلك مقومات “النظام” بالمعنى الكلاسيكي القائم على القواعد والتوازنات والمراكز الضابطة، بل تحوّل إلى فضاء سائل من الأزمات، يعمل دون مركز حقيقي، ودون قدرة على إنتاج استقرار مستدام.
وهو ما يطرح احتمالا أكثر جذرية: أننا لا نعيش لحظة تفكك نظام، بل لحظة انكشاف أن ما اعتُبر نظاما كان في جوهره ترتيبا هشا يعتمد على القدرة على إدارة الاختلال، لا على تجاوزه. لكن هذا الطرح، رغم أهميته، يبقى مشروطا بفرضية وجود حد أدنى من البنية القابلة للاختبار، وهو ما يصبح محل تساؤل في ضوء التحولات الراهنة.
حيث “الفخ المركّب”، كما تم تعريفه في المقالات السابقة، هو بنية تتقاطع فيها الأزمات بشكل يعيد إنتاجها ذاتيا، ويحدّ من قدرة الفاعلين على الخروج منها رغم امتلاكهم أدوات التأثير.
في المقابل، يقدّم نائل التونسي بعدا تطبيقيا لهذا الإطار، من خلال التركيز على الحالة الفلسطينية بوصفها نموذجا حيا لتجليات “الفخ المركّب”. ففلسطين لم تعد مجرد قضية محلية أو إقليمية، بل نقطة تقاطع تتداخل فيها مسارات الطاقة، وأمن الملاحة، وشبكات التحالفات، ما يجعل أي تطور فيها قابلا للارتداد على الإقليم والعالم. وهنا يكتسب التحليل بعدا ملموسا، يربط بين البناء النظري وتشكلاته الواقعية. وهو ما يجعل الحالة الفلسطينية ليست فقط مثالا على التشابك، بل نقطة تكثيف له، حيث تتقاطع فيها مستويات الفخ المركّب بصورة أكثر كثافة ووضوحا من غيرها.
ومن أبرز نقاط التقاطع بين المتحاورين أيضا، إدراكهم لتحول طبيعة القوة. فالقوة لم تعد، كما كانت تاريخيا، أداة للحسم وإنتاج النظام، بل أصبحت تميل إلى إدارة الصراعات وإدامتها. وهي مفارقة لافتة: عالم يمتلك قدرات تدميرية غير مسبوقة، لكنه عاجز عن إنتاج الاستقرار أو حتى الحفاظ عليه. كما أن انتشار أدوات منخفضة الكلفة، كالمسيّرات والصواريخ، أعاد توزيع عناصر القوة، وقلّص من احتكارها التقليدي، ما زاد من سيولة المشهد وتعقيده. بل يمكن القول إننا أمام تحول في وظيفة القوة نفسها: من أداة لإغلاق الصراعات إلى أداة لإبقائها مفتوحة ضمن حدود يمكن التحكم بها، بما يجعل الاستقرار نتيجة مؤجلة، لا هدفا مباشرا. وهذا يعني أن القوة لم تعد تفشل في إنتاج النظام فحسب، بل ربما لم تعد تسعى إليه بالشكل الذي عرفته الأنظمة الدولية السابقة.
وبذلك، لا تتجلى سيولة المشهد في تعدد الأزمات فحسب، بل في تحوّلها إلى بنية دائمة، حيث تفقد القوة وظيفتها التقليدية في الحسم، وتُعاد توظيفها كأداة لإدارة الاختلال ضمن حدود قابلة للاستمرار، لا لإنهائه.
لكن التباين يعود ليظهر بوضوح عند الانتقال إلى سؤال الفاعلية العربية. فبينما يشير نائل التونسي إلى أهمية تعزيز التنسيق الإقليمي وبناء قدرات اقتصادية أكثر استقلالية، يطرح النقاش إشكالا أعمق: هل المشكلة تكمن فقط في ضعف الفاعلية العربية، أم في أن شروط الفاعلية نفسها لم تعد قائمة ضمن بنية “الفخ المركّب”؟ أي أننا قد نكون أمام بيئة بنيوية تعيد إنتاج العجز، مهما تغيّرت الإرادات. بل وربما يتجاوز الأمر ذلك إلى احتمال أن مفهوم “الفاعلية” نفسه، كما تشكّل تاريخيا، لم يعد صالحا للتطبيق في بيئة لا تنتج قواعد مستقرة يمكن الفعل ضمنها. أي أن التحدي لم يعد فقط في امتلاك أدوات الفعل، بل في تحديد ما إذا كان الفعل ذاته ممكنا بالشروط التي اعتدنا التفكير من خلالها.
