ملخّص تنفيذي:
يتناول المقال التحولات الجوهرية الواجبة في السياسة الفلسطينية في زمن الانكشاف الطويل، حيث لم تعد المعادلات التقليدية للحرب والنصر تنطبق. لم يعد السؤال المركزي هو إنهاء الصراع أو تحقيق انتصار سريع، بل كيفية العيش سياسيا داخل زمن لا ينتهي قريبا، دون استسلام أو تحلل.
يبيّن المقال أن السياسة الفلسطينية بعد الإبادة ليست إدارة للبقاء أو للأزمات اليومية، بل فعل مقاوم لمحو المعنى، يهدف إلى إعادة تثبيت الفلسطيني كذات تاريخية فاعلة، وحماية التمثيل السياسي من الانطفاء. ويشير إلى أن الصبر، إذا لم يتحول إلى بنية سياسية واعية، يصبح استنزافا بلا أفق، بينما يمكن تحويله إلى استراتيجية تراكمية وسياسة تشاركية.
يركّز المقال على أن السياسة بعد الإبادة لا تبدأ من الكيان الكامل أو الانفجار التاريخي، بل من بؤر فعل صغيرة قابلة للتراكم تعزز الصمود، من خطاب ومنظمات محلية ومبادرات شبكية، مع الحفاظ على التمثيل والتنسيق بين مختلف الفاعلين داخل الوطن وخارجه. وإعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني المؤهل لادامة الفعل التحرري، هذا ما يسميه المقال الحامل السياسي المركّب.
كما يوضح أن نجاح السياسة لا يقاس بنصر جاهز، بل بقدرتها على منع تفريغ المعنى، وحماية “نحن” الفلسطينية، وتحويل الصبر من عبء أخلاقي إلى قوة سياسية، مع استمرار مساءلة الفعل ضمن الزمن الطويل.
في الختام، المقال يقدّم إطارا جديدا للسياسة الفلسطينية:
• سياسة تراكمية وصبورة، تتجاوز وهم الحسم
• سياسة تمثيلية تعيد بناء الذات الجماعية
• سياسة معنى ترى في التمثيل والدلالة أدوات صراع أساسية
يخلص المقال إلى أن السياسة الفلسطينية الفاعلة اليوم هي فن الحفاظ على الفعل والمعنى داخل زمن بلا نهاية واضحة، وليست وعدا بالنصر أو وحدة فورية، بل شرطا لعدم الزوال واستمرار الصمود الوطني والتأسيس للتحرير.
المقال الكامل
إعادة تعريف السياسة في زمن الانكشاف
السياسة الفلسطينية بعد الإبادة: من إدارة الخسارة إلى إنتاج المعنى والفعل
لم يعد السؤال السياسي الفلسطيني اليوم: كيف نُنهي الحرب؟
ولا حتى: كيف ننتصر؟ بل بات السؤال الأشدّ إلحاحا هو:
كيف نعيش سياسيا داخل زمن لا يعد بنهاية قريبة، ولا يسمح في الوقت ذاته بالاستسلام أو التحلل؟
قراءة لحظة ما بعد لقاء ترامب – نتنياهو الأخير، تكشف أن ما نواجهه ليس طورا انتقاليا، بل زمنا تاريخيا جديدا: زمن الانكشاف الطويل، حيث سقطت أوهام الحسم السريع، وتعرّت حدود القوة، وانفضحت بنية النظام الدولي بوصفه شريكا في إدارة الإبادة لا كابحا لها.
داخل هذا الزمن، تفقد السياسة معناها القديم، وتُجبر الشعوب الواقعة تحت الإبادة على إعادة تعريف ذاتها وأدواتها ووظيفتها.
