دكتورة غانية، أودّ بدايةً أن أعبّر عن تقديري العميق لهذا النص الكثيف فكريًا وسياسيًا، والذي ينجح في تشخيص أخطر ما نواجهه اليوم: لا إدارة الكارثة بحد ذاتها، بل تفريغ السياسة الفلسطينية من معناها التحرري
أتفق معك في تشخيصك الجوهري: التحول الأخطر ليس في ميزان القوة، بل في ميزان المعنى. حين يُعاد تعريف الفلسطيني من:
فاعل تاريخي في صراع تحرري إلى موضوع إدارة إنسانية بعد كارثة، فنحن لا نكون أمام “مرحلة صعبة”، بل أمام نقلة في طبيعة الصراع نفسه.
المقال يلتقط لحظة فارقة:
الاحتلال لم يعد بحاجة إلى نفي الفلسطيني جسديا فقط، بل إلى تفريغه سياسيا، وإعادة دمجه كـ“سكان” داخل منظومة ضبط محسّنة. هذا تشخيص دقيق، وخطير. لكن هنا تبدأ الأسئلة:
أولا: هل نحن فقط ضحايا هذا التحول، أم أننا جزئيًا ساهمنا في جعله ممكنًا؟
ثانيا: ما بين السطور السياسة التي تراجعت قبل أن تُفرَّغ، تتحدثين دكتورة عن “تفريغ السياسة الفلسطينية”، لكن النص يلمّح دون أن يصرّح إلى أمر أكثر إرباكًا: هل كانت السياسة الفلسطينية، في لحظة ما، حاضرة فعليًا لكي تُفرَّغ؟
بمعنى أدق: هل جرى تفريغ سياسة حيّة؟ أم أننا منذ زمن نعيش تمثيلًا للسياسة لا ممارسة لها؟
هنا سؤال خطير: إذا كانت المؤسسات التمثيلية قد فقدت مضمونها قبل مرحلة “ما بعد الكارثة”، فهل نحن أمام سلب للسياسة، أم أمام انكشاف فراغ قديم؟ هذا لا ينقض طرحك، بل يذهب به أبعد: ربما ما يجري اليوم ليس فقط نزع السياسة، بل فضح هشاشتها السابقة.
ثالثا: التكنوقراط أداة أم غطاء؟
أتفق تمامًا معك في أن: المشكلة ليست في التكنوقراط، بل في الموقع الذي يُوضعون فيه. لكن السؤال الأخطر الذي يلوح في النص دون أن يُطرح صراحة:
هل يمكن، واقعيا، منع التكنوقراط من التحول إلى بديل سياسي في ظل غياب فاعل سياسي موحّد؟
أي: من يضع السقف؟ ومن يفرض الزمن؟ ومن يحاسب؟
إذا كانت الإجابة: “الإرادة الوطنية” فالسؤال التالي يصبح أكثر إزعاجًا:
أين تتموضع هذه الإرادة اليوم؟ ومن يملك تمثيلها دون أن يصادرها؟
الخطر هنا أن يتحول رفض “التكنوقراطية المفروضة” إلى: إما فراغ قاتل،
أو قبول عملي بها تحت مسمى الضرورة، وهذا هو الفخ الحقيقي.
رابعاً: تم طرح غزة كفاعل اجتماعي سياسي هو من أقوى أجزاء النص.
نعم، غزة ليست جسدا ينتظر الإدارة، بل مجتمعا ينتج أشكال تنظيمه تحت النار. لكن هنا سؤال شديد الحساسية:
هل الفاعلية المجتمعية، وحدها، قادرة على منع تحويلها إلى أداة ضبط لاحقًا؟
بمعنى آخر:
هل يمكن للجان الأحياء، وشبكات التكافل، أن تبقى مصادر شرعية مستقلة؟
أم أن المنظومة الدولية ستسعى، عاجلًا أم آجلًا، إلى: احتوائها، تمويلها، تنظيمها
ثم إخضاعها؟
الخطر هنا أن تتحول الفاعلية، إن لم تُحمَ سياسيًا، إلى: “دليل نجاح” يُستخدم لتبرير الوصاية لا لمقاومتها.
خامساً: دكتورة انت محقّة تمامًا في التحذير من:
• اختزال المشكلة في “الداخل”
• أو تحويل النقد إلى تحريض، لكن السؤال المؤلم الذي يظل معلقا:
من يملك شرعية ضبط الخطاب الداخلي دون أن يتحول هو نفسه إلى سلطة قمع رمزي؟
في ظل، انقسام، فقدان ثقة، غياب مرجعية جامعة. هل يمكن فعلاً التمييز عمليًا بين: نقد يوسّع الأفق، وخطاب يخدم الوصاية أم أننا سندخل في معركة:
“من يحدد معنى الوطنية؟” وهذه معركة لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية.
