لم يعد الصراع الدائر حول إيران يُختزل في سلوك إدارة ترامب، أو في حسابات إسرائيل الأمنية، أو حتى في توازنات إقليمية تقليدية. ما نشهده اليوم هو فصل متقدم من حرب وجودية يخوضها نظام الحداثة الغربية المادي، ذي البنية العنصرية والإقصائية، في مواجهة تشكّل نظام دولي متعدد الأقطاب يهدد احتكاره التاريخي لتعريف الشرعية والقوة والنظام.
غير أن هذه الحرب لم تبدأ من إيران، ولم تتكشف ملامحها الكاملة هناك، بل سبقتها لحظة كاشفة شكّلت اختبارا قاسيا لنظام الحداثة الغربية، وفضحت تناقضاته الأخلاقية والقانونية والسياسية على مرأى العالم: طوفان الأقصى وحرب الإبادة المفتوحة على غزة.
لقد مثّلت غزة مختبرا عاريا للنظام الدولي القائم، حيث سقطت كل ادعاءات “الإنسانية”، و” حقوق الإنسان”، و” القانون الدولي”، وظهر الغرب، لأول مرة بهذه الفجاجة، بوصفه شريكا مباشرا في الإبادة، لا مجرد داعم سياسي. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الصراع يدور فقط حول فلسطين، بل حول شرعية النظام الذي يبرر قتل شعب كامل باسم الدفاع عن ذاته.
في هذا السياق، لا يمكن فهم الضربات الاستباقية، أو سياسات الاستنزاف الطويل، أو حتى سيناريو “الربع ساعة الأخيرة”، بوصفها مجرد خيارات تكتيكية ظرفية. إنها أدوات ضمن محاولة واعية لتعطيل لحظة تاريخية آخذة في التبلور، لحظة تتراجع فيها قدرة الغرب على الانفراد بصياغة النظام العالمي، وعلى فرض نموذجه بوصفه النموذج الكوني الوحيد الممكن.
الحداثة الغربية المهيمنة: بين النخب والمجتمعات والمؤسسات
لا يتوجه هذا النقد إلى المجتمعات الغربية أو إلى التراث الحداثي بوصفهما كتلة واحدة، بل إلى النظام الغربي المهيمن كما تجسّد في سياسات النخب الحاكمة، وفي بنية المؤسسات العسكرية والاقتصادية والإعلامية العابرة للحدود.
يمكن تمييز ثلاثة مستويات في الغرب ضمن هذا السياق:
* النخب الحاكمة: التي تصنع القرار والسياسي والاقتصادي وتعيد إنتاج الهيمنة العالمية.
* المؤسسات الدولية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية: التي تُترجم مصالح النخب إلى سياسات عملية وقوة مادية ملموسة.
* المجتمعات الغربية نفسها: بما تحتويه من تيارات نقدية، وحركات احتجاج، ومواقف أخلاقية رافضة للحروب والإبادة، والتي تبرز فجوة بين القيم المعلنة وممارسات النظام.
هذا التمييز يسمح بفهم أن الصراع مع إيران، ومع باقي ساحات الجنوب العالمي، يتم عبر نظام مهيمن مركّب، وليس عبر الشعوب الغربية.
إيران: من “هدف” إلى حالة رمزية
ضمن هذا الإطار البنيوي، تبدو إيران أبعد بكثير من كونها “هدفا” عسكريا أو سياسيا. إنها حالة رمزية لاختبار قدرة النظام الغربي على منع نماذج الاستقلال السيادي من التحول إلى سوابق قابلة للتكرار، بل إلى نماذج عالمية بديلة.
فإيران تمثل: خروجا عن الطاعة الجيوسياسية، كسرا لمنطق التبعية الاقتصادية، وتحديا لاحتكار الغرب لمصادر القوة والشرعية. ومن هنا، فإن أي صمود إيراني لا يُقاس فقط بنتائج عسكرية مباشرة، بل بما يمثله من تهديد رمزي لبنية النظام الدولي القائم، خاصة بعد أن كشفت غزة أن هذا النظام لم يعد قادرا حتى على التستر خلف أقنعته الأخلاقية.
إيران بين الوظيفة الإقليمية والتحول الحضاري
منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، شكلت إيران أحد أكثر الأنظمة تحديا للهيمنة الغربية في المنطقة. فقد خرجت من عباءة الشاه، وطردت النفوذ الأمريكي، وأعلنت مشروعا سياسيا – دينيا مستقلا، داعما للمقاومة، رافضا للتبعية، ومناهضا لإسرائيل.