وهو ما يفتح احتمالا أكثر جذرية: أن أزمة الفاعلية لا تعود إلى نقص في الأدوات أو الإرادة، بل إلى اختلال في شروط الإمكان ذاتها، حيث لم يعد المجال البنيوي يسمح بإنتاج أثر مستقر يمكن البناء عليه.
وفي هذا المستوى من النقاش، يبرز تطور إضافي في طرح نائل التونسي، حيث يشير إلى أن حدود الفاعلية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها غيابا للتأثير، بل بوصفها تحوّلا في شكله، بحيث لم يعد يُقاس بالحسم بقدر ما يُقاس بالتراكم والاستمرارية. وهو ما يتجلى بوضوح في الحالة الفلسطينية، حيث يكتسب الصمود بعدا فاعلا، لا باعتباره مجرد حالة دفاعية، بل كعنصر يدخل في إعادة تشكيل موازين القوة عبر الزمن، ضمن بيئة لم تعد تسمح بحسم الصراعات بصورة نهائية.
ويفتح هذا الطرح أفقا مهما لإعادة التفكير في الفاعلية، ليس بوصفها قدرة على إحداث تحول فوري، بل كعملية ممتدة تراكمية تعمل داخل هوامش محدودة، وتسعى إلى توسيعها تدريجيا. غير أن هذا التصور، على وجاهته، يطرح بدوره إشكالا أعمق: إلى أي مدى يمكن لهذا النمط من الفاعلية أن يتجاوز كونه جزءا من آلية اشتغال الأزمات ذاتها؟
بمعنى آخر، قد يكون التأثير ممكنا، بل وفعّالا ضمن حدود معينة، لكنه يظل، في إطار “الفخ المركّب”، محكوما بسقف بنيوي يعيد احتواءه ضمن منطق إدارة الصراع، لا حسمه. وهو ما يجعل التراكم والصمود، رغم ضرورتهما، يعملان في كثير من الأحيان داخل بنية تعيد إنتاج شروطها، بدل أن تسمح بتجاوزها.
ومن هنا، لا يعود التحدي مقتصرا على تعظيم الممكن ضمن الشروط القائمة، بل يمتد إلى مساءلة هذه الشروط نفسها، والبحث في إمكان إزاحتها أو إعادة تشكيلها، ولو بشكل تدريجي، بما يسمح بفتح أفق مختلف للفعل السياسي، لا يكتفي بالتكيّف مع حدود الفاعلية، بل يسعى إلى إعادة تعريفها.
في هذا السياق، يحاول خالد عطية بناء مقاربة وسطية، مفادها أن الفاعلية لم تختفِ، لكنها لم تعد قابلة للقياس بالأدوات القديمة. فبدل أن تُفهم بوصفها قدرة على السيطرة ضمن نظام مستقر، قد تصبح مرتبطة بالقدرة على التموضع داخل فضاء سائل، والتأثير في مساراته دون امتلاك مركز صلب. وهو طرح يفتح الباب أمام إعادة تعريف “الدور” خارج القوالب التقليدية التي لم تعد تعكس واقع التحولات الجارية.
تتبلور من هذا الحوار جملة من الخلاصات الأساسية.
أولها: أن مفهوم “النظام الدولي” لم يعد صالحا بصيغته التقليدية. وأن ما نعيشه أقرب إلى حالة سيولة بنيوية تُدار عبر الأزمات.
وثانيها: أن القوة لم تفقد قدرتها على التدمير، لكنها فقدت وظيفتها في إنتاج النظام، ما يجعل الحروب تميل إلى الاستمرار بدل الحسم.
