من استنفاد السياسة إلى عبور المعنى: قراءة موحّدة في النقاش الفلسطيني بعد الإبادة
يشكّل الحوار بين يحيى بركات، المتوكل طه، مروان طوباسي خالد عطية، غانية ملحيس، وآخرين، والتفاعلات المرتبطة بالمقالات، محاولة فكرية جادة لتفكيك السياسة الفلسطينية بعد الإبادة، وإعادة تعريفها في زمن الانكشاف الطويل واستنفاد النموذج السياسي التقليدي.
يتفق المشاركون على نقطة مركزية مفادها أن النموذج السياسي الذي نشأ مع الحركة الفلسطينية المعاصرة، التي دشّنتها حركة فتح منتصف ستينيات القرن الماضي، وتطوّر داخل منظمة التحرير، وبلغ ذروته السلطوية مع أوسلو، لم يعد قادرا على تفسير الواقع ولا تغييره، بل تحوّل، بحكم استنفاده، إلى أداة لإدارة الواقع الاستعماري بدل تفكيكه.
أولًا: عناصر الالتقاء
1. استنفاد النموذج السياسي
يرى الجميع أن النموذج السياسي الفلسطيني الحالي عاجز عن مواجهة الاستعمار الاستيطاني، وأنه فقد شرعيته العملية والأخلاقية. فالإدارة التقليدية للسلطة، والتمثيل المغلق، والتحالفات التقليدية، لم تعد أدوات صالحة لإحداث تغيير فعلي في الواقع.
2. أهمية اللحظة التاريخية الراهنة
بعد الإبادة، أصبح السؤال عن السياسة الفلسطينية ملحا وحتميا، ولم يعد قابلا للتأجيل. فقد كشفت الإبادة هشاشة النموذج القائم، ودفعت النقاش من مستوى النقد الأخلاقي إلى مساءلة البنية السياسية نفسها.
3. الحاجة إلى حامل سياسي جديد
يتفق الجميع على ضرورة بناء قوة سياسية جديدة قادرة على الفعل التحرري، غير هرمية، متجاوزة للاحتكار، ومتصلة بالمجتمع والشباب داخل الوطن المحتل، بما في ذلك فلسطينيي 1948، وبالشتات. ويُفترض بهذا الحامل أن يكون قادرا على إدارة الصراع طويل النفس، ومدركا لتباين ظروف وأولويات المكونات الفلسطينية المختلفة، ولأهمية حماية المجتمع الفلسطيني من الانهيار أو الاحتواء.
4. دمج الأخلاق بالسياسة
يؤكد النقاش أن السياسة الفلسطينية الجديدة يجب أن تستند إلى قيم أخلاقية وإنسانية، دون أن تتحول إلى خطاب مثالي منزوع الأدوات. فالصراع الوجودي اليوم ليس ماديا أو أمنيا فقط، بل هو صراع أخلاقي وحضاري.
ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع تحرري يعتمد على القدرة على تحويل الأخلاق إلى قوة عملية، وعلى بلورة المشروع الوطني الفلسطيني ضمن رؤية شمولية واعية لطبيعة الصراع المحتدم بين نظام الحداثة الغربي الصهيوني المادي العنصري المهيمن، وبين العالم غير الغربي والحضارة الإنسانية بتنوعاتها في شمال وجنوب الكرة الأرضية.
5. أهمية الشبكات الداخلية والخارجية
داخليا، يبرز التمركز على المجتمع، والشباب، والمخيمات، والمبادرات الصغيرة القابلة للتراكم.
وخارجيا، تبرز الحاجة إلى تطوير شبكة تحالفات أخلاقية وسياسية مع حركات التحرر وحقوق الإنسان ومناهضة العنصرية والعدالة العالمية، لتحويل كل متضرر من النظام الاستعماري والعقل الأداتي إلى شريك في النضال التحرري.
لكن هذا التوافق، على أهميته، لا يكفي بحد ذاته. فاستنفاد النموذج السياسي الفلسطيني لم يعد توصيفا نظريا، بل حقيقة عملية ذات كلفة يومية تُدفع من دم المجتمع الفلسطيني ومعناه. ومن هنا، أرى تعذر التعامل مع هذا الاستنفاد كأزمة إصلاح، بل كنقطة نهاية تاريخية لنموذج لم يعد صالحا للترميم، مهما تعددت محاولات إنعاشه أو إعادة تدويره.
