قراءة الأستاذ غسان جابر المتميزة لمقال “الفخّ المركّب ” تشكل إضافة نوعية، فهو لم يضف للمقال تعليقا فحسب، بل وسّع مداه التأويلي. فقد التقط بعدسته التحليلية المنطق الداخلي للمقال بدقة نادرة. وقرأ الفكرة لا الكلمات، والبنية لا السطح، ولامس جوهر المقصود حين أشار إلى أن المسألة لم تعد في حجم الأزمات، بل في تزامنها، وأن الزمن ذاته تحوّل من إطار للأحداث إلى عنصر ضغط داخلها. وأصبح نفسه ساحة صراع. هذا تحديدا هو لبّ الفكرة: أن النظام الدولي لم يدخل طور الانهيار التقليدي، بل طور الإرهاق البنيوي الناتج عن فقدان القدرة على تنظيم الإيقاع.
والأهم الالتفات الذكي للبعد الأخلاقي، حيث تبرز فلسطين بوصفها ساحة كاشفة لتناقضات المنظومة الدولية، ليس لأنها حالة استثنائية، بل لأنها لحظة اختبار مكثّف بين الخطاب والممارسة، بين ادعاء المعايير الكونية ومحدودية تطبيقها، في فضاء إعلامي مفتوح لم يعد ممكنا فيه تأجيل هذا التناقض أو تغليفه لغويا، حيث يضغط الزمن على الشرعية نفسها. وحيث تصبح الشرعية جزءا من الضغط لا نتيجة له.
كما أن إشارته إلى “إدارة التزامن” بوصفها معيار القوة الجديد تفتح أفقا مهما للنقاش. فالقوة لم تعد تُقاس بقدرة الردع فقط، بل بقدرة مراكز القرار على تنسيق الجبهات المتداخلة دون أن تتحول إلى عبء على ذاتها. وعندما تتراكم الاختبارات بلا فواصل، يصبح حتى التفوق المادي عرضة للاهتزاز.
وهذا في رأيي هو أجمل ما يمكن أن يفعله قارئٌ بنصٍّ فكري: أن يحاوره لا أن يصفه.
امتناني العميق للأستاذ غسان جابر على هذا الجهد العميق، وعلى اللغة الهادئة الواثقة التي قدّم بها قراءته، والحوار الذي فتحته والذي لا يتوقف عند حدود المقال، بل يمسّ سؤال اللحظة التاريخية التي نحياها جميعا: كيف يُدار نظام عالمي حين تتآكل قدرته على إنتاج المعنى بقدر ما تتراكم عليه الضغوط؟
قراءة في الفخّ المركّب: حين يتحول الزمن نفسه إلى ساحة صراع
بقلم: المهندس غسان جابر
2/3/2026
ليست كل النصوص السياسية متشابهة في طبيعتها أو أثرها. فبعضها يفسر حدثًا، وبعضها يصف واقعًا، لكن هناك نصوصًا قليلة تحاول إعادة تشكيل الطريقة التي نفهم بها العالم نفسه. مقال الأستاذة غانية ملحيس ينتمي بوضوح إلى هذا النوع النادر من الكتابة؛ نص فكري كثيف يحتاج إلى أكثر من قراءة، ليس بسبب تعقيده اللغوي، بل بسبب عمق الفكرة التي يسعى إلى تثبيتها في وعي القارئ.
القيمة الأساسية في طرحها أنها لا تنظر إلى الصراعات الدولية بوصفها أحداثًا منفصلة، بل كحالة ضغط متزامن تعيشها المنظومة العالمية دفعة واحدة. هنا لا تعود المشكلة في حجم الأزمات، بل في تداخلها. العالم – كما تراه – لم يفقد قوته بقدر ما فقد قدرته على تنظيم إيقاع هذه القوة.
وهذا هو جوهر مفهومها “الفخّ المركّب”.
الفكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في دلالتها: النظام الدولي اعتاد تاريخيًا التعامل مع الأزمات وفق تسلسل زمني يسمح بالامتصاص وإعادة التوازن. أما اليوم، فالأزمات تتراكب فوق بعضها دون فواصل. كل جبهة تؤثر في الأخرى، وكل قرار في مكان ما يخلق ارتدادات فورية في أماكن أخرى. وهنا يتحول الزمن من إطار للأحداث إلى عنصر ضغط داخلها.
هذا التحول لا يفسر فقط التوتر العالمي، بل يفسر شعور العجز المتزايد لدى القوى الكبرى. فالمشكلة ليست في نقص الموارد، بل في فقدان القدرة على ترتيب الأولويات وسط تدفق متزامن من الاختبارات.
لكن الأهمية الحقيقية لمقال غانية ملحيس لا تقف عند حدود التحليل الاستراتيجي، بل تتجاوز ذلك إلى مستوى أعمق: أزمة المعنى السياسي العالمي. فهي تشير بوضوح إلى أن القوة قد تستمر، لكن قدرتها على تبرير نفسها أو إقناع الآخرين بها تتآكل تدريجيًا. الخطاب لم يعد ينسجم مع الممارسة، والتناقضات تنكشف لحظيًا في فضاء إعلامي عالمي مفتوح.
وهنا تظهر بعض الساحات – وفي مقدمتها فلسطين – بوصفها مناطق تكشف التناقضات الكامنة في النظام الدولي نفسه. ليست المسألة مجرد صراع جغرافي أو سياسي، بل اختبار أخلاقي مباشر لقدرة العالم على التوفيق بين ما يعلنه وما يفعله. في زمن الاتصال الفوري، لا يمكن تأجيل هذه الأسئلة أو احتواؤها لغويًا؛ إنها تتراكم وتتحول إلى ضغط دائم على شرعية المنظومة الدولية.
من جهة أخرى، يقدّم النص إضافة فكرية مهمة حين يربط بين تعدد الجبهات وإرهاق مراكز القرار. فالقوة المهيمنة لا تُقاس فقط بقدرتها على المواجهة، بل بقدرتها على ضبط الحلفاء وإدارة التزامن المعقد بين الملفات المختلفة. وعندما تتداخل هذه الملفات بلا توقف، تصبح السيطرة عملية مكلفة ومتعبة، حتى دون هزيمة مباشرة.
ما يجعل هذا المقال استثنائيًا هو أنه لا يكتفي بوصف عالم مضطرب، بل يقدم إطارًا مفاهيميًا لفهم طبيعة هذا الاضطراب. إنه يفسر لماذا يبدو العالم اليوم بلا إيقاع واضح، ولماذا تبدو القرارات الكبرى مرتبكة رغم وفرة القوة.
لهذا السبب تحديدًا يحتاج النص إلى أكثر من قراءة. القراءة الأولى تكشف الفكرة العامة، والثانية تبرز عمق التحليل، أما الثالثة فتجعل القارئ يدرك أنه أمام محاولة جادة لإعادة تعريف طبيعة اللحظة التاريخية التي نعيشها.
نقول الخلاصة التي يتركنا معها هذا الطرح ليست مريحة لكنها واقعية:
العالم لم يعد يُحكم بمن يملك القوة فقط، بل بمن يستطيع إدارة تزامن الضغوط دون أن يفقد القدرة على إنتاج معنى مقنع لسلطته.
وهذا ربما هو السؤال الحقيقي لعصرنا:
كيف يُدار نظام عالمي حين يفقد القدرة على تنظيم زمنه؟
غسان جابر