رحل عنا اليوم عصام مخول، ابن حيفا البار، رئيس معهد إميل توما للدراسات الفكرية، الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي، رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وممثلها في الكنيست خلال الفترة 1999–2006 عن قائمة حداش، وأحد أعمدة الفكر والثقافة والنضال الفلسطيني.
لم يكن عصام مجرد اسم في صفحات التاريخ، بل كان نبضا مستمرا في ذاكرة النضال الفلسطيني. لم يكن مجرد ناشط أو سياسي، بل كان مفكرا يجمع بين العقل المتنور والقلب المشتعل بالوفاء لوطنه، ونموذجا للالتزام والمثابرة. جمع بين الشجاعة الفكرية والنزاهة الأخلاقية، بين الإصرار على الحق والقدرة على الإصغاء للآخر. في كل محفل نضالي، كان حضوره يترك أثرا، وفي كل نقاش، كانت كلماته تحمل وضوح الرؤية وصدق الانتماء.
منذ شبابه، خاض عصام مخول تجربة النضال بمسؤولية ووعي، مؤمنا بأن الحرية لا تُنال إلا بالوعي والمعرفة والجهد المستمر. لم يكتف بالمشاركة في الحركات الوطنية، بل أسهم في بناء الفكر السياسي الفلسطيني، مستندا إلى تحليل دقيق للتاريخ والسياسة، ومدركا لحاجة شعبه إلى رؤية واضحة تجمع بين الممارسة والنظرية.
في نضاله السياسي، لعب دورا في الحركة الطلابية العربية داخل “إسرائيل” منذ أيام دراسته، ما شكل بداياته في العمل السياسي. وخلال عضويته في الكنيست (1999 – 2006) واجه السياسات النووية الإسرائيلية بطرح موضوع الترسانة النووية للنقاش العام، وهو ما لم يجر من قبل.
عرف عنه الدفاع عن قضايا السلام، العدالة الاجتماعية، والمساواة في الخطاب السياسي المعاصر، وكان أحد الأصوات البارزة داخل مناحي الفكر الثقافي والسياسي الفلسطيني.
عرف عصام مخول كيف يوازن بين المبدأ والمرونة، بين الصرامة الأخلاقية والقدرة على الحوار. لم يكن مهاجما للظلم فحسب، بل كان مبادرا بطرح الحلول العملية، مؤمنا بأن العمل الوطني مسؤولية جماعية تتطلب تعاونا وتخطيطا واستمرارية. عُرف بالصدق في القول والعمل، والقدرة على تحويل الفكرة إلى مشروع ملموس يخدم الناس والوطن.
ورغم التحديات والخيبات التي واجهها على مدار عقود من النضال، ظل ثابتا في مبادئه، مؤمنا بأن الأرض والحرية والكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع بالوعي والجهد المستمر.
ولم يكن عصام مخول مناضلا سياسيا فحسب، بل كان مفكرا ومناضلا ثقافيا، آمن بأن المقاومة الحقيقية تبدأ بالوعي والمعرفة. أسهم في تطوير الفكر الفلسطيني من خلال الكتابة، التحليل النقدي، ونشر المعرفة. في كتاباته، كان يحث دائما على الجمع بين الحلم الوطني والجدية العملية، مؤكدا:
“الوطن لا يُحفظ بالانفعالات، بل بالعمل المدروس والمعرفة الدقيقة للواقع والتاريخ”.
كتب عشرات المقالات التحليلية في صحيفة الاتحاد حول قضايا سياسية وفكرية متعلقة بالوضع الفلسطيني، الانتخابات، انتخابات الأزمة، تحديات التفريغ السياسي والتجريف الفكري، الأزمة السياسية والحراك الاجتماعي. وتناول قضايا مثل: “تطبيع “إسرائيل” يجب أن يسبق التطبيع معها”. وفي لقائه مع كل العرب في 14/4/2025، بعد عام ونصف من الحرب، قدم تحليلا للحرب في الشرق الأوسط، أهداف “إسرائيل”، ودور القوى الإقليمية والدولية في الصراع الحالي، مع مواقف واضحة حول مستقبل القضية الفلسطينية والنهج السياسي المطلوب لمواجهة التحديات.