يشير مالك عبد النبي إلى أن الفعل السياسي العربي لا يولد إلا داخل الزمن المستمر للصراع (عبد النبي، الزمن السياسي في العالم العربي 1991، ص. 45). ويؤكد هشام شرابي أن الزمن السياسي هو الذي يُبنى على مقاومة الهيمنة، وليس على انتظار الحلول الجاهزة (شرابي، السلطة والنخب في العالم العربي، 1980، ص. 33). ويعني ذلك أن السياسة الفلسطينية بعد الإبادة يجب أن تُفهم في سياق استمرارية العمل اليومي والتراكم السياسي، وليس من منظور نتائج فورية. وعليه فإن السياسة ما بعد الإبادة تعني القطيعة مع الماضي السياسي، فما بعد الإبادة ليس امتدادا لما قبلها، بل يستوجب إعادة طرح سؤال السياسة من جذوره.
أولا: السياسة بعد الإبادة ليست إدارة حياة، بل مقاومة لمحو المعنى
الإبادة لا تستهدف الجسد وحده، بل تستهدف المعنى السياسي للوجود:
• كسر القدرة على التمثّل الذاتي
• تفكيك السردية الجامعة
• تحويل المجتمع إلى كتلة من الألم غير القابل للتسييس
الشعب الفلسطيني، كما يؤكد إدوارد سعيد، لا يمكن أن يُفهم إلا من خلال استمرارية إنتاجه لثقافته وسياساته، حتى في الظروف القهرية (سعيد، ثقافة المقاومة، 1994، ص. 67).
وعليه، السياسة الفلسطينية بعد الإبادة لا يمكن أن تُعرَّف بوصفها إدارة يومية للبقاء، أو تفاوضا على فتات الحياة، أو تحسين شروط الخسارة، بل بوصفها فعلا مضادا لمحو المعنى: إعادة تثبيت الفلسطيني كذات تاريخية فاعلة، لا كموضوع للإغاثة، أو ملف أمني، أو عبء أخلاقي على العالم.
بهذا المعنى فإن السياسة هي معركة على الدلالة، ليست مجرد إدارة مؤسساتية. فالسياسة كما تشير حنا أرندت تموت عندما يُمحى المجال العام الذي يسمح للناس بأن يظهروا لبعضهم البعض. (أرندت، ظاهرة السلطة، 1951، ص. 35).
كما أن غياب الفعل التمثيلي يؤدي إلى موت السياسة، حتى لو استمر البقاء الجسدي. وهنا يطرح السؤال: من يعرّف الفلسطيني؟ كيف يُسمّى ما يجري؟ ومن يمتلك حق الكلام باسم التجربة؟
ثانيا: من الصبر كقيمة أخلاقية إلى الصبر كبنية سياسية زمنية
أثبتت التجربة الفلسطينية أن الصبر هو العامل الوحيد الذي عطّل وهم الحسم الصهيوني. لكن الصبر، إذا بقي فضيلة أخلاقية فقط، يتحول إلى استنزاف بلا أفق. يشير مالك عبد النبي إلى أن الاستمرارية في العمل الوطني هي ما يحمي المجتمع من الانكسار أمام الزمن الطويل للصراع (عبد النبي، الزمن السياسي في العالم العربي، 1991، ص. 50).
السياسة القادرة على العيش في زمن الانكشاف تحول الصبر إلى بنية سياسية واعية عبر:
• تحويل الزمن إلى ساحة مواجهة: المعركة الحقيقية ليست في الضربة القاضية، بل في الاستمرارية والقدرة على تعطيل قوة الهيمنة وإبطاءها، كما يقول هشام شرابي (السلطة والنخب في العالم العربي، 1980، ص. 36).
• الانتقال من كثافة الفعل إلى إيقاع الفعل: المقاومة اليومية هي التي تصنع البقاء السياسي وليس الفعل البطولي اللحظي (جيمس سكوت، الضعفاء والأساليب اليومية للمقاومة، 1985، ص. 15). يؤكد ذلك على أهمية تراكم الفعل المقاوم واستمراريته في مواجهة الاستنزاف.
• أرشفة الألم كذاكرة سياسية، لا مادة استهلاك: توثيق المعاناة الفلسطينية يحافظ على الذاكرة الجماعية ويعزز الإدراك الجمعي بوحدة المصير.
