الأستاذ العزيز غسان جابر
كعادتك في أسلوبك الأدبي المتميز، تتناول في القضايا الشائكة بعمق لا يقوى عليه إلا سياسي محترف يتقمص دور أديب مبدع.
أنت لا تنتقد أداء حكومة يرأسها الدكتور محمد مصطفى فحسب، بل تضع يدك على تحوّل في معنى السياسة نفسها، بدأ مع حكومات التكنوقراط الفلسطينية، التي تتابعت منذ إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني في منتصف العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين بذريعة الإصلاح المستحق، للتأهل للدولة الفلسطينية التي بشر بها جورج بوش الإبن بخطابه في 24/6/2002، ووعد في اجتماع العقبة الشهير المنعقد في 4/6/2003 باقتراب تجسيدها في عام 2005، عند التخلص من “القيادة الارهابية الفاسدة “.
ما تشير إليه ليس ضعف إنجاز، بل نمط حكم يمكن تسميته: إدارة اللاحدث. “الإنجاز “، لم يعد يعني التحوّل أو الإصلاح، بل بات يعني الحفاظ على الواقع في مكانه. كأن السياسة انتقلت من فعل تاريخي يسعى إلى إعادة تشكيل المجال العام، إلى إدارة زمن معلّق.
السؤال هنا بنيوي: هل أصبح الاستقرار تقنية لإدامة السكون؟ وهل غياب المفاجآت بات يُحسب نجاحا، حتى لو كان غياب النتائج هو الثمن؟
مقالك يفتح بابا أوسع للنقاش: متى تحوّل الحفاظ على الوضع القائم إلى أقصى الممكن؟ وكيف أصبح خفض التوقعات واقعية سياسية؟
لفتني توصيفك الدقيق لكيفية تطبيع الواقعية السياسية بوصفها عملية تدريجية لإعادة تعريف الممكن. فالراتب، كما تقول، تحوّل من حقّ إلى انتظار نسبة، وإثبات أن الاكتمال ممكن نظريا، لكنه أصبح متعذر واقعيا.
هذه ليست فقط أزمة مالية، إنها أزمة أفق. فحين يُعاد تشكيل الطموح بحيث يصبح النقص هو القاعدة، ويغدو الاكتمال استثناء، نكون أمام نمط حكم يقوم على إدارة خفضالتوقعات لا توسيعها.
فالعجز المؤقت قد يولّد غضبا، لكن العجز المُطبَّع ينتج تكيفا، ويصبح الامتثال دليلاعلى العقلانية وجدارة حكومات التكنوقراط.
إشارتك إلى غياب أسماء الوزراء عن الوعي العام ليست تفصيلا إعلاميا، بل مسألة تتعلق بطبيعة الحضور السياسي ذاته.
حين يصبح الفاعل الفلسطيني بلا ملامح، تتبدد المساءلة في ضباب إداري هادئ. لا مواجهة، لا احتكاك، ولا حتى صدام رمزي. فقط سكون منظم.
الغموض هنا ليس خللا عابرا، بل أسلوب إدارة: تقليل الحضور لتقليل التوقعات. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا: هل نحن أمام فشل إداري؟ أم أمام تموضع سياسي مرغوب؟
في سياقات السيادة المقيدة، والاقتصاد المرتهن، والقرار الموزّع، تتحول وظيفة السلطة إلى الحفاظ على الحد الأدنى بوصفه أقصى الممكن. لكن حتى في هذه الحالة، يظل النقاش ضروريا: هل يُدار العجز بوصفه أزمة ينبغي تجاوزها؟ أم يُقدَّم بوصفه قدرا ينبغي التكيّف معه؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الفشل، بل الاعتياد عليه وتطبيعه في الوعي.
حين يتحول الحق إلى نسبة، ويتحول الرضا من قيمة أخلاقية إلى استراتيجية بقاء، تتقلص المخيلة السياسية. وحين تتقلص المخيلة، يصبح التغيير نفسه مغامرة غير مرغوبة.
أنت لا تدين أشخاصا، بقدر ما تكشف مناخا تُدار فيه السياسة الفلسطينية عبر خفض تدريجي متواصل للتوقعات، لا عبر إنتاج أفق جديد. لكن السؤال الذي يستحق أن نواصل التفكير فيه معا هو:
هل “ألا يحدث شيء” خيار واع؟ أم نتيجة امتثال سياسي لا يسمح بالحركة والتغيير؟
أكثر ما شدّني في مقالك براعتك في استخدام السخرية لا كسلاح هجاء، بل كأداة إنذار مبكر.
غانية ملحيس
2/3/2026
الأستاذة الكريمة غانية مليحس،
أشكركِ على هذا التعليق العميق.
لقد وضعتِ يدكِ بدقة على الفكرة المركزية: لسنا أمام مجرد ضعف إنجاز، بل أمام نمط حكم يعيد تعريف الممكن وحدود الفعل العام، حيث يصبح الحفاظ على الواقع في مكانه إنجازًا بحد ذاته.
أتفق تمامًا مع توصيفكِ بأن المسألة لم تعد مالية أو إدارية فقط، بل هي أزمة أفق. حين يُعاد تشكيل الطموح تدريجيا حتى يصبح الحد الأدنى هو الطبيعي، لا يعود التكيّف استجابة ظرفية، بل يتحول إلى ثقافة سياسية مستقرة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في العجز المؤقت، بل في العجز حين يصبح مألوفًا… ثم عقلانيًا… ثم مقبولًا.
كما أن ملاحظتكِ حول تلاشي الحضور الشخصي للفاعل السياسي شديدة الدلالة؛ فحين يبهت الوجه، تبهت معه المساءلة، وحين يقل الاحتكاك، يضعف التوتر الضروري لحيوية المجال العام.
الغموض لا يعود خللًا في التواصل، بل يصبح أسلوب إدارة.
يبقى سؤالكِ الجوهري مفتوحًا وضروريًا: هل السكون خيار واعٍ أم نتيجة قيود تضيق فيها هوامش الفعل؟ ربما الحقيقة في المسافة بين الاثنين.
أقدّر كثيرًا قراءتكِ التي وسّعت أفق النقاش، وأعادت طرح السؤال الأهم: متى يكون التكيّف حكمة… ومتى يصبح استسلامًا هادئًا يعيد تشكيل الواقع دون أن نشعر؟
مع خالص التقدير والاحترام
غسان جابر
2/3/2026