وثالثها: أن الفاعلية السياسية، خصوصا في السياق الفلسطيني والعربي، لم تعد ممكنة بالأدوات القديمة، ما يفرض إعادة نظر جذرية في مفهوم “الدور” ذاته.
وربما الأهم من ذلك، أن ما نواجهه ليس مجرد أزمة داخل النظام الدولي، بل أزمة في قدرة هذا النظام على تعريف نفسه كنظام. وهو ما يجعل الفوضى ليست نقيض النظام، بل أحد أنماط اشتغاله الجديدة.
وفي قلب هذه الخلاصات، تبرز القضية الفلسطينية، إلى جانب الحرب الجارية على إيران ولبنان وعموم المنطقة، بوصفها جزءا من مشهد أوسع يتصل بطبيعة التنافس بين القوى الكبرى، وبكيفية إدارة الصراع في الإقليم. فالحرب الأمريكية – الإسرائيلية، في هذا السياق، لا تنطوي فقط على مخاطر عسكرية أو إنسانية، بل تحمل أخطارا بنيوية تتعلق بإعادة تشكيل المنطقة ضمن توازنات هشّة تُبقيها في حالة توتر دائم، وتحدّ من قدرتها على الفعل المستقل، بوصفها مثالا على نمط الحروب التي لا تهدف إلى الحسم، بقدر ما تسعى إلى إعادة ضبط التوازنات ضمن بيئة غير مستقرة، بما يجعلها جزءا من آلية إدارة الفخ المركّب، لا خروجا عنه.
ويبرز في هذا السياق ما يمكن تسميته “المعضلة الأوروبية”، بوصفها أحد تجليات الفخ المركّب على مستوى القوى الدولية، حيث تبدو أوروبا غير قادرة على التحول إلى قطب مستقل، فتتأرجح بين التبعية الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، والبحث عن دور، ما يجعل حضورها أقرب إلى إدارة الأزمات ضمن الإطار القائم، لا إعادة تشكيله. وهو ما يكرّس فراغا نسبيا في بنية النظام، لا يُملأ ببديل واضح، بل يُدار عبر توازنات هشة تزيد من سيولة المشهد وتعقيده، بما يجعل العجز الأوروبي ليس ظرفيا، بل جزءا من منطق أوسع يعيد إنتاج التبعية داخل بنية تبدو بلا مركز واضح.
من هنا، تبرز أهمية توسيع هذا النقاش، والدعوة إلى انخراط أوسع للمفكرين والمثقفين من مختلف المكونات الأصيلة في المنطقة – الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما، والأتراك، والفرس، والأكراد – في حوار مفتوح لا يكتفي بتشخيص المخاطر، بل يسعى أيضا إلى استشراف الفرص. فإدراك طبيعة “الفخ المركّب” لا ينبغي أن يقود إلى الاستسلام له، بل إلى البحث عن إمكانيات الفعل داخله، وإعادة تعريف شروط النهوض الفلسطيني والعربي والإقليمي في ضوء تحولات عميقة تمس بنية العالم ذاته.
إن الحاجة اليوم ليست فقط إلى قراءة ما يجري، بل إلى إنتاج معرفة قادرة على مواكبة هذا التحول، وبناء أفق فكري جديد يعيد طرح أسئلة القوة، والنظام، والفاعلية من خارج القوالب التقليدية. فمثل هذه الحوارات، بما تحمله من تقاطعات وتباينات، لا تمثل ترفا فكريا، بل ضرورة تاريخية لفهم اللحظة، وتحديد موقعنا فيها، والسعي، قدر الإمكان، إلى التأثير في مساراتها.
وعليه، فإن “الفخ المركّب” لا يعبّر فقط عن حالة عابرة من التعقيد، بل عن نمط اشتغال جديد للعالم، حيث تُدار الأزمات بدل أن تُحل، وتُعاد صياغة القوة خارج قدرتها على إنتاج نظام، ما يفرض إعادة تأسيس التفكير السياسي من جذوره.
في هذا العالم، لم تعد الفوضى نقيض النظام، بل شكله الأكثر صدقا، ولم يعد السؤال كيف نؤثر، بل كيف نتحرر من شروط عالم لا يسمح بالتأثير أصلا.