سادسا: الدعوة لاستعادة منظمة التحرير تبدو بديهية، لكن ما بين السطور سؤال أكبر: هل المطلوب استعادة المنظمة، أم تجاوز صيغتها التاريخية نحو شكل تمثيلي جديد؟
لأن: إعادة إنتاج مؤسسة نمطية روتينية لن تحل المعضلة، والحنين السياسي قد يكون شكلًا آخر من العجز. السؤال الجريء هنا:
هل ما نحتاجه هو “إحياء إطار”، أم إعادة تعريف معنى التمثيل نفسه في زمن الإبادة والإدارة؟
سابعا: المقال يفترض بحق أخلاقي وتاريخي أن التحرر ما زال هو البوصلة. لكن السؤال الذي يتهرّب منه كثيرون، ويحضره النص ضمنيًا:
هل ما زال مفهوم التحرر ذاته مفهوما جامعا اجتماعيا، أم أنه بحاجة إلى إعادة شحن معرفي وسياسي؟
ليس إعادة تعريف للحقوق (وهذا مرفوض)، بل إعادة بناء: اللغة، الأدوات، الأشكال التنظيمية. وإلا فإن الخطر ليس فقط إدارة الفلسطيني كسكان،
بل تعايشه النفسي مع هذا التعريف.
ثامناً: أنا أشارك الدكتورة القلق والتحذير. لكنني أضيف: الخطر ليس فقط فيما يُفرض علينا، بل فيما نعجز عن إنتاج بديل حيّ له
المقال ينجح في: حماية المعنى، لكنه يضعنا أمام سؤال لا مهرب منه:
كيف نمنع تفريغ التحرر، دون أن نكتفي بحراسته لغويًا؟ هذا السؤال، إن لم يُفتح بجرأة، قد يتحول هو نفسه إلى صمت…والصمت في هذه المرحلة، كما تعرفين جيدا، ليس حيادًا، بل شكل آخر من أشكال الإدارة. يمكننا في خطوة لاحقة:
• تحويل هذا النقاش إلى نص حواري مباشر معك
• أو صياغته كـأسئلة مفتوحة للنشر
• أو دفعه خطوة أبعد نحو نقد ذاتي فلسطيني مؤلم لكن ضروري
======
الأستاذ العزيز نائل التونسي
أشكرك جزيل الشكر على هذه القراءة العميقة، التي لا تكتفي بالتفاعل مع المقال، بل تدفعه إلى اختبار حدوده وأسئلته المؤجلة. ما طرحته من أسئلة جوهرية يُثري المقال ويُوسّع مجاله، وهذا في تقديري أعلى أشكال الاشتباك الفكري الجاد.
أتفق معك تماما أن التحول الأخطر ليس في ميزان القوة فقط، بل في ميزان المعنى، وأن إعادة تعريف الفلسطينيين كـ“سكان” خاضعين للإدارة بعد الكارثة ليست مرحلة عابرة، بل نقلة في طبيعة الصراع ذاته. وهذا ما حاول المقال الإمساك به: ليس بوصفه مؤامرة طارئة، بل مسارا تراكميا يجد لحظته الكاشفة اليوم.
سؤالك حول ما إذا كنا أمام “تفريغ سياسة حيّة” أم “انكشاف فراغ قديم” هو سؤال في صميم الإشكال. في تقديري، ما يجري اليوم هو الاثنان معا: تفريغ لما تبقّى من معنى تحرري، وكشف قاسٍ لهشاشة سابقة جرى التعايش معها طويلا.
هذا المقال سبقه عدة مقالات لي ولغيري، تناولت مسار الحركة الوطنية الفلسطينية على مدى عقود، وكشفت أن الشعب الفلسطيني لم يحظَ، عبر تاريخه الممتد لأكثر من قرن، بقيادة وطنية مؤهلة، ولا بمعارضة وطنية مسؤولة ترقى إلى مستوى تضحياته الجسيمة، وهو يخوض صراعا وجوديا فُرض عليه من نظام حداثي غربي صهيوني مادي عنصري، استهدف فلسطين ليس لذاتها، بل لموقعها الجيو -استراتيجي والجيو -سياسي الأهم في مركز العالم.
وتكشف هذه الكتابات أن الهشاشة تراكمت عبر عقود، بعضها ناجم عن غياب وعي معرفي بطبيعة الصراع باعتباره صراعا حضاريا يتجاوز الجغرافيا، وبتشابكاته المحلية والعربية والإقليمية والدولية، وبطول أمده باعتباره صراعا عابرا للأجيال، وتداعيات ذلك كله على الخيارات السياسية والتحالفات والسلوكيات، ما جعل الهشاشة بنيوية، عابرة للمراحل التاريخية. غير أن الاعتراف بذلك لا يجب أن يتحول إلى تبرير لنزع السياسة نهائيا، ولا إلى تطبيع مع فكرة أن الفراغ قدر.
أما بشأن التكنوقراط، فأنت محق في توصيف المأزق: رفضهم المطلق قد يقود إلى فراغ قاتل، وقبولهم غير المشروط قد يقود إلى إدارة الهزيمة. هذا الفخ بالذات هو ما حاول المقال الإشارة إليه دون تقديم وصفة جاهزة. فالسؤال ليس كيف نمنع التكنوقراط نظريا، بل كيف نمنع تحويل الضرورة إلى بنية دائمة، والمؤقت إلى بديل سياسي. وهنا، كما أشرت، تظهر معضلة الإرادة الوطنية: ليست كيانا جاهزا، بل ساحة صراع مفتوحة على التمثيل والمعنى.
فيما يخص غزة كفاعل اجتماعي – سياسي، أشاركك القلق ذاته. الفاعلية القاعدية وحدها لا تكفي إن لم تُحمَ سياسيا، بل قد تتحول – كما تشير بدقة – إلى “دليل نجاح” يُستخدم لتبرير الوصاية. لذلك كان الإصرار على أن الاعتراف بهذه الفاعلية ليس رومانسيا، بل محاولة لمنع تفكيكها أو احتوائها قبل أن تُختزل في وظيفة إدارية.
أما عن الخطاب الداخلي، فالسؤال الذي تطرحه مؤلم وصحيح: من يملك شرعية ضبطه دون أن يتحول إلى سلطة قمع رمزي؟ لا أملك إجابة جاهزة، وأظن أن غياب المرجعية الجامعة يجعل هذا السؤال أخطر من أي وقت مضى. ما يتوجب الانتباه إليه، كما ذكرت بدقة، هو خطورة ترك اللغة بلا مساءلة، لا الدعوة إلى وصاية خطابية جديدة. المعركة على المعنى، كما تقول، ليست أقل خطورة من أي معركة أخرى.
وفي مسألة منظمة التحرير، أشاركك الشك في الحنين السياسي. استعادتها، كما أراها، ليست إعادة إنتاج صيغة تاريخية. فقد أشارت مقالاتي ومقالات غيري، إلى ضرورة القطيعة مع النموذج السياسي الذي جرى استنفاده، دون القطيعة مع الإطار التمثيلي الجامع الذي جرى الاستيلاء عليه، بل باستعادته كإطار تحرري تمثيلي جامع لكافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وفي الشتات. إطار صراع وتمثيل قابل للمساءلة، وإعادة فتح سؤال التمثيل ذاته: من يمثل؟ كيف؟ وبأي علاقة مع المجتمع؟ تحرير المنظمة، مثل تحرير الوطن، هو استعادتها من مغتصبيها، لا هدمها.
أخيرا، أقدّر جدا طرحك لمسألة “إعادة شحن مفهوم التحرر” دون المساس بالحقوق. نعم، الخطر الحقيقي ليس فقط إدارة الفلسطينيين كسكان، بل تعايشهم النفسي مع هذا التعريف. حماية المعنى لغويا خطوة ضرورية، لكنها غير كافية، إن لم تُترجم إلى أسئلة مفتوحة، ونقد ذاتي شجاع، ومحاولات – ولو أولية – لإنتاج بدائل حيّة.
لعل الأهم في هذا الاشتباك الفكري هو اقتراحك تحويل هذا النقاش إلى نص حواري أو أسئلة مفتوحة للنشر. فدور المقالات هو فتح نافذة لهذا المستوى من الحوار الوطني، ودفعه خطوة أبعد نحو نقد ذاتي فلسطيني مؤلم لكنه ضروري. وهي دعوة عامة لحوار وطني مفتوح في مرحلة مصيرية، يؤمل أن ينخرط فيه المفكرين والمثقفين والمفكرين والمناضلين والفاعلين السياسيين والمجتمعين عموما والشباب خصوصا، فصنع المستقبل يبدأ بتغيير الحاضر، والصمت في هذه المرحلة، كما أشرت بدقة، ليس حيادا، بل شكل آخر من أشكال الإدارة.