الصديق العزيز سمير
قرأت مقالك “الوطنيات الجديدة المشغولة بذاتها” في العربي الجديد7/1/2026 بتمعّن، وأجد نفسي متّفقة مع جزء كبير من تشخيصك لظاهرة «الوطنيات الجديدة المشغولة بذاتها»، خصوصا فيما يتعلّق بهشاشة اللاصق الوطني، وصعود التشكيلات تحت الوطنية بعد سقوط الديكتاتوريات، وعجز البدائل عن إنتاج جامع وطني فعلي.
لكنني أودّ الإضافة، ليس اعتراضا، بل من باب توسيع أفق التشخيص. فالمشكلة، برأيي، لا تبدأ مع فشل هذه الوطنيات الجديدة، ولا حتى مع سلوك الأنظمة الديكتاتورية، بل مع البنية الأصلية للدول القُطرية نفسها. هذه الدول لم تتشكّل بوصفها نتاج تطوّر تاريخي – اجتماعي طبيعي، كما في التجربة الأوروبية، بل جاءت ثمرة عملية إعادة هندسة شاملة أعقبت الهزيمة الكبرى في الحرب العالمية الأولى، وتجلّت في منظومة متكاملة من الترتيبات الاستعمارية، من اتفاقية سايكس- بيكو، إلى نظام الانتداب، ووعد بلفور، وما تبعه من إعادة تشكيل المجال العربي والإسلامي على أسس وظيفية، كان هدفها تفتيت المنطقة وتقويض فرص استعادة تكاملها ووحدتها.
وفي هذا السياق، لا تبدو الانقسامات القومية والدينية والطائفية مجرّد أدوات استخدمتها الديكتاتوريات لاحقا، بل موادّ تأسيسية جرى الاستثمار فيها منذ البداية: من تفتيت القومية الكردية وتوزيعها على دول تملك مقومات النهوض (تركيا، إيران، العراق، وسوريا)، إلى زرع إسرائيل في مركز الوصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري بين مشرق الأمة العربية ومغربها، ومنع تبلور دول وطنية، والحيلولة دون قيام إقليم عربي وازن.
من هنا، أرى أن فشل الربيع العربي، وعجز الحركات الوطنية، القومية منها والإسلامية، لا يعود فقط إلى القمع أو إلى أخطائها السياسية، بل إلى قصور معرفي – بنيوي أعمق: عجزها عن صياغة برامج تحرّرية تدرك أن الصراع يتجاوز الجغرافيا القُطرية، وأنه صراع حضاري – سياسي يتّصل بوظيفة الدولة وموقعها في النظام الإقليمي والعالمي، وليس فقط بطبيعة السلطة الحاكمة.
بهذا المعنى، فإن «الوطنيات الجديدة» التي تنسحب من القضايا الكبرى، وعلى رأسها فلسطين، أو تتعامل معها كقضية خارجية، لا تفعل ذلك فقط بدافع الانغلاق أو الأنانية، بل لأنها تتحرّك داخل أفق دولة صُمِّمت أصلا على العجز. وهي، لذلك، تدور حول ذاتها، بدل أن تعيد تعريف الوطنية بوصفها مشروعا تحرريا جامعا، لا يُبنى ضد الإقليم ولا بمعزل عنه.
أوافقك أن الوطنية الجديدة مهمة ملحّة للخروج من الخراب، وأن أساسها المواطن المتساوي في الحقوق والواجبات، لكنني أظن أن هذا المشروع لن يكتمل ما لم يقترن بوعي نقدي بجذور الدولة القُطرية نفسها، وبوظيفتها التاريخية، وبالقضايا المركزية التي لا يمكن تحييدها من دون تفريغ الوطنية من معناها.
مع التقدير لجهدك ولمقالك المحفّز للنقاش.
غانية ملحيس
8/1/2026
صديقتي العزيزة.
يسعدني ويشرفني ان تناقشي ما كتبت..
أعتقد أن المشكلة الأعمق في المنطقة، ليست بالدولة بالمعنى الصوري للكلمة، بل بالمعنى العميق للدولة الحديثة بوصفها دولة مواطنين. فالدولة الحديثة، وبالتالي الوطنية اختراع حديث، كل دولة اخترعت وطنيتها، بالتالي اخترعت وحدتها بناء على مكونها الوطني (المواطنون) بصرف النظر عن الاساس في اختراع هذه الوطنية: اللغة الواحدة، أو الامال المشتركة في الدول متعددة اللغات، أو غيرها من الأسس التي شكلت اللاصق الوطني بينها.