• توزيع كلفة الصبر: بحيث لا تُحمّل لغزة وحدها، أو للمخيمات، أو للأسرى والجرحى وأسر الشهداء، أو لفئة دون أخرى، بل تتحول إلى شبكة زمنية يتقاسمها الكل الفلسطيني. فالصبر السياسي يجب أن يكون تشاركيا بين مكونات المجتمع الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، وليس عبئا على أي مكون أو أي فئة، بهذا المعنى، يصبح الصبر استراتيجية سياسية، لا فضيلة تُستنزف. ما يحوّله إلى سياسية مقاومة مستمرة.
ثالثا: ملاحظة نقدية حول المرجعيات النظرية
يستند هذا المقال إلى مرجعيات فكرية مركزية في فهم السياسة والتمثيل والزمن، من إدوارد سعيد إلى حنّا أرندت، ومن هشام شرابي إلى جيمس سكوت ومانويل كاستيلز. غير أن استدعاء هذه الأطر لا يعني تبنيها بوصفها صالحة بذاتها لقراءة لحظة الإبادة الفلسطينية.
فإدوارد سعيد، رغم مركزية مفهومه للثقافة والمقاومة، كتب ضمن أفق ما قبل الإبادة بوصفها سياسة مُعلنة ومنهجية، حيث ظل الفضاء الدولي مفتوحا نسبيا لإنتاج المعنى والتمثيل، وهو أفق بات اليوم أكثر انغلاقا.
أما حنّا أرندت، فقد ربطت السياسة بوجود المجال العام، لكنها لم تواجه حالة يُحوَّل فيها تدمير المجال العام ذاته إلى أداة إبادة مستمرة، ما يستدعي التفكير في السياسة بوصفها فعلا مقاوما حتى في غياب هذا المجال.
كما أن تحليلات شرابي وسكوت، رغم أهميتها في فهم الزمن الطويل والمقاومة اليومية، تفترض بقاء بنية اجتماعية قادرة على التراكم، بينما تُنتج الإبادة الفلسطينية تفكيكا متواصلا لهذه البنية نفسها.
من هنا، لا يوظّف هذا المقال هذه المرجعيات كأطر مكتملة، بل كنقاط انطلاق يجري تجاوزها نقديا، عبر إعادة تعريف السياسة في سياق إبادي عالمي، حيث يصبح الحفاظ على المعنى والتمثيل والفعل شرطا وجوديا للسياسة ذاتها، لا مجرد خيار نظري.
رابعا: السياسة كفعل تمثيل، لا كإدارة سلطة
حين يُختزل الشعب في معاناته، وتُختزل القيادة في إدارتها للأزمة، تغيب السياسة بوصفها فعل تمثيل للكلّ الوطني.
السياسة بعد الإبادة لا تبدأ بالكيان الكامل، ولا بمؤتمر وطني شامل، ولا بإجماع مؤجل، بل تبدأ بالممارسة التي تولد التراكم وتعيد بناء الوعي الوطني (عبد النبي، الزمن السياسي في العالم العربي، 1991، ص. 55).
المبادرات الصغيرة هي البذور الحقيقية لتغيير البنية السياسية في المجتمع العربي (شرابي، السلطة والنخب في العالم العربي، 1980، ص. 40). فالسياسة هنا لا تُولد مكتملة، بل تتشكل كأثر متراكم، والشرعية لا تُمنح مسبقا، بل تُكتسب بالفعل المستمر القادر على حماية المعنى.
السياسة الفلسطينية بعد الإبادة يجب أن تعاد صياغتها لتكون تمثيلا جامعا للوجود الفلسطيني بكافة أماكنه، إنتاج خطاب يُعيد تعريف القضية خارج قوالب “النزاع” و” الأمن”، ومساحة للفلسطيني للكلام باسم نفسه، لا عبر وسطاء. من دون هذا، يتحول الصمود إلى عزلة، والمقاومة إلى فعل بلا حامل سياسي.
خامسا: لا مركز واحد ولا شتات مفكك – نحو حامل سياسي مركّب
الزمن الجديد لا يسمح بإعادة إنتاج نموذج السلطة المركزية المُقيّدة، ولا العمل الفصائلي المغلق، ولا الشتات كحالة ثقافية بلا فعل سياسي.