لكن السؤال الأعمق لم يعد: هل تعادي إيران الغرب؟ بل: هل تستطيع أن تصمد خارج منطق النظام العالمي؟ أم أنها – كما جرى مرارا في التاريخ – مهددة بأن تُحتوى تدريجيا، ويعاد تشكيلها كفاعل وظيفي في قلب منظومة الهيمنة التي تزعم معاداتها؟
إيران تمثل اليوم مأزقا مركبا بين السيادة الإقليمية والمشروع الحضاري. فمن جهة، تمتلك دولة ذات مؤسسات قوية، ونفوذا سياسيا وعسكريا، وقدرة على الصمود. ومن جهة أخرى، تواجه حدودا ذاتية تحدد مدى قدرتها على أن تتحول إلى مشروع حضاري جامع يتجاوز الدولة القومية والفارسية والمذهبية.
إيران كقوة سيادية مناهضة للهيمنة: تملك مشروعا سياسيا واضح المعالم، تمارس سيادتها دون خضوع للغرب، تدعم حركات مقاومة مسلحة خارج حدودها.
منذ الثورة الإسلامية، خاضت إيران مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة (احتلال السفارة، الحصار، العقوبات، الملف النووي وحروبا بالوكالة مع إسرائيل (عبر حزب الله، الحشد الشعبي، الجهاد وحماس، والحوثيين)، وصراعا طويلا ضد المحور الغربي – العربي في العراق، سوريا، اليمن، ولبنان. وهذا ما منحها شرعية سيادية عالية، وجعلها في عين الغرب خصما استراتيجيا يجب تحجيمه أو ترويضه.
المأزق البنيوي: القومية بدل الحضارة
غير أن ما يضعف المشروع الإيراني ليس خصومه، بل حدوده الذاتية. هناك هيمنة لهوية قومية فارسية وتمركز شيعي، فرغم شعارات الوحدة الإسلامية، فإن:
* مؤسسات الدولة الإيرانية تقوم على رؤية قومية متمركزة حول الذات الإيرانية،
* الخطاب السياسي الرسمي والتحالفات الإقليمية يغلب عليها الطابع المذهبي الشيعي،
* البعد الحضاري الإسلامي يستخدم كشعار لا كأفق جامع، مما ينتج عزلة نسبية عن مكونات الأمة الأخرى، خصوصا العرب، والأتراك، والأكراد، والسنة.
الدولة القومية والقطرية: سجن التاريخ أم بوابة التجاوز؟
لم تكن الدولة القومية أو القطرية في العالم الإسلامي نتاجا لتطور اجتماعي داخلي، بل كانت إعادة هندسة قسرية للأمة بعد تفكيك بنيتها الحضارية الجامعة، خصوصا بعد سقوط الخلافة بعد الحرب العالمية الأولى، وتقسيم إرثها الى دول قومية وقطرية وزرع الكيان الاستعماري الغربي الصهيوني الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، التي تتموضع في مركز وصلها الجغرافي والديموغرافي والحضاري.
جاء نموذج الدولة الحديثة محملا بإرث الحداثة الأوروبية: حدود مصطنعة، هويات قسرية، مركزية مفرطة، بيروقراطية خانقة، وسيادة محصورة في الإقليم لا في القيم. فتحولت الدولة القومية والقطرية من وسيلة تنظيم إلى سجن سياسي وتاريخي:
من الجماعة إلى الشعب، من الرسالة إلى البيروقراطية، من الوعي إلى الراية والنشيد، وربط مفهوم التحرر بالسيادة الإقليمية لا بالانعتاق الحضاري.
غير أن بعض الدول – رغم الحدود والقيود – قد تتحول في لحظات تاريخية معينة إلى رافعة للتمرد ومسرح للتجاوز، إذا امتلكت رؤية حضارية تتخطى القومية القطرية وتعيد وصلها بالجماعة الحضارية الأوسع.
أدوات الدولة القومية الحديثة:
إيران ليست ثورة حضارية متكاملة، بل دولة قومية حديثة تدير صراعها بمنطق السيادة والنفوذ الإقليمي، وليس بمنطق التحرر الحضاري العالمي. ما يواجهها اليوم يعيد إلى الأذهان تجربة محمد علي باشا: محاولة استقلالية تصطدم بتوافق القوى الغربية، وإعادة هندسة للتاريخ وفق مصالح النظام الدولي السائد.
مفترق المصير: بين التحول الحضاري والانكماش الوظيفي
تجد إيران نفسها اليوم أمام ثلاث خيارات استراتيجية:
الأول: البقاء في مربع الوظيفة الإقليمية: قبول دور مشروط ضمن معادلة الأمن الإقليمي والانكفاء داخل حدود نفوذ رسمية، مقابل تخفيف العقوبات والانخراط في تفاهمات النظام القائم.
