لا أمتلك وعيا معرفيا بالكتابة السينمائية، لكن أسلوب الكاتب السينمائي المبدع يحيى بركات في تناول المشهدين السياسي والثقافي دفعني إلى المجازفة باستعارة طريقته في مقاربة قضايانا الفلسطينية الشائكة، تلك التي كثيرا ما تتعذّر على الفهم المباشر.
مشهدان ثقافيان متقابلان، تجمعهما فلسطين، لا يكشفان الفارق في المواقف المعلنة، بل في منطق الثقافة ذاته: كيف تُفهم، وكيف تُمارس، ومن يتكلم باسمها.
الدلالة الأعمق هنا ليست في سؤال: من على حق؟ بل في سؤال أكثر جذرية: أي ثقافة تُنتج فعلا، وأي ثقافة تُنتج خطابا؟
المقصود هنا ليس الفعل الثقافي الفلسطيني الحيّ الذي يتشكّل خارج الأطر الرسمية، بل الثقافة المؤسسية حين تتحوّل إلى جهاز إدارة خطاب باسم القضية.
أولا: مشهد أديلايد – حين قرر الكتّاب أن الثقافة فعل أخلاقي
الثقافة، كما يقول يحيى بركات بحق، ليست مؤسسة ولا اتحادا ولا مؤتمرا، بل قرارا فرديا يتحول إلى موقف جماعي.
كاتبة فلسطينية أُقصيت بلغة “ناعمة” تحت مسمّى “الحساسية الثقافية”. لم يُطلب من الكتّاب بيان، ولم يُستدعَ اتحاد، ولم تُرفع شعارات كبرى.
لكن ما حدث كان أبسط، الكتّاب انسحبوا، انسحبوا من أسمائهم، ومن برامجهم، ومن المنصّة نفسها.
الفعل هنا: غير تمثيلي، غير خطابي، وغير مفوّض من أحد. ولهذا كان أخطر. الكاتب الأسترالي لم يقل: نحن مع فلسطين، بل قال بالفعل: لن أكون جزءا من مشهد يُقصي الفلسطيني.
هنا، وضعت الثقافة المؤسسة في موضع الاتهام، وأجبرتها على التراجع أو الانكشاف، دون أن تطلب مكافأة أو شكرا.
إنها ثقافة تتحرك من أسفل إلى أعلى، من ضمير الفرد إلى ارتباك النظام.
ثانيا: مشهد دمشق – حين تتحول الثقافة إلى إدارة خطاب
في مؤتمر فرع اتحاد الكتّاب الفلسطينيين في سوريا، كل شيء مختلف بنيويا، لا شكليا فقط. نحن أمام: منصّة رسمية، ورعاية سياسية كاملة (منظمة التحرير الفلسطينية، السفارة، شخصيات قيادية)، ولغة بيانات مألوفة، ومفردات جاهزة: وحدة، تضافر، مرحلة خطيرة، مسؤولية تاريخية.
الحدث المركزي هنا لم يكن: موقفا ثقافيا إشكاليا، ولا مواجهة مؤسسة قمعية، ولا حتى نقاشا مفتوحا حول دور الكاتب بعد الإبادة.
بل: فصل الكتّاب عن الصحفيين، بوصفه “توحيدا للجبهة الثقافية”. وهنا يظهر الخلل العميق. ماذا يعني هذا الفصل فعليا؟ قرار إداري تنظيمي، يقدم كإنجاز ثقافي، دون أي مساءلة للسياق: هل المشكلة فعلا بين الكاتب والصحفي؟ أم بين الثقافة بوصفها خطابا، والواقع بوصفه مأساة؟
لغة المؤتمر كانت: لغة تثبيت الشرعية لا مساءلتها، لغة “المثقف يصوّب القائد” دون أن نرى فعل تصويب واحد، لغة ثوابت محفوظة، لا خلاف عليها أصلا. لكن السؤال الغائب ظلّ حاضرا بثقله:
أين كان الاتحاد حين كان الكتّاب يُقتلون؟
أين كان حين كان الصوت الفلسطيني يُقصى عالميا؟ وماذا فعل، خارج البيانات؟
لا يمكن قراءة هذا الغياب بوصفه فشلا أخلاقيا مجردا، بل نتيجة مسار طويل من التأديب السياسي: احتلال يعاقب الفعل، ونظام تمويل يكافئ الخطاب، وبيئة إقليمية تُجرِّم أي خروج عن “الاستقرار”. في هذا السياق، لم تُفرَّغ الثقافة من قدرتها على الإحراج صدفة، بل جرى تدريبها تدريجيا على تجنّبه، حتى أصبح الاجتماع أكثر أمانا من القرار، والبيان أقل كلفة من الفعل.
