يتسم مقال يحيى بركات “حين يطالب البعض أن يكون أحد القيادات عضوا بمجلس السلام كي ينجح” (18/1/2026) بشجاعة نادرة. وبصراحته المعهودة، يرسم بركات الحدود السياسية بوضوح في زمن حجبت فيه الضبابية الرؤيا، بذريعة ما يسمى بالواقعية السياسية، التي تمترست خلفها الطبقة السياسية والنخب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الفلسطينية. وحدد بركات بوضوح: الخطر لم يعد في غياب الفلسطيني عن مجلس ترامب، بل في قبول منطق يجعل هذا المجلس مشروعا سياسيا مقبولا لدى الفلسطينيين. هذا هو القلب، وهذا هو الاختبار الحقيقي للسياسة الفلسطينية.
جوهر الخطر لا يكمن في غياب الفلسطيني عن مجلس الحرب ضد الشعب الفلسطيني، الذي شكّله ويرأسه الرئيس الأمريكي ترامب شخصيا، رغم مشاغله الكونية، ويسميه بمجلس السلام، والذي يُفترض أن يرث مجلس الأمن الدولي، ويُقصى منه الأعضاء الدائمون الأنداد بحكم الفيتو، ويُعلن أنه أهم مجلس في التاريخ الحديث، وأن مهامه لن تقتصر على قطاع غزة، وإن شكّل القطاع نقطة البداية ومركز الاختبار.
فقد تشكّل المجلس بعد أن تعثرت حرب الإبادة الجماعية/البشرية والمادية/ التي قادها نظام الحداثة الغربي الصهيوني المادي العنصري ضد قطاع غزة الصغير والمحاصر، وأخفق، بعد أكثر من عامين من المحاولة، في إنجاز مهمة تفريغ القطاع من أهله، لاستملاكه وإقامة المشروع الاستثماري “الريفيرا الشرق أوسطية”، الذي صممه عضوا المجلس: صهره الصهيوني جاريد كوشنر، ومستشاره الصهيوني البريطاني طوني بلير، صاحب الخبرة المعرفية التراكمية التي ورثها عن أسلافه، في استبدال فلسطين وشعبها بالكيان الاستيطاني الغربي الصهيوني الإحلالي الوظيفي.
ولا يجري هذا الإقصاء عبر انقلاب قانوني صريح على مجلس الأمن، بل عبر آليات أكثر تعقيدا: تجاوز عملي تحت ذريعة التعطيل، نقل القضية الفلسطينية من فضاء الحقوق والقانون الدولي إلى إدارة الأزمة والإغاثة وإعادة الإعمار، وشرعنة الأمر الواقع عبر الاستمرارية الزمنية. هكذا لا يُلغى مجلس الأمن، بل يُفرَّغ من مضمونه، ولا تُسحب الشرعية دفعة واحدة، بل تُستبدل تدريجيا بآليات أكثر طواعية للهيمنة.
بهذا المعنى، لا يمثّل المجلس تطورا في آليات الحل، بل انزلاقا منظما من منطق الحقوق إلى منطق الإدارة، ومن السياسة إلى الإغاثة.
وإذ يعلن ترامب صراحة أن هذا المجلس «لن يقتصر على غزة»، فإن هذا الإعلان لا يوسّع نطاق المهمة جغرافيا فحسب، بل يكشف طبيعة المجلس ذاتها: ليس آلية لمعالجة وضع طارئ، ولا إطارا يستند إلى تفويض دولي، بل نموذجا حاكما جديدا لإدارة مناطق الصراع خارج منظومة القانون الدولي.
المشكلة، كما ذكر بركات، لا تكمن في الغياب الفلسطيني عن المجلس الاستعماري الغربي الصهيوني، بل في مطالبة البعض بضم ممثلي الشعب الفلسطيني الذي يستهدفه المجلس بالمحو، والقبول بالمنطق الذي يعلنه بوضوح: تحويل قضية الشعب الفلسطيني الوطنية إلى ملف إغاثي، وسحب شروط عيشه في وطنه، بتوظيف الإبادة والتجويع والحصار لإجباره على مقايضة حقوقه الوطنية باحتياجاته المعيشية.
وهذا تفكيك بالغ الأهمية، لأنه لا يناقش “تفصيل التمثيل”، بل يهدم الإطار الذي يُنتج هذا السؤال من الأساس.
هنا لا يكون السؤال من يمثّل الفلسطينيين، بل عمّا إذا كانت القضية ستُدار كملف إنساني، أم تُخاض كصراع تحرر وطني.
ومع ذلك، ومن موقع الاستكمال لا المراجعة، أظن أن اللحظة تسمح بتدقيق إضافي في ثلاث نقاط:
أولا، ضرورة التمييز بين المطالبين بالحضور الفلسطيني في المجلس، فهم ليسوا جميعا في الموقع السياسي نفسه:
• بعضهم حسم أمره بالامتثال الكامل،
• وبعضهم انتهازي يبحث عن وظيفة ولو برتبة خادم،
• وبعضهم مذعور، نتاج بنية طويلة من الإخضاع، والترويض، والخوف من الفراغ.