في المنطقة تم استيراد الدولة بالمعنى الصوري للكلمة، لكن لم يتم اختراع وطنية في الإطار الجغرافي، كما الصيغة الاستعمارية. ولا تم العمل الجدي على تجاوز هذه الصيغة. فبقيت الدولة الصورة، مجرد أداة قمع، تعمل بلاصق الخوف، دون أي لاصق اخر، مما جعلها قابلة للانهيار والتفكك.
بمعنى آخر، كان يمكن أن تخترع الدول القطرية وطنية ما، لكن النخب والحكام أنفوا من هذه المهمة باعتبار الدولة القطرية مرذولة لأنها صنيعة الاستعمار. بذلك لم نخرج لا بوحدة قومية، ولا بوطنية قطرية، مثل مصيفين الغور.
سمير الزبن
9/1/2026
***
الصديق العزيز سمير
يشرفني ويسعدني هذا الحوار معك، وأقدّر وضوح ردّك وحرصك على تفكيك المسألة من زاوية الدولة الحديثة بوصفها دولة مواطنين. وأعتقد، كما أشرتَ، أننا نلتقي في تشخيص النتائج: هشاشة الدولة، غياب اللاصق الوطني، وتحول الدولة إلى أداة قمع لا إلى إطار اندماج. لكن اختلافنا، كما أشرت ضمنيًا، يكمن في فرضية الانطلاق لا في الغاية.
أنتَ تنطلق من افتراض أن الدولة القُطرية العربية، رغم كونها نتاج هندسة استعمارية، كانت تملك إمكانية تاريخية لاختراع وطنية حديثة داخل إطارها الجغرافي، لولا تقاعس النخب والحكام، أو رفضهم لهذه المهمة باسم انتظار الوحدة القومية أو التحرر الشامل. وأنا لا أنفي هذا التقاعس، ولا أبرّئ النخب، لكنني أضعه في سياق أضيق: سياق دولة صُمِّمت بنيويا لتكون دولة رعايا لا دولة مواطنين.
بمعنى آخر، لا أرى أن المشكلة كانت فقط في عدم “اختراع وطنية”، بل في أن الإطار نفسه كان مضادا لإمكانية هذا الاختراع. فالدولة القُطرية في منطقتنا لم تُستورد بوصفها دولة حديثة ناقصة التجربة يمكن تطويرها، بل بوصفها أداة وظيفية ضمن منظومة استعمارية أشمل، هدفها إدارة المجال ومنع تبلور كيان سياسي – حضاري قادر على الفعل المستقل. من هنا، كانت الحدود، وتركيبة السلطة، ووظيفة الأمن، والعلاقة بالمجتمع، كلها عناصر تؤسس لدولة ضبط لا دولة عقد اجتماعي.
لذلك، حين أقول إن هذه الدول “مصممة للفشل”، لا أعني أن كل مساراتها كانت مغلقة تماما، ولا أن أحوالها لم يكن يمكن أن تكون أفضل، بل أعني أن سقف التحسّن كان – وسيبقى – محدودا وهامشيا طالما لم يُكسر الإطار الذي أُنشئت داخله.
تماما كما في حالة السلطة الفلسطينية: يمكن تحسين الإدارة، وتخفيف القمع، وتقليص الفساد، وتجويد الأداء، لكن وهم تحوّلها إلى سلطة وطنية حقيقية يصطدم بوظيفة بنيوية صُمِّمت لتقييدها.
في هذا المعنى، أرى أن الفشل لم يكن فقط فشلا في الإرادة السياسية، بل أيضا فشلا في الوعي بطبيعة الصراع ذاته: صراع لا يدور فقط داخل الدولة، بل حول وظيفة الدولة وموقعها في الإقليم والنظام العالمي. ولهذا، فإن الوطنية التي تنغلق داخل القُطر، وتتعامل مع قضايا مثل فلسطين بوصفها “خارجية”، لا تفعل ذلك فقط بدافع الأنانية أو الخوف، بل لأنها تتحرك داخل أفق دولة عاجزة بنيويا عن إنتاج معنى تحرري شامل.
أظن أننا نتفق في أن الخروج من هذا المأزق يمرّ عبر دولة مواطنين، ووطنية جامعة، لكنني أضيف: هذا لن يتحقق ما لم يُقترن المشروع الوطني برؤية تحررية تكسر الإطار القُطري الوظيفي، وتعيد وصل الوطنية بعمقها الحضاري والإقليمي، لا بوصفه نقيضا للدولة، بل شرطا لإعادة تأسيسها.
أقدّر هذا النقاش، وأراه ضروريا، لا لأنه يحسم الخلاف، بل لأنه يضيء جذوره.