في حدود “المساءلة السياسية” ومخاطر إعادة نزع السياسة عن التحرر
أُثمّن عاليًا قراءة الصديق خالد عطية، الوفيّ لقلقه المعرفي، والمخلص لفعل السؤال عبر الاشتباك النقدي، والحرص على إثراء الحوار وجعل الاختلاف مساحة للتفكير وجسرا للارتقاء بالوعي. وأقدّر مخاوفه، وحرصه الصادق على عدم الانزلاق إلى نزعة حتمية.
ولأهمية تعقيبه على المقال – الذي يستحق الانتقال من الهامش إلى المتن – لما أثاره من إشكالات كشفت عن التباسات حقيقية، أواصل هذا الاشتباك النقدي ليس دفاعا عن المقال – فجميعنا نخطئ مهما اجتهدنا، والكمال للخالق وحده – ولا تمسكا بوجهة نظر تحتمل الصواب والخطأ، بل رغبة في توسيع النقاش حول قضايا مركزية تمسّ المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، في لحظة مفصلية يتنامى فيها الخطر الوجودي، وتتسع في الوقت نفسه فرص النهوض فلسطينيا وعربيا وعالميا، والتأسيس لمستقبل إنساني أقل ظلما وأكثر عدلا.
أولا: في مسألة “الحتمية” وسوء فهم المستوى البنيوي
يشير خالد في تعقيبه إلى أن المقال “ينزلق أحيانًا إلى نزعة حتمية” حين يؤكد أن الاستعمار الاستيطاني لا يُواجَه إلا بالمقاومة الشاملة، وخصوصًا المسلحة.
لكن هذا الوصف يفترض خلطا بين مستويين مختلفين:
• المستوى البنيوي: حيث تُحدَّد طبيعة الصراع، وحدود الممكن والمستحيل سياسيا.
• المستوى التكتيكي/الإجرائي: حيث تُناقش التوقيتات، والأشكال، والإدارة، والتحالفات.
التأكيد على أن الاستعمار الاستيطاني الإحلالي لا يُفكَّك بالامتثال أو الحلول الجزئية ليس حتمية سياسية، بل توصيف تاريخي-بنيوي مدعوم بتجارب عالمية ومعرفة نظرية راسخة.
الحتمية الحقيقية هي الاعتقاد بأن هذا النوع من الاستعمار يمكن احتواؤه أو “تعقيله” عبر إدارة الخسارة.
المقال لا يقول إن كل فعل مقاوم صحيح، ولا إن كل توقيت صائب، رغم قناعتي بأن طوفان الأقصى شكّل لحظة فاصلة أعاقت مسار إعادة هندسة المنطقة العربية- الإسلامية عبر حسم الصراع على فلسطين بوصفها وطن الشعب الفلسطيني الأصيل، ومركز وصل الأمة الجغرافي والديموغرافي والحضاري، وترسيخ مشروع الاستبدال الإحلالي لفلسطين بإسرائيل.
غير أن جوهر الحجة هنا لا يتعلّق بتقييم حدث بعينه، بل برفض نزع الشرعية البنيوية عن المقاومة باسم المساءلة، لأن ذلك يعيد إنتاج خطاب الامتثال، حتى حين يُقدَّم بلغة نقدية رصينة، وهو ما يتوافق عليه كلانا.
ثانيا: هل يُعفى الفعل المقاوم من المساءلة؟
هنا بيت القصيد في ملاحظة خالد، لكنها تحتاج قلبًا:
• المقال لا يُعفي المقاومة من المساءلة، بل يفصل بين نوعين من النقد:
1. نقد بنيوي استراتيجي موجَّه للخيارات التي شرعنت الاحتلال وحوّلت السياسة إلى إدارة حياة تحت السيطرة.
2. نقد إجرائي/تنظيمي للفعل المقاوم من حيث الإدارة والتكتيك والقدرة على تحويل الكلفة إلى إنجاز سياسي.
• ما يرفضه المقال ليس مساءلة المقاومة، بل تحميلها مسؤولية العنف الاستعماري ذاته، أو التعامل مع الكارثة بوصفها نتيجة للفعل المقاوم لا لتفعيل بنية إبادة قائمة سلفا.