السياسة القادرة على الفعل هي سياسة الحامل المركّب: يتكوّن من ثلاث مستويات:
• مستوى المعنى (السردي – الخطابي): إنتاج الخطاب الجامع، تحديد اللغة، تسمية المعركة والعدو والزمن (بشارة، السياسة الفلسطينية بين الواقع والمأمول، 2005، ص. 66).
• مستوى الفعل (اللامركزي – الشبكي): مبادرات مستقلة، مجموعات محلية، أطر عابرة للجغرافيا (مانويل كاستيلز، شبكات الاحتجاج الاجتماعي، 2012، ص. 102).
• مستوى التنسيق، لا القيادة: آليات ربط لا أوامر، توافق على سردية مشتركة وخطوط حمراء دون برامج مغلقة.
حامل لا يدّعي احتكار التمثيل، لكنه يوفّر إطارا جامعا للفعل، ويمنع تفتت الصبر إلى طاقات فردية معزولة.
سادسا: كسر معادلة الزمن الصهيوني لا يعني إنتاج نصر جاهز
غزة كسرت وهم أن الزمن يعمل لصالح الاحتلال، لكنها لم تُنتج تلقائيا سياسة بديلة. هنا يكمن التحدي الحقيقي:
• تحويل كسر المعادلة إلى إعادة تعريف للصراع
• نقل الفلسطيني من موقع “الذي لم يُهزم” إلى موقع “الذي يعيد كتابة شروط الصراع”
يؤكد مالك عبد النبي أن النجاح ليس ضربات سريعة، بل إعادة كتابة شروط الصراع على الأرض (عبد النبي، الزمن السياسي في العالم العربي، 1991، ص. 61).
السياسة هنا ليست وعدا بالخلاص، بل إدارة واعية لصراع طويل دون تفريط بالمعنى، ودون إعادة تعريف للحقوق تحت ضغط موازين القوى، ودون تآكل التمثيل، ودون تسليم بالأمر الواقع.
سابعا: المساءلة داخل الزمن الطويل
الزمن الطويل لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتعليق الأسئلة أو تبرير العجز.
السياسات والسلوك يجب أن يخضعا للمراجعة الدائمة والتقييم وفقا لمعايير المساءلة:
• هل حافظ الفعل على المعنى أم شوّهَه؟
• هل وسّع “نحن” الفلسطينية أم ضيّقه؟
• هل راكم أثرًا أم استهلك طاقة؟
• هل أنتج تمثيلًا أم استبدله بالنيابة؟
ثامنا: ملامح السياسة الفلسطينية القادرة على العيش والفعل في زمن الصراع المفتوح
السياسة الحقيقية هي استمرار العمل في أطر ممكنة، وليس انتظار اللحظة التاريخية المثالية (شرابي، السلطة والنخب في العالم العربي، 1980، ص. 50).
وعليه، فإن السياسة الفلسطينية في زمن الصراع المفتوح يجب أن تتسم بست سمات تأسيسية:
1. سياسة بلا وهم الحسم
2. سياسة زمنية تراكمية
3. سياسة تمثيلية: تعيد بناء “نحن” الفلسطينية
4. سياسة أخلاقية – سيادية: لا تفصل بين الحق والقوة بكافة أشكالها
5. سياسة لامركزية منظمة: تمنع الاحتواء دون الوقوع في الفوضى
6. سياسة معنى: ترى في المعنى ساحة صراع لا تقل عن الأرض
تاسعا: السياسة كشرط عدم الانطفاء
هذه السياسة لا تعد بنصر قريب، ولا بوحدة مكتملة، ولا بشرعية جاهزة، لكنها تلتزم بحماية المعنى من المحو، وإبقاء التمثيل مفتوحا، ومنع اختزال الفلسطيني إلى موضوع إدارة داخل نظام إبادي عالمي.
الواجب السياسي للفلسطيني هو الحفاظ على الفعل والمعنى حتى في أصعب الظروف، لا انتظار الخلاص (Said، ثقافة المقاومة، 1994، ص. 75).