الثاني: التصعيد دون أفق حضاري: استمرار المواجهة السياسية والعسكرية دون تطوير خطاب جامع يتجاوز الإطار القومي – المذهبي، مما يؤدي إلى إنهاك تدريجي وتوسّع عزلة إقليمية.
الثالث: التحول إلى مشروع تحرري حضاري جامع: الانفتاح على مكونات الأمة كافة، تجاوز النزعة الفارسية والمذهبية الشيعية، تأطير الصراع مع الغرب كصراع حضاري مع البنية المادية العنصرية، وبناء تحالفات معرفية – روحية – شعبية تعيد تعريف إيران كجزء من أمة كبرى. القوة وحدها لا تصنع مشروعا، والممانعة لا تكفي لانتزاع المعنى. من يسبق إلى الوعي يكتب التاريخ.
محدودية تفكيك العوامل الداخلية في إيران
رغم التركيز على الضغوط الخارجية، لا يمكن تجاهل التناقضات الداخلية الإيرانية: أزمات اقتصادية، اجتماعية، وصراعات النخب. هذه العوامل تشكل جزءا أساسيا من المشهد، لكنها لا تفسر كل شيء بمعزل عن الحرب البنيوية الغربية وإدارة الانحدار.
النماذج “العراقي – السوري – الفنزويلي”: إدارة فشل لا صناعة تغيير
استحضار النماذج العراقي، السوري، والفنزويلي، لا ينبغي قراءته بوصفه بحثا عن “وصفة ناجحة للتغيير”، بل باعتباره دليلا على عجز بنيوي متزايد لدى الغرب عن إعادة إنتاج نظام أحادي القطبية مستقر. فهذه النماذج لا تعبّر عن نجاحات:
* العراق: فوضى شاملة عوّضت فشل السيطرة.
* سوريا: تفكيك الدولة لمنع تعافيها، لا لإنتاج بديل.
* فنزويلا: محاولة قطع الرأس دون انهيار الجسد.
في هذا السياق، تتحول إسرائيل إلى أداة ضبط إقليمي داخل حرب عالمية غير معلنة على التعددية القطبية.
غزة: لحظة سقوط السردية الغربية
لم تكن حرب الإبادة في غزة حدثا عابرا في سياق الصراع، بل شكّلت زلزالا بنيويا في صورة الغرب ونظامه.
ادعاء الكونية، ممارسة الإبادة الانتقائية، خطاب الحقوق، منطق التفوق العنصري الاستعماري.
غزة فضحت النظام الذي يحمي إسرائيل، ويبرر جرائمها، ويمنحها الحصانة المطلقة، وبهذا أصبحت كل ساحات الاشتباك اللاحقة تُقرأ في ضوء هذا الانكشاف الكبير.
لماذا باتت الحرب “حتمية” في المخيال الغربي؟
السؤال الحقيقي ليس أيّ السيناريوهات أرجح، بل لماذا لم يعد الغرب قادرا على تجنب اللجوء للقوة. سياسات التهديد بالحرب تعكس ذعر بنيوي من نهاية التفوق الغربي وفقدان القدرة على التحكم بمسارات التاريخ العالمي، خاصة بعد تجربة غزة.
حرب على ماذا بالضبط؟
الحرب على إيران ليست حربا على دولة، بل على: فكرة الاستقلال، حق التعدد، شرعية الخروج من مركز الحداثة الغربية. إنها حرب على إمكانية أن تقول دول الجنوب العالمي: يمكننا أن نكون حديثين وأقوياء ومؤثرين دون أن نكون غربيين.
صراع نماذج حضارية لا نزاع ملفات
النظام الدولي القائم يقوم على:
* بعد عنصري يقسم العالم إلى مركز وأطراف،
* بعد مادي يختزل الإنسان في السوق،
* بعد إقصائي يجرّم أي خروج عن النموذج السائد.
وما يجري في إيران مرتبط عضويا بما يجري في غزة، وفنزويلا، وكوبا، وبوليفيا، واليمن، والسودان، وليبيا، والصومال، ونيجيريا، وغيرها.
تحطيم النموذج قبل أن يصبح سابقة
إيران ليست هدفا بذاتها، بل نموذج يُراد تحطيمه قبل أن يتحول إلى سابقة، ورسالة ردعية لبقية القوى الصاعدة: الخروج من النظام مكلف وربما مدمر.
كلما زادت الضربات الاستباقية واتسعت حروب الإبادة، ازدادت دلالتها على عمق الأزمة، لا على متانة الهيمنة، وعلى تسارع سقوطها.