التمييز هنا لا يهدف إلى التبرير، بل إلى فضح البنية التي أنتجت هذا الوعي المُدار، لأن تفكيك التطبيع الذهني لا يكتمل دون تفكيك شروط إنتاجه.
ومع ذلك، فإن الوعي المذعور الذي أنتجته بنية الإخضاع الطويلة ليس وعيا مغلقا. فهو قابل للتصدّع حين تفشل أدوات الامتثال في أداء وعدها الأساسي بالحماية. عند هذه النقطة، لا ينشأ الرفض من وعي متقدم أو شجاعة استثنائية، بل من انهيار معادلة الطاعة ذاتها: حين لا يعود الصمت آمنا، ولا المشاركة مجدية. هنا يصبح الانفكاك ممكنا، لا كتحرر مكتمل، بل كانسحاب أولي من منطق الإدارة والتمثيل الوظيفي.
هذا التمييز لا يُخفّف من خطورة المشاركة، لكنه يسمح بفهم مسارات الانزلاق إليها، وبالتالي بكسرها سياسيا لا الاكتفاء بإدانتها أخلاقيا.
ثانيا، رفض مبدأ المشاركة – وهو رفض محق – لكنه غير كاف لوحده، ويحتاج إلى إشارة إلى الأفق البديل. ليس برنامجا، ولا خطة جاهزة، بل تحديدا مبدئيا للاتجاه الذي أكدت عليه المقالات السابقة: إعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني، استعادة السياسة الفلسطينية بوصفها صراعا تحرريا لا وظيفة، وإعادة تعريف التمثيل خارج منطق الإدارة.
والإشارة إلى الأفق البديل هنا لا تعني تقديم برنامج أو وصفة جاهزة، بل تسمية المعايير السياسية الدنيا لأي حامل يمكن أن ينهض من هذه اللحظة. فالمطلوب ليس استبدال إدارة بأخرى، بل استعادة السياسة ذاتها: تمثيل وطني جامع، نابع من القاعدة الاجتماعية الفلسطينية داخل الوطن وخارجه، غير خاضع للتمويل المشروط، ولا مستمد لشرعيته من الاعتراف الخارجي.
وما يجعل هذا الأفق ممكنا لا افتراضيا، هو أن شروطه بدأت تتكوّن فعلا، مع اتساع القطيعة بين المجتمع وبنية الامتثال التي حكمته لعقود.
الإشارة إلى هذا الأفق لا تستبق المستقبل، لكنها تمنع إغلاقه باسم العجز، وتعيد فتح السياسة كإمكان لا كإدارة.
هذه الإشارة ضرورية هنا، ليس لإرضاء الخطاب السائد “ما البديل؟”، بل لقطع الطريق على المشككين بوجود بديل ممكن ومتاح، يدلل عليه الانفضاض الشعبي عن النظام السياسي الفصائلي الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، واقتصار مؤيديه على الموظفين المتفرغين في أطره الفصائلية والسلطوية، المرتبط استمرارها بالتمويل العربي والدولي المشروط بالامتثال الكامل لمخطط المحو الصامت. وقد بدأوا بالتململ، بعد أن بات واضحا أن وجودهم ذاته مهدد، وليس مورد رزقهم فقط.
ثالثًا، الخط الأحمر الذي يرسمه بركات واضح وصارم، لكن خطورته تتعاظم حين نُبيّن درجات الانزلاق نحوه: المشاركة المباشرة، توفير الغطاء، الصمت المريح، ثم التطبيع اللغوي الذي يجعل المجلس “ناقصا فلسطينيا” بدل كونه مجلسا استعماريا.
تفكيك هذا التدرّج لا يخفف الحكم، بل يجعله أدقّ وأكثر قدرة على المساءلة.
الخطر لا يبدأ عند لحظة التمثيل، بل قبلها، حين يُعاد تعريف اللغة والمعايير، فيصبح الاستعمار إطارا قابلًا للتفاوض.
أهمية مقال بركات، في تقديري، أنه لا يشتبك مع ترامب ولا مع نتنياهو، بل مع الفلسطيني حين يطالب البعض أن يكون “الفلسطيني ممثلا داخل مشروع صهيوني”.
وهنا بالضبط، يصبح الكلام واجبا، ليس لأن الخطر خارجي، بل لأن الخطر انتقل إلى تعريفنا لأنفسنا، ولموقعنا في الصراع.
وهنا لا يكون ذلك اختلافا في الرأي، كما أشار بوضوح:
فالقضية أصبحت بين مشروعين: إما مشروع تحرر وطني، أو إدارة تُديم الاحتلال وتكرّسه، وما بينهما لا توجد منطقة وسطى.
وفي هذه اللحظة تحديدا، نحن أحوج ما نكون إلى من يرسم الحدود، لا إلى من يفاوض على شكل العبور.