في هذا السياق، لا تكون السياسة الفلسطينية القادرة على العيش والفعل هي تلك التي تعد بالخلاص، بل تلك التي تحمي جوهر الصراع التحرري، وتمنع انطفاء الفعل داخل زمن بلا نهاية قريبة.
عاشرا: كيف نبدأ؟ ومن يفعل؟ – منطق البداية غير الكامل
• البدء من حيث يوجد معنى مهدد: السردية والخطاب، التسمية، اللغة السياسية. إنتاج الخطاب الوطني هو فعل سياسي متواصل، حتى في ظل القهر والاحتلال (Said، ثقافة المقاومة، 1994، ص. 69).
• البدء من الفعل الممكن لا المثال الكامل.
• البدء من الاستمرارية لا الانفجار. الزمن الطويل للصراع يتطلب استمرار العمل الوطني اليومي أكثر من انتظار الانفجار التاريخي (عبد النبي، الزمن السياسي في العالم العربي، 1991، ص. 58)
من يفعل؟
• فاعلو المعنى: مثقفون عضويون، منتجو خطاب، شهود يمتلكون لغة سياسية
• فاعلو الفعل: مبادرات محلية، مقاومة مدنية/رمزية/، تنظيمات، أحزاب، قوى مجتمعية، شبكات لا مركزية، نقابات، مؤسسات وجمعيات أهلية، مجالس محلية إلخ.
• فاعلو الربط: وسطاء زمن/تنسيق/لغة، ليسوا قيادة مركزية.
حادي عشر: السياسة كفنّ البقاء الفاعل داخل زمن بلا نهاية قريبة
يبيّن هذا المقال أن ما يواجهه الفلسطيني اليوم ليس فقط حربا مفتوحة أو إبادة مستمرة، بل صراعا مستمرا يفرض تحولا جذريا في شروط السياسة نفسها. ففي زمن الصراع الوجودي والانكشاف الطويل، لم تعد السياسة قادرة على العمل بالمعاني القديمة: لا كإدارة أزمة، ولا كرهان على حسم قريب، ولا كتمثيل مغلق أو مركز مكتمل، بل باتت السياسة فعلًا هشا، طويل النفس، يتشكّل داخل الاستنزاف، ويقاوم ليس فقط العدو، بل محاولات تفريغ المعنى، وكسر التمثيل، وتحويل الألم إلى مادة صامتة.
تكشف القراءة التحليلية أن الخطر الأكبر في هذا الزمن ليس الهزيمة العسكرية فحسب، بل تحوّل الصبر إلى استنزاف بلا بنية، والمقاومة إلى فعل بلا حامل، والتمثيل إلى إدارة معاناة. من هنا، تصبح إعادة تعريف السياسة الفلسطينية ضرورة وجودية، لا خيارا نظريا. سياسة ترى الزمن ساحة صراع، والمعنى أداة مواجهة، والتمثيل شرطا للاستمرار، لا نتيجة مؤجلة.
في هذا السياق، لا تُقاس فاعلية السياسة بقدرتها على إنتاج نصر جاهز، بل بقدرتها على منع الانطفاء: منع محو المعنى، منع تفكك “نحن” الفلسطينية، ومنع اختزال الفلسطيني إلى موضوع إدارة داخل نظام إبادي عالمي. السياسة هنا ليست وعدا بالخلاص، بل فنّ الحفاظ على الفعل المقاوم والصمود داخل زمن بلا نهاية واضحة، وإبقاء الصراع مفتوحا دون تفريغه من جوهره التحرري.
وعليه، فإن السياسة الفلسطينية القادرة على العيش والفعل في زمن الانكشاف ليست تلك التي تعد بالنهاية، بل تلك التي تعرف كيف تعمل داخل زمن الصراع المفتوح:
• تحمي المعنى،
• تحفظ التمثيل،
• تحمي التماسك الوطني والمجتمعي،
• توزع أعباء الصبر وتعزز الصمود،
• تحوّل الصبر من عبء أخلاقي إلى قوة سياسية منظمة
بهذا المعنى، تصبح السياسة ليست فقط أداة مواجهة، بل شرط البقاء وعدم الزوال.