لم يكن هذا العام عابرا في تقاويم البشر، بل عاما تكثّف فيه الشر حتى صار نظاما، وتحوّل فيه القتل إلى إجراء، والحصار والتجويع إلى سياسة، والإبادة إلى لغة باردة تُدار بالعقل الأداتي كما تُدار المصانع والأسواق.
في 2025 لم تُدمَّر غزة ومخيمات الضفة وحدها،
بل انكسر وهم الإنسانية المتحضّرة، وتعرّى الضمير العالمي من أقنعته، وسقط الادعاء بأن التقدّم يحمي الإنسان.
رأينا كيف يمكن للعقل، حين يُفصَل عن الأخلاق، أن يُنتج موتا بلا كراهية، وإبادة بلا انفعال، وخرابا يُسوَّق بوصفه «ضرورة».
ومع ذلك، لم يكن هذا العام عاما للموت فقط. كان عاما قاومت فيه الحياة تعريفها الجديد، وعاند فيه الإنسان تحويله إلى رقم، ورفضت فيه الذاكرة أن تُختزل في إحصاء، وأصرّ الفلسطيني، مرة أخرى، على أن يكون شاهدا لا ضحية صامتة.
من تحت الركام خرج المعنى. ومن بين النزوح والجوع والخوف خرج سؤال الوجود من جديد: ما قيمة عالم ينجو فيه النظام، وتُباد فيه الأرواح؟
ونحن نودّع هذا العام، لا نطلب النسيان، ولا الغفران السريع، ولا صفحة بيضاء كاذبة.
نطلب فقط ألّا ينتصر هذا المنطق، وألّا يصبح الشر مألوفا، وألّا يُهزم الإنسان في داخله قبل أن يُهزم في واقعه.
أمّا العام الجديد، فلا نستقبله بالتهاني، بل بالمسؤولية. مسؤولية أن نعيد للإنسان معنى وجوده لا وظيفته، قيمته لا نفعه، روحه لا جدواه.
نستقبله بأمل عنيد لا يراهن على الزمن، بل على انكسار العقل الأداتي حين يعجز عن تفسير الحياة، وحين تفشل الإبادة في قتل المعنى.
وداعًا 2025، عام الدم والدمار والانكشاف.
ليكن العام القادم بداية هزيمة الشر، لا بانقلابٍ مفاجئ، بل بتآكل شرعيته، وبانكشاف عُريه الأخلاقي، وبعودة الإنسان مركزا للوجود لا هامشا فيه.
وليكن العام القادم أقل وحشية، أكثر عدلا، وأقرب إلى الإنسان كما كان يجب أن يكون دائما.