• الخطر هنا أن يتحول مطلب “المساءلة السياسية” إلى أداة لإعادة إنتاج سؤال من نوع:
• هل كان يمكن تفادي الإبادة لو لم تُمارَس المقاومة؟
• وهو سؤال يبدو عقلانيًا، لكنه – بنيويًا – سؤال استعمار بامتياز.
ثالثا: في المقارنات التاريخية وحدود القياس
• يشير خالد بحق إلى أن المقارنات مع الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا تُستخدم أحيانًا كـ“أدلة قاطعة”، دون تفكيك كاف لاختلاف السياقات.
• لكن المقال لا يستخدم هذه التجارب كنماذج جاهزة، بل كتفكيك لوهم مركزي: وهم التحرر من استعمار استيطاني إحلالي مغلق الهوية ومفتوح زمنياً دون فرض كلفة مادية – سياسية عليه.
• بل إن الإشارة إلى الدعم الإمبريالي غير المحدود للمشروع الصهيوني تعزز الأطروحة ولا تضعفها:
• إذا كان هذا الاستعمار أكثر عنفا، وأكثر تحصينا دوليا، فكيف يصبح الامتثال أو نزع المقاومة خيارا أكثر “واقعية”؟
• رغم يقيني بأن خالد لا يقصد ذلك، لكن الكثير من رواد الواقعية السياسية يتذرعون بأن الشعب الفلسطيني غير قادر على مواجهة حرب مع قوى دولية وإقليمية وعربية لا يضيرها محوه وجوديا، إن كانت حقوقه تعرقل نمو أرباحهم بتشبيك مصالحهم إقليميا ودوليا.
رابعا: تطور مفهوم السياسة
• من إدارة الشؤون العامة (أرسطو)
• إلى السلطة الشرعية للدولة (فيبر)
• إلى حقل صراع اجتماعي وثقافي (ماركس وغرامشي)
•. إلى التمثيل الرمزي والثقافي (ستيوارت هال وجون درزيك)
• وصولًا إلى البعد الأخلاقي للفعل السياسي (أدورنو، فانون)
السياسة هي مزيج من: السلطة، التمثيل السياسي والثقافي والرمزي، الصراع، المساءلة الأخلاقية، وليس مجرد ممارسة تقنية أو بروتوكولية.
خامسا: السياسة كفن الممكن
السياسة هي فن الممكن: القدرة على تحديد الأهداف الواقعية في المراحل الزمنية، ترتيب الأولويات، وإدارة الصراعات والموارد لبلوغ الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف.
السياسة ليست مطلقا، ولا وظيفة أخلاقية منفصلة عن الواقع، بل فن التكيف، والتحرك المحسوب بدقة وفقا لمعيار العلاقة بالهدف النهائي، تبديد الخطر الوجودي وتعظيم الفرص.
في صراع وجودي عابر للأجيال كالصراع العربي – الصهيوني ومركزه الفلسطيني – الإسرائيلي، فإن السياسة كفن الممكن تعني انتهاج استراتيجيات تفضي إلى الاقتراب من الهدف النهائي، وتمنع تقويض فرص بلوغه، ولا تغيره تحت ضغط لحظة القوة، بل تقترب منه بشكل تدريجي وتراكمي.
سادسا: السياسة بين الإمكان والأخلاق
السياسة ليست مجرد ممارسة القوة، بل مسؤولية أخلاقية في حدود الممكن: وفي الحالة الفلسطينية تعني القدرة على التحرك ضمن الواقع دون تجاوز الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في الحياة والحرية والعودة وتقرير المصير، والقيم التحررية للشعب ومكوناته كافة.
الفعل السياسي يجب أن يكون مؤسسا على الوعي النقدي، مع مراعاة أثر كل فعل على الحقوق الثابتة غير القابلة للتغيير، باعتبارها حق للأجيال، وليس من حق أي جيل إعادة تعريفها تحت ضغط موازين القوى، دون إغفال تداعيات الفعل على المجتمع.
سابعا: السياسة كإدارