الأستاذ غسان جابر
أسلوبك الأدبي الآسر في مقاربة القضايا السياسية والاجتماعية، كما في مقالك «لسنا VIP أمام الجندي: ملحمة العبور في معبر الكرامة حيث نُعمِّد أنفسنا في الوحل ثم نطالب بالاحترام» بتاريخ 16/1/2026، لا يتيح للقارئ الفلسطيني – أيا كان اختصاصه أو انشغاله – أن يمرّ عليه مرور الكرام. أنت تجبره على التوقف، والتفكير، ومساءلة ما اعتاد عليه، في لحظة تاريخية هي الأخطر في مسيرة الشعب الفلسطيني.
في مفارقة قاسية، وبينما يتعرض الفلسطيني اليوم لمحاولة محو وجودي في قطاع غزة، وفي مخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية، وعلى امتداد فلسطين الانتدابية، نجده في الوقت ذاته يُلهم أحرار العالم في مقاومة مظلومياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكنه يعجز – للأسف- عن حماية كرامته في تفاصيل حياته اليومية، داخل الوطن، وعند المعابر التي يتحكم بها عدوه الوجودي.
ما يصفه مقالك بدقة مؤلمة ليس مجرد فوضى سلوكية عند معبر، بل هو نتيجة تاريخية لمسار سياسي طويل، أنتج إنسانا فلسطينيا مداراً لا مُحرَّرا.
قبل أوسلو، كان العبور إذلالاً واضح المصدر: احتلال مباشر، جندي، بندقية، وبوابة قسرية. بعد أوسلو، لم ينتهِ الإذلال، بل تَشظّى، وتحول إلى منظومة مزدوجة: احتلال يُدير، وسلطة تضبط، ومجتمع يُعيد إنتاج القهر على ذاته.
هنا تكمن المسألة الأخطر: ما نعيشه اليوم في معبر الكرامة ليس انحرافا أخلاقيا عفويا، بل ثقافة نجاة نشأت في ظل نظام صُمّم لإدارة الفلسطيني لا لتحريره. أوسلو لم تُفكك الاحتلال، بل فككت السياسة، وحوّلتها إلى إدارة للوقت، والتصاريح، والمنصات، والمسارات، والامتيازات.
وحين تُفرَّغ السياسة من معناها التحرري، لا يبقى للأخلاق سند جماعي، فتنهار بدورها، وتتحول إلى خيارات فردية قاسية: أدفع أم أنتظر؟ أتجاوز أم أُداس؟
أكون VIP أم أختفي؟
ثقافة الدور لم تنهَر لأن الناس سيئون، بل لأن فكرة الجماعة نفسها جرى إضعافها. وحين يُعاد تعريف المواطن بوصفه “حالة” في نظام ضبط، لا شريكا في مشروع وطني، يصبح تجاوز الآخر مهارة لا خطيئة.
الواسطة، والوسيط، و“المساعدة المدفوعة” ليست مجرد مظاهر فساد، بل لغة اجتماعية بديلة نشأت حين غابت السياسة بوصفها أفقا عاما.
حتى الـVIP – الذي يفضحه مقالك بذكاء – هو ابن شرعي لأوسلو: فصلٌ طبقي مُقنّع داخل شعب واحد، في ظل احتلال لا يعترف أصلا بهذه الفروق. وهكذا نمارس التمييز فيما بيننا، قبل أن نُساق جميعا إلى حافلة واحدة، حيث يعود الجميع أرقاما.
اللافت، يا غسان، أن الاحتلال لم يعد بحاجة إلى فرض الإذلال كاملا، نحن نصل إليه مُنهكين أخلاقيا، متصارعين، مستعدين لتبرير بعضنا بعضا. الانهيار لم يعد فقط في السلوك، بل في المعيار: لم نعد نختلف على ما هو صحيح وما هو خطأ، بل اتفقنا – ضمنيا- على تمييع الخطأ حتى يصبح طبيعيا. وهذا هو أخطر أشكال الضبط: حين يصبح القهر ثقافة يومية، لا مجرد قرار عسكري.
من هنا، فإن معالجة هذه الفوضى لا يمكن أن تكون إدارية فقط. النظام لا ينهار لأن الناس لا تفهمه، بل لأن مشروعيته السياسية منهارة. ولا يمكن استعادة الأخلاق دون استعادة السياسة، كما لا يمكن استعادة السياسة دون تفكيك منطق أوسلو بوصفه إدارة للحياة تحت الاحتلال، لا مشروع تحرر.
ما يقوله مقالك – دون أن يسميه صراحة- أن معبر الكرامة ليس مجرد بوابة، بل مرآة: نرى فيها كيف تحوّل الفلسطيني من فاعل سياسي إلى كائن ينتظر، ويدفع، ويتجاوز، ويبرر. وما لم نكسر هذا الترابط بين القهر السياسي والانهيار الأخلاقي، سنبقى نناقش السلوك، دون أن نقترب من سببه.
فالكرامة لا تبدأ عند الجندي فقط، ولا تنتهي عند الوحل، بل تبدأ حين نرفض نظاما صُمّم ليجعلنا نختلف على الفتات، وننسى من سرق المائدة.
غانية ملحيس
17/1/2026
الأستاذة العزيزة غانية ملحيس،
قرأتُ نصّك لا بوصفه تعليقاً على مقال، بل بوصفه نصاً موازياً، يفتح المقال على أفقٍ أعمق، ويعيد تأطيره ضمن سياقه السياسي والتاريخي والأخلاقي الأوسع. وأقولها بصدقٍ خالٍ من المجاملة: قراءتك لم تُنقّب في سطح الفكرة، بل ذهبت مباشرة إلى بنيتها التحتية، حيث تتشابك السياسة مع الاجتماع، والقهر مع الأخلاق، والانتظار مع فقدان المعنى.
ما قدّمتهِ ليس تفوقاً على المقال بقدر ما هو اكتمال له. أنتِ أمسكتِ بالخيط الذي حاول النص أن يلمّح إليه دون أن يغرق فيه: أن الفوضى في معبر الكرامة ليست خللاً سلوكياً معزولاً، بل نتيجة تاريخية لمسار سياسي طويل أعاد تعريف الفلسطيني بوصفه “مُداراً” لا “محرَّراً”.
تفكيكك لمعادلة ما بعد أوسلو كان دقيقاً ومؤلماً في آنٍ واحد. نعم، قبل أوسلو كان الإذلال مباشراً، واضح المصدر والفاعل. وبعدها، كما تفضلتِ، تشظّى القهر وتوزّع، وأصبح منظومة مركّبة: احتلال يُدير، وسلطة تُنظّم، ومجتمع يتكيّف… ثم يُعيد إنتاج الإذلال على نفسه بوصفه مهارة بقاء. هذا التحليل يضع السلوك في سياقه الصحيح: لا تبريراً له، ولا شيطنة للناس، بل فهماً لبنية النجاة القاسية التي أُجبروا على العيش داخلها.
توقفتُ كثيراً عند عبارتك اللافتة: «لم نعد نختلف على ما هو صحيح وما هو خطأ، بل اتفقنا على تمييع الخطأ حتى يصبح طبيعياً». هذه جملة مفصلية، لأنها تنقل النقاش من مستوى السلوك إلى مستوى المعيار، ومن الإدانة الأخلاقية إلى السؤال السياسي العميق: من صاغ هذا المعيار؟ ولمصلحة من تآكل؟
ما كتبتهِ عن الـVIP بوصفه “ابناً شرعياً لأوسلو” قراءة شجاعة وذكية. نعم، هذه ليست خدمة عابرة، بل ترجمة طبقية مصغّرة لمنطق إدارة الحياة تحت الاحتلال، حيث تُجزّأ الجماعة، وتُفتّت فكرة الشراكة الوطنية، ويُمنح بعضنا وهماً مؤقتاً بالتفوّق، قبل أن نُعاد جميعاً إلى الصف ذاته أمام الجندي والحافلة والرقم.
أتفق معك تماماً: الحل ليس إدارياً فقط. فالنظام لا ينهار لأنه سيئ التنظيم، بل لأن مشروعيته السياسية منهارة. ولا يمكن ترميم الأخلاق دون أفق سياسي جامع يعيد للناس معنى الجماعة، ويعيد للفعل اليومي قيمته بوصفه جزءاً من مشروع، لا مجرد حيلة للنجاة.
إن ما قدّمتِه يفتح باباً ضرورياً للحوار:
كيف نعيد السياسة إلى معناها التحرري، دون أن نُهمل معاناة الناس اليومية؟
وكيف نُطالب الناس بسلوك جماعي أخلاقي، دون أن نكسر ظهورهم تحت ثقل انتظار بلا أفق؟
هذا النوع من الأسئلة هو ما نحتاجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى.
لذلك، أشكركِ لا لأنك دعمتِ المقال، بل لأنك وسّعتِه، وناقشتِه، ووضعتِه في مكانه الصحيح: كجزء من نقاش وطني أعمق حول الإنسان الفلسطيني، بين القهر السياسي والانهيار الأخلاقي، وبين النجاة الفردية وإمكانية استعادة المعنى الجماعي.
هذا هو الحوار الذي يستحق أن يُستكمل.
ويسعدني – ويشرفني – أن يكون المقال قد فتح نافذة لهذا المستوى من القراءة.
مع خالص التقدير والاحترام.
غسان جابر