ملخص تنفيذي
تواجه القضية الفلسطينية اليوم تحديات وجودية متنامية تتطلب إعادة تأسيس للحامل السياسي الوطني. تبني هذه المبادرة على محصلة الاشتباك الفكري بين مجموعة من الكتاب الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه، وتدعو إلى انخراط جماعي في مراجعة نقدية تشاركية لمسار حركة فتح بعد ستة عقود من انطلاقتها، مع التركيز على العلاقة بين الفعل التحرري والتنظيم والحامل السياسي الفلسطيني عبر مراحلها التاريخية.
الرؤية:
لا تهدف المراجعة إلى محاكمة أو تصفية حسابات، بل تسعى إلى تأسيس رؤية استراتيجية فلسطينية مشتركة تعيد وصل الفاعل التنظيمي والقيادة بالمجتمع، وتدمج الفعل التحرري مع التنظيم والحامل السياسي في إطار جامع وفاعل.
الأهداف:
• تفكيك مسار الحركة لفهم نقاط التماسك والانفصال بين المقاومة والتنظيم والحامل السياسي.
• تحديد الأخطاء والتحولات التي أدت إلى فراغ سياسي داخلي وفصل النضال المسلح عن استراتيجية تحرر وطنية شاملة.
• بلورة إطار معرفي يسمح بإعادة تأسيس حامل سياسي فلسطيني جامع قادر على قيادة المشروع الوطني التحرري.
النتائج المتوقعة:
• تقييم نقدي تشاركي شامل لدور فتح في النهوض والنكوص الوطني.
• تحديد الشروط اللازمة لاستعادة الحامل السياسي الفلسطيني الجامع.
• إنشاء منصة فكرية فلسطينية جامعة للأوراق والمناقشات لبلورة رؤى عملية لبناء مستقبل وطني.
الدعوة كاملة
في إطار النقاش الفكري الجاد المفتوح والمتنامي الذي انخرط فيه الكتاب الفلسطينيون داخل الوطن وخارجه، تبرز الحاجة الماسة للانتقال إلى مراجعة نقدية تشاركية للتأسيس للنهوض الوطني المستحق الذي تاخر كثيرا. ولمواجه التحديات الوجودية المتنامية التي يواجهها شعبنا الفلسطيني، الذي ما يزال يتعرض للإبادة الجماعية والتطهير العرقي للعام الثالث على التوالي في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية وعموم فلسطين الانتدابية، وتطال الشعوب العربية في الجوار العربي، وتهدد وجود الأمة العربية من محيطها إلى خليجها.
ولأن نهوض الأمة، كما سقوطها، يبدأ من فلسطين التي تتموضع في مركز وصلها جغرافيا وديموغرافيا وحضاريا، مايجعل مآلات الصراع على أرضها حجر الاساس في نهوض عموم الأمة وفي نكوصها على السواء.
تأتي هذه المبادرة – التي تبني على الاشتباكات الفكرية والحوارات بين المنشغلين بالهم الوطني والقومي – بدعوة عامة للمفكرين والباحثين والمثقفين والسياسيين الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه، من مختلف التيارات والانتماءات الفكرية والسياسية، وللكوادر الفتحاوية خصوصا، لمراجعة نقدية شاملة لمسار حركة فتح بعد مرور ستة عقود على انطلاقتها، لدورها المركزي في الصعود كما التراجع، وللتأسيس الصحيح لاستنهاض الحالة الوطنية الفلسطينية. وتقترح مسودة إطار منهجي للمراجعة
المبدأ المنهجي الحاكم للمراجعة
هذه المراجعة لا تستهدف محاكمة أخلاقية، ولا تصفية حسابات سياسية، بل تسعى إلى تفكيك العلاقة بين الفعل التحرري، والتنظيم، والحامل السياسي الرئيسي عبر الزمن، مع تتبّع: متى تماسكوا؟ ومتى انفصلوا؟ ومتى انقلب أحدهم على الآخر؟
السؤال المركزي الواحد الذي يُرافق كل المراحل: هل كانت فتح في هذه المرحلة حاملا سياسيا جامعا؟ أم فاعلا تنظيميا يدير الشرعية؟ أم سلطة بلا عقد؟
وعليه، لا تُقرأ كل مرحلة تاريخية بوصفها حدثا منتهيا، بل بوصفها اختبارا لعلاقة ثلاثية: بين الفعل التحرري، والتنظيم، والحامل السياسي. والسؤال الملازم لكل مرحلة هو: متى تماسك هذا الثلاثي؟ ومتى اختلّ؟ ولمصلحة من؟
تطبيق الإطار على المراحل التاريخية (خارطة قراءة)
أولا: الإرهاصات السابقة للإنشاء (1957- 1965)
السؤال المركزي: هل نشأت فتح كحاجة سياسية وطنية أم كردّ تنظيمي على فراغ النظام الفلسطيني والعربي؟
محاور الفحص:
• الفعل المقاوم: فكرة قبل أن يكون ممارسة.