ثالثا: الفارق الجوهري: فعل بلا خطاب، وخطاب بلا فعل
إذا وُضع المشهدان في سياقهما السياسي الأوسع، يمكن القول إن ما جرى ثقافيا هو صورة مصغّرة دقيقة عمّا يجري سياسيا داخل حركة فتح، وداخل النظام السياسي الفلسطيني برمّته.
رابعا: من أديلايد إلى المقاطعة السياسية – المنطق واحد
في مشهد أديلايد: لم تُنقَذ الكاتبة بقرار مؤسسي، بل انكشف المهرجان بفعل انسحاب الأفراد.
في المشهد الفلسطيني: لا يُنقَذ النظام السياسي ببيانات أو اجتماعات، بل يُطالَب الناس بالاصطفاف خلفه بوصفه “الممكن الوحيد”.
النتيجة واحدة: المؤسسة تطلب الحماية بدل أن تكون مصدرها.
وهذا هو لبّ الأزمة.
خامسا: حركة فتح – من حركة تحرر إلى جهاز إدارة واقع
كما في اتحاد الكتّاب: المؤتمرات تُعقد، والخطاب يُعاد تدويره، والثوابت تُتلى.
لكن الأسئلة الجوهرية تبقى بلا إجابة: أين الفعل الذي يغيّر ميزان القوة؟
أين القرار الذي يكلّف؟ أين اللحظة التي تقول فيها فتح: لا، وتتحمّل ثمنها؟
فتح اليوم، في معظم تجلياتها، لا تواجه العالم، بل تشرح نفسها له، في نظام دولي يعاقب المواجهة ويكافئ الإدارة.
وهذا انتقال خطير: من حركة تحرر إلى جهاز تفسير سياسي للواقع القائم
سادسا: المجلس الثوري واللجنة المركزية – اجتماع بلا إحراج
كما في مؤتمر الكتّاب: النصوص حاضرة، الرموز حاضرة، والشرعية حاضرة. لكن الغائب دائما: الفعل الذي يُربك النظام الدولي، أو حتى يُربك الاحتلال.
الاجتماعات: لا تُفاجئ أحدا، ولا تغيّر حسابات أحد.
كأن وظيفة المجلس الثوري واللجنة المركزية لم تعد صناعة القرار، بل منع الفراغ.
سابعا: النظام السياسي الفلسطيني – حياد داخل الهزيمة
النظام السياسي الفلسطيني يشبه، إلى حدّ التطابق، مؤسسة ثقافية تخاف من الحقيقة. يتمسّك بـ“الشرعية الدولية” في عالم مزّقها، ويتحدث عن “الحل السياسي” بعد أن أُحرقت السياسة نفسها، ويدعو إلى الوحدة دون أن يقدّم أفقا لها. وهنا تتكرّر المعادلة ذاتها: الحياد بوصفه فضيلة، في لحظة تستدعي الانحياز.
كما خافت إدارة مهرجان أديلايد من “الإحراج”، يخاف النظام السياسي الفلسطيني من: كسر التنسيق، وإعادة تعريف الصراع، ونقل المواجهة إلى مربّع أخلاقي – سياسي جديد.
ثامنا: المفارقة القاسية:
في العالم: مؤسسات تخاف، وكتّاب ينسحبون. في فلسطين: شعب يُباد، ومؤسسات تجتمع.