وعلى موقع Orient XXI (فرنسي/عربي) كتب عام 2019 معالجة عميقة لواقع الجماهير الفلسطينية داخل “إسرائيل”، الحقوق القومية والمدنية، وتأثير قانون القومية على المشاركة السياسية، من منظور سياسي تحليلي لنضال فلسطينيي الداخل. كما كتب على موقع الحوار المتمدن مقالات مهمة حول الحرب في سوريا، الإرث السياسي، ونقد السياسات العالمية والإقليمية.
لقد كانت كلماته شعلة تهدي الباحثين والنشطاء، وتغذي العقل قبل أن تحرك القلب. وخلّف رصيدا واسعا من المقالات والدراسات والتحليلات الفكرية المنشورة في صحف ومنصات فكرية عربية ودولية، شكّلت مجتمعة مساهمة عميقة في الفكر السياسي الفلسطيني والديمقراطي، وإن لم تُجمع في كتب مستقلة مفهرسة.
شجع الشباب على القراءة والنقاش، وحرص على تطوير خطاب فلسطيني يعتمد على الفكر والتحليل، بعيدا عن الانبهار بالمظاهر أو الانجرار وراء التكتيكات قصيرة المدى. وقد تركت مؤلفاته أثرا مهما في الحقل السياسي والثقافي، حيث شكلت مرجعا للباحثين والنشطاء على حد سواء، ووفرت أدوات تحليلية لفهم التحديات الوطنية والثقافية.
لم أحظ بشرف التعرف عليه شخصيا، واقتصر تواصلي مع العائلة الوطنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع زوجته المناضلة سعاد نصر مخول، الفنانة التشكيلية الفلسطينية، مخططة ومديرة مشاريع تصميم حضري، مؤسِّسة جاليري حيفا المعروف بـ “متحف الذاكرة”، أول غاليري عربي فلسطيني تأسس في المدينة منذ 1948، تعمل على دمج الفن مع التخطيط الحضري والتفكير في الهوية والذاكرة. وتوظف الفن لتوثيق الذاكرة الفلسطينية وتاريخ المدن وخصوصًا حيفا، من خلال لوحات تعبّر عن التهجير، الصمود، والوجع الجماعي.
ومع شقيقه المناضل أمير مخول، الناشط السياسي والحقوقي الفلسطيني، ومدير عام منظمة اتجاه، التي تُعدّ اتحاد الجمعيات الأهلية العربية في “إسرائيل” وأكبر تجمع لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني داخل مناطق 1948، والذي لم تثنه سنوات الاعتقال العشرة (2010–2019) عن مواصلة النضال، بل زادته صلابة.
رحيل عصام مخول في هذه المرحلة المفصلية يترك فراغا كبيرا في الحياة السياسية والثقافية والفكرية الفلسطينية، لكنه أيضا ترك إرثا من الإصرار والمعرفة والنزاهة، يجعل من سيرته مدرسة يُحتذى بها لكل من يؤمن بالحق والعدل. سيرته تُذكّرنا جميعًا بأن الوطن لا يُحفظ إلا بالوعي والمعرفة والنضال المستمر، وأن الإنسان يمكن أن يكون حاملًا للحرية والفكر معا.
وداعا عصام مخول، ستظل ذكراك منارة لكل من يسعى لفلسطين حرة، لكل من يؤمن بأن النضال الحقيقي يبدأ من الوعي والفكر والثقافة قبل أن يكون فعلا على الأرض، ولكل من يدرك أن الوطن يستحق أن يُعاش بالقلب والعقل والروح معا، ولكل من يسعى لبناء عالم إنساني أقل ظلما وأكثر عدلا.
برحيله، لا نفقد رجلا، بل نستدعي معيارا.
أحر التعازي لزوجته سعاد نصر مخول، ولشقيقه أمير مخول، ولأبنائه حنا وجنى، وللعائلة، ولرفاقه في الحزب الشيوعي، ولعموم الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، وللأمة العربية والإنسانية جمعاء.