• التنظيم: في طور التشكّل، بلا احتكار.
• الحامل السياسي: غائب لكنه متخيَّل (فلسطين قبل التمثيل).
التشخيص المحتمل: وعي تحرري بلا حامل، لكنه مفتوح على المجتمع وليس منغلق عليه.
ثانيا: من الانطلاقة إلى التمثيل (1965- 1974)
السؤال المركزي: متى تحوّلت فتح من فاعل مقاوم إلى ممثل سياسي؟
محاور الفحص:
• المقاومة: فعل مؤسِّس للشرعية.
• التنظيم: صاعد لكنه غير مغلق.
• الحامل السياسي: يتشكّل عبر منظمة التحرير.
نقطة القوة: توازن نادر بين الفعل المقاوم والتمثيل الوطني.
لم يكن هذا التوازن نتاج صيغة مؤسسية مكتملة، بل ثمرة لحظة تاريخية التقت فيها شرعية الفعل المسلح مع فراغ التمثيل العربي والدولي، ما جعل منظمة التحرير إطارا مفتوحا أكثر منه سلطة مغلقة، وجعل فتح جزءا من حامل وطني ناشئ لا مالكا له.
نقطة الخطر المبكر: تماهي التنظيم مع التمثيل دون عقد مكتوب.
لم يكن هذا التماهي تعبيرا عن نية احتكارية مبكرة، بقدر ما كان نتاجا لتراكم الدور التمثيلي لفتح في ظل غياب بناء مؤسسي مواز داخل منظمة التحرير يضبط العلاقة بين التنظيم والحامل السياسي الناشئ
رابعا: من التمثيل إلى البرنامج المرحلي (1974- 1988)
السؤال المركزي: هل كان البرنامج المرحلي توسعة لأفق التحرر أم بداية إدارته؟
محاور الفحص:
• المقاومة: مستمرة لكن تتراجع مركزيا.
• التنظيم: يرسّخ موقعه داخل المنظمة.
• الحامل السياسي: موجود شكليا، ضعيف مؤسسيا.
التحول البنيوي: الانتقال من “تحرير فلسطين” إلى “إدارة الممكن” دون إعادة تأسيس العقد الوطني.
هذا التحول لم يحسم نظريا ولا مؤسسيا، لكنه راكم شروط الانتقال من إدارة الممكن التحرري إلى البحث عن اعتراف سياسي خارجي، وهو ما سيظهر لاحقا في إعلان الاستقلال كفعل سياسي متقدم سابق لأوانه التاريخية.
ضعف البنية المؤسسية للحامل السياسي جعل التحول يتم بلا مراجعة داخلية ملزمة، ما سمح للتنظيم بأن يقود التحول السياسي بوصفه أمرا واقعا، وليس بوصفه خيارا خاضعا لإرادة جماعية مُلزِمة.
خامسا: إعلان الاستقلال وأوسلو (1988- 1993)
السؤال المركزي: هل مثّل إعلان الاستقلال ذروة سياسية أم قطيعة مع المجتمع الفلسطيني؟
محاور الفحص:
• الشرعية: تُنقل من الشعب إلى الاعتراف الدولي.
• التنظيم: يتحول إلى قناة تفاوض حصرية.
• الحامل السياسي: يُستبدل بالشرعية الدولية.
بهذا المعنى، لم يكن الصراع بين الداخل والخارج صراع أدوار، بل صراعا على تعريف من هو الحامل السياسي الشرعي في لحظة كانت فيها الانتفاضة تخلق شروط حامل جديد لم يُسمح له بالنضوج. القيادة في الخارج لم تكن تعمل في فراغ، بل في سياق عربي ودولي ضاغط.
التشخيص الحاسم: هنا يبدأ تفكك الحامل السياسي لصالح تمثيل بلا مساءلة. وبذلك أُغلقت نافذة تشكّل حامل سياسي نابع من الداخل، لصالح تمثيل تفاوضي مفصول عن شروط الاشتباك الشعبي.