الكتّاب في أديلايد لم يملكوا قضية شخصية، لكنهم تصرّفوا كأنها قضيتهم. أما النظام الفلسطيني، فيملك القضية، لكنه يتصرّف كأنها ملف يحتاج إدارة لا تحرير.
تاسعا: السؤال الذي لا مهرب منه
إذا كانت الثقافة العالمية قادرة على أن تُربك مؤسساتها، بينما الثقافة الفلسطينية لا تُربك مؤسساتها، وإذا كانت حركات تضامن بلا قضية مستعدة لدفع الثمن، بينما حركة تحرر ذات قضية تخشى الثمن، فالسؤال يصبح وجوديا لا إصلاحيا:
هل المشكلة في الأشخاص؟ أم في النموذج السياسي ذاته الذي استنفد وظيفته؟
هذا السؤال لا يتجاهل اختلال ميزان القوة، ولا القمع، ولا التبعية، بل يذهب إلى ما هو أعمق: كيف تحوّلت هذه الشروط من قيود مفروضة إلى منطق داخلي يُعاد إنتاجه بوصفه عقلانية سياسية.
عاشرا: ما البديل؟
البديل ليس حزبا جديدا، ولا مجلسا آخر، ولا مؤتمرا إضافيا، ولا نسخة محسّنة من البنية ذاتها.
البديل يبدأ حين تُستعاد السياسة من يد الوصيّ، وتُعاد إلى الفاعلين الاجتماعيين أنفسهم: الناجون في قطاع غزة، وفي مخيمات وقرى ومدن الضفة، الطلبة، الجرحى والأسرى، النشطاء، الكتّاب، النقابيون، اللجان الشعبية، والمبادرات العابرة للفصائل.
بديل لا يقوم على التمثيل الشكلي، بل على الشرعية المتولّدة من الفعل والكلفة. سياسة لا تطلب من الناس الاصطفاف خلفها، بل تتقدّم هي لتدفع الثمن أولا.
بديل يُقاس بقدرته على الإحراج لا على الضبط، وعلى فتح الصراع لا إدارته، وعلى توسيع أفق الممكن بدل تسويغه.
هذا البديل لم يولد بعد، لكنه لن يولد من داخل النموذج الذي استنفد نفسه، ولا من لغة البيانات، بل من فعل يشبه ما فعله كتّاب أديلايد: قرار فردي يتحوّل إلى قوة جماعية، بلا وصاية.
البديل لا يُقاس بما يَعِد به، بل بما يُربك به خصومه وحلفاءه معا، وبقدرته على تحويل الكلفة من عبء يخشاه الناس إلى معيار شرعية لا يملكه النظام القائم. البديل ليس برنامجا يُعلَن، بل مسارا يتراكم: كل فعل يفرض كلفة، لكن هذا الفعل لا يُكتفى به على المستوى الرمزي وحده، لكي يتحوّل إلى قوة مؤثرة، يحتاج إلى تكرار مستمر، تكوين شبكات دعم غير رسمية، وتراكم المواقف الصغيرة التي تفرض كلفة على المؤسسات والنظام، من دون انتظار إذن أحد. بهذه الطريقة، يصبح الفعل محميا من الإبادة الرمزية، ويتحوّل تراكمه إلى تغيير سياسي ملموس، ولو تدريجيا.
نحن لا نحتاج إصلاح الخطاب، بل مغادرة نموذج كامل. ومغادرة النموذج لا تعني مغادرة الإطار، بل القطيعة مع عقلية الراعي والقطيع.
ما يجري في فتح والمجلس الثوري، وما سيجري في المؤتمر الثامن للحركة إن عُقد كما يُخطّط له، هو النسخة السياسية لما جرى في مؤتمر الكتّاب بدمشق: إدارة شرعية أقلية بلا قدرة على الإحراج، ووحدة بلا مشروع، وثوابت بلا كلفة. وحركة بلا شرعية شعبية، وموت نظام سياسي فصائلي فلسطيني بلا ضجيج، لأن العالم لا ينتظر من لا يجرؤ على الإحراج، ولا يحترم من تعلّم إدارة الهزيمة بدل كسرها.