الاستاذ غسان جابر
مقالك الساخر «الانتخابات كعلاج تجميلي… كليلة ودِمنة تُصوّت من غرفة الإنعاش»7/1/2026
ليس مقالا، بل تقريرا طبيا عن نظام سياسي يعاني من مرض عضال، لا لأن العلاج مستحيل، بل لأن الاعتراف بالمرض محظور.
هو لا يصف أزمة، بل يعرّي منطق المريض الذي ينكر التشخيص رغم فجاجة الأعراض.
نحن لا نتحدث عن فشلٍ عابر، بل عن نظام حسم أمره، وأعاد تعريف السياسة بوصفها إدارة دائمة للاحتلال، لا مقاومته.
القرارات بقانون ليست أداة حكم، بل وصفة طبية معتمدة لإبقاء الجسد السياسي موصولا بأجهزة التنفّس الاصطناعي؛ حيًّا بالحد الأدنى، عاجزا عن الحركة، ممنوعا من التعافي.
الانتخابات، في هذا السياق، ليست حقا سياديا، بل طقسا علاجيا رمزيا: تمنح وهم المشاركة وتسكينا للضمير، حتى وإن كانت نتائجها معروفة سلفا.
الأخطر – كما يشير النص بوضوح – ليس القفص ذاته، بل اعتيادنا عليه، وتحول الخوف من الخروج منه إلى عقل جمعي.
هذا مقال يذكّرنا بأن الحرية تبدأ من كسر البنية التي تجعل الحياة داخل القفص موتا سريريا، موصولا بأجهزة تنفّس يتحكم بها ملاك الموت وفق جدوله الزمني.
غانية ملحيس
8/1/2026
****
قراءة الكاتبة غانية ملحيس ليست تعليقًا على نص، بل تفكيك ذكي لروحه، ووضع الإصبع بدقة على العصب الذي حاول المقال كشفه دون مواربة. ما كتبته لا يضيف شرحًا، بل يرفع السقف، ويعيد تعريف النص من كونه تهكمًا سياسيًا إلى كونه تشخيصًا بنيويًا لنظام تعلّم كيف ينجو دون أن يَشفى.
توصيفها للمقال بوصفه تقريرًا طبيًا عن نظام سياسي يعاني من مرض عضال هو توصيف بالغ الدقة، لأنه ينقل النقاش من سؤال “لماذا فشلنا؟” إلى السؤال الأخطر: لماذا مُنع الاعتراف بالفشل أصلًا؟
وهنا تكمن جوهر المأساة الفلسطينية المعاصرة: ليس في الاحتلال وحده، بل في نظام أعاد هندسة السياسة لتصبح إدارة متكيفة مع الاحتلال، لا مشروعًا لمواجهته أو كسره.
إشارتها إلى “القرارات بقانون” بوصفها أجهزة تنفّس اصطناعي للجسد السياسي توصيف قاسٍ… وصحيح. فهي ليست أدوات حكم استثنائية، بل آلية دائمة لتعليق الحياة السياسية عند حدّها الأدنى: لا موت يحرّك الغضب، ولا حياة تسمح بالفعل. مجرد بقاءٍ إداري، منزوع الإرادة.
أما مقاربتها للانتخابات كـ طقس علاجي رمزي يمنح وهم المشاركة، فهي من أكثر النقاط عمقًا وخطورة. لأن الانتخابات، حين تُفرغ من قدرتها على التغيير والمحاسبة، تتحول من أداة سيادة إلى مُسكّن أخلاقي يريح الضمير الجمعي، لا إلى فعل تحرري.
والأهم، وربما الأشد إيلامًا، هو ما تلتقطه غانية ملحيس في خاتمتها:
أن الخطر الحقيقي لم يعد القفص، بل تطبيع الخوف من مغادرته.
حين يتحول القفص إلى أُلفة، والحرية إلى مغامرة مخيفة، نكون قد انتقلنا من القمع الخارجي إلى القبول الداخلي… ومن الاحتلال كقوة مفروضة، إلى الاحتلال كعقلٍ مُستبطن.
أشكر الكاتبة غانية ملحيس على هذه القراءة العميقة، الشجاعة، وغير المهادِنة.
فهي لا تُجامل النص، بل تُحاكم الواقع، وتذكّرنا — بوضوح مؤلم — أن الحرية لا تبدأ بكسر القيد فقط، بل بكسر البنية التي أقنعتنا أن الحياة داخل القيد هي أقصى ما يمكننا احتماله.
هذا النوع من القراءات هو بالضبط ما يحتاجه النقاش الفلسطيني اليوم:
قراءات لا تبحث عن الطمأنينة… بل عن الحقيقة.
غسان جابر 9/1/2026