سادسا: السلطة الوطنية (1994- نوفمبر 2004)
السؤال المركزي: هل أصبحت فتح سلطة تدير شعبا أم حركة تقوده؟
محاور الفحص:
• المقاومة: تُفصل عن القرار.
• التنظيم: يتماهى مع السلطة.
• الحامل السياسي: يُفرّغ لصالح جهاز إداري – أمني.
في هذه المرحلة، لم تُقابل التحديات وانكشاف انسداد الأفق السياسي بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2000، بانعكاس نقدي يؤسس لإعادة بناء الحامل السياسي الجامع، بل استمر الوضع ضمن إدارة جزئية، لا تعيد وصل القيادة بالمجتمع، وتترك المسار الوطني مفتوحا على الفراغ والاختزال التنظيمي. غياب المراجعة لم يكن عجزا معرفيا، بل خيارا سياسيا لتجنب اهتزاز الشرعية.
النتيجة: السياسة تتحول إلى إدارة، والشرعية إلى وظيفة. ولم تدمج العمليات العسكرية التي اندلعت في أعقاب فشل مفاوضات كامب ديفيد / انتفاضة الأقصى/ في استراتيجية تحرر وطني، بل استُخدمت كأداة ضغط تفاوضي في ظل اختلال بنيوي في موازين القوى، ما أفقدها وظيفتها التحررية وربطها بمسار سياسي مأزوم.
سابعا: ما بعد عرفات والانقسام (2005-2007)
السؤال المركزي: هل عجزت فتح عن تجديد نفسها أم مُنعت من ذلك؟
محاور الفحص:
• التنظيم: بلا مركز سياسي جامع.
• السلطة: بلا مشروع تحرري.
• المجتمع: خارج القرار.
لم يأتِ الانقسام من فراغ، بل مثّل تتويجا لمسار بدأ مع تحويل السلطة إلى بديل عن الحامل السياسي، وتحوّل التنظيم إلى جهاز إدارة بلا أفق تحرري.
الانكسار البنيوي: سقوط فكرة “الحركة القائدة” دون ولادة حامل بديل.
ثامنا: من الانقسام إلى ما قبل 7 أكتوبر (2007- 2023)
السؤال المركزي: كيف استمرّت فتح بلا حامل سياسي وبلا أفق تحرري؟
محاور الفحص:
• السياسة: إدارة بقاء.
• الشرعية: شكلية.
• التنظيم: جهاز أكثر منه حركة.
استمرار الحالة لم يكن بسبب الجمود فقط، بل بسبب إدارة دولية وإقليمية نشطة لهذا الجمود، بوصفه شرطا للاستقرار الأمني لا للتحرر السياسي.
تاسعا: من السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023 حتى الآن
السؤال المركزي الأخطر: هل كشفت اللحظة الحالية نهاية صلاحية فتح والفصائل الفلسطينية كحامل سياسي؟ أم فرصة لإعادة تأسيسها؟
محاور الفحص:
• الغياب عن لحظة تاريخية كبرى.
• انكشاف الفراغ التمثيلي.
• تحوّل المجتمع إلى فاعل بلا إطار.
إن الغياب هنا ليس غياب موقف، بل غياب حامل سياسي قادر على التقاط لحظة تاريخية كبرى، وهو ما يجعل اللحظة الراهنة اختبارا نهائيا لصلاحية البنى السياسية القائمة. هنا لم تعد الأزمة أزمة تمثيل فقط، بل أزمة قابلية البنى القائمة لإعادة إنتاج السياسة ذاتها.
السؤال المفتوح:
هل فقدت فتح موقعها المحوري لأنها تخلّت عن المقاومة فقط، أم لأنها أعادت تعريف الحق الفلسطيني تحت ضغط موازين القوى، ولم تُحوّل شرعيتها الثورية إلى عقد سياسي دائم يضبط مسارها ويعزز الحامل السياسي الفلسطيني القادر على حمل المشروع الوطني التحرري؟
وهل تستطيع فتح – أو غيرها من البنى السياسية القائمة – العودة للعمل كجزء من حامل سياسي وطني تعددي جامع، وليس كبدائل عنه؟
توصية أخيرة: إنشاء منصة فكرية فلسطينية جامعة، تنشر فيها المساهمات والمناقشات بغية بلورة خلاصة يبنى عليها للتأسيس للنهوض.