ثانيًا: عناصر الاختلاف
1. زمن القطع والعبور والحسم
على الرغم من التوافق الواسع على استنفاد السياسة الفلسطينية التقليدية، وعلى ضرورة إعادة تعريف السياسة الفلسطينية في مرحلة الإبادة وحقائقها الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، فإن ذلك لم يمنع تباين الرؤى بين الكتّاب والمتفاعلين معهم حول كيفية وتوقيت القطع مع الطبقة السياسية العاجزة، من منظمة وفصائل وسلطة وقيادة. ولا تعبّر هذه الاتجاهات عن انقسام، بقدر ما تعبّر عن تباين تقديرات المرحلة داخل أفق وطني واحد: • اتجاه يرى أن اللحظة التاريخية تفرض التحرك الفوري لإعادة تعريف السياسة وبناء حامل سياسي قادر على رفع مستوى الفكر والعمل الفلسطيني إلى مستوى بنية المستعمر ذاته، وبلورة مشروع نقيض واع بطبيعة الصراع الوجودي العابر للأجيال والجغرافيا، يسعى إلى تفكيك الاستعمار تدريجيا وتراكميا.
• اتجاه ثان يحذّر من ضغط الوقت والقيود العملية، ويدعو إلى إصلاح مرحلي للنموذج القائم قبل تجاوزه كليا، تفاديا لفراغ تمثيلي قد يكون أخطر من استمرار النموذج المستنفد.
• اتجاه ثالث يقترح موازنة دقيقة بين مساءلة النموذج بالكامل واستثمار عناصره القابلة لإعادة البناء، قبل إعلان القطيعة النهائية.
• اتجاه رابع يركّز على إدارة مخاطر بقاء الاحتلال، وحماية التماسك المجتمعي وضمان الصمود الوطني، قبل الانتقال الكامل إلى حامل سياسي جديد.
2. نهج مواجهة الاحتلال
يركّز الاتجاه الداعي إلى القطيعة مع السياسة السابقة للإبادة على إعادة تعريف السياسة بحزم، مع أولوية بناء حامل سياسي قادر على مواجهة الاحتلال داخليا وخارجيا.
في المقابل، يدعو الاتجاه الحذر إلى استنفاد اختبار قدرات النموذج القائم، والتأني عبر خطوات مدروسة، تلافيا للسقوط في فوضى قد يفوق خطرها خطر استمرار النموذج المستنفد.
وقد ركّزت التفاعلات مع المقالات على إدارة الاستعمار من الداخل، ورفع كلفة بقائه عبر أدوات أخلاقية واستراتيجيات تراكمية.
3. الخطاب الأخلاقي مقابل الواقعي
يتوزع النقاش بين:
• اتجاه يدعو إلى دمج الأخلاق بالسياسة لتشكيل فعل سياسي مؤثر.
• اتجاه يركّز على الواقع العملي ويحذّر من الانغماس في الحلم النظري.
• اتجاه ثالث يدعو إلى الاستفادة من عناصر النموذج القائم لإعادة تأسيس تدريجي، تفاديا لفراغ تمثيلي أو انهيار مؤسساتي.
وتلتقي التفاعلات عند ضرورة تحويل المبادئ الأخلاقية إلى أدوات عملية لإدارة الصراع طويل النفس وتحقيق الصمود.
ومع إدراكي لمخاوف الفراغ التمثيلي والانهيار المؤسسي، فإن الرهان على إطالة عمر النموذج القائم يبدو لي رهانا على الزمن الخطأ. فكل تأجيل للقطيعةمع السياسة المستنفدة، دون مسار عبور واضح ومحدد، لا يؤجل الخطر، بل يراكِمه ويسرع الانفجار الداخلي. فالإصلاح دون أفق قطيعة معلنة، لا ينتج إلا إدارة أكثر كلفة للخسارة.
ثالثًا: خارطة طريق مقترحة (توافقية أولية)
ما يلي ليس تلخيصا محايدا للنقاش، بل اقتراح سياسي مفتوح، ينطلق من قناعة أساسية: أن السياسة الفلسطينية بعد الإبادة لا يمكن أن تُبنى من داخل النموذج الذي فشل في منعها أو مواجهتها. الخارطة المقترحة هنا تفترض القطيعة كأفق، حتى وإن اختارت الانتقال التدريجي كوسيلة.
1. إعادة تعريف السياسة الفلسطينية
• الانتقال من إدارة الخسارة إلى فعل معنى تحرري.
• فصل السياسة عن امتيازات السلطة والتحكم الوظيفي.
• إعادة الشعب إلى المركز، وربط قطاع غزة والضفة الغربية بفلسطينيي 1948 وبالشتات.
2. بناء حامل سياسي جديد
• مركّب، شبكي، غير هرمي، وغير محتكر للتمثيل.
• متصل بالمجتمع، والشباب، والمخيمات، والقاعدة الشعبية، والمبادرات الصغيرة.
• قادرعلى إدارة الصراع طويل النفس واستيعاب الضغوط الداخلية والخارجية.
3. استراتيجية الصبر والانتقال التدريجي
• تحويل الصبر من فضيلة أخلاقية إلى قرار سياسي واع، تراكمي، وقابل للقياس.
• التوازي بين البناء والانفصال التدريجي عن النموذج المستنفد، لتخفيض كلفة الانفصال إلى الحد الأدنى وتجنّب الفراغ التمثيلي.
• وضع ضوابط زمنية لاستنفاذ فرص إعادة البناء من الداخل، قبل إعلان القطيعة النهائية إذا تعذّرت.
4. الشبكات والتحالفات
• تطوير شبكات قيمية وسياسية محلية، عربية، إقليمية ودولية.
• تعزيز التنسيق بين المكونات الفلسطينية داخل الوطن وخارجه.
• الاستفادة سياسيا ومؤسسيا من تنامي الوعي العالمي ضد الاستعمار والعنصرية.
5. إدارة مخاطر الاحتلال
• تفكيك منطق الاستعمار داخليا.
• رفع كلفة بقاء المستعمر سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا وأخلاقيا.
• حماية المجتمع الفلسطيني الواقع تحت الإبادة من الانهيار، عبر الاستجابة الفورية المسؤولة للتحديات المعيشية والإغاثية والصحية والتعليمية والنفسية، ومنع الاستنزاف غير المنظّم، خصوصا في قطاع غزة، ومخيمات وقرى الضفة الغربية، ومناطق 1948، ومخيمات اللجوء.
رابعا: نحو سياسة فلسطينية قائمة على البقاء والمعنى
بعد الإبادة، لم يعد النقاش حول السياسة الفلسطينية ترفا فكريا أو تمرينا نقديا مؤجلا، بل أصبح شرطا من شروط البقاء ذاته. ما انهار ليس فقط نموذج إدارة الصراع، بل وهم إمكانية التعايش مع سياسة فقدت قدرتها على إنتاج المعنى، واكتفت بإدارة الخسارة باسم الواقعية.
في تقديري، أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم ليس غياب السياسة، بل استمرار سياسة بلا أفق تحرري، تُدير البقاء البيولوجي وتؤجل سؤال الحرية. فالنموذج السياسي الذي عجز عن منع الإبادة، أو عن تحويلها، خلال أكثر من عامين، إلى نقطة اشتباك سياسي حاسم مع بنية الاستعمار، لم يعد قادرا على قيادة ما بعدها.
في هذا السياق، أرى أن المراهنة على استمرار النموذج المستنفد ليست مجرد خطأ استراتيجي، بل تهدر دماء ومعنى الفلسطينيين يوميا.
السياسة الفلسطينية المطلوبة اليوم ليست قفزة في الفراغ، ولا إعادة إنتاج لقطيعة غير محسوبة، بل مسار عبور واع، يضع القطيعة كأفق تاريخي، ويختار الانتقال التدريجي كوسيلة لا كبديل.
سياسة تعيد الشعب إلى المركز، وتفصل التحرر عن امتيازات السلطة، وتحوّل الأخلاق من خطاب رمزي إلى قوة تنظيمية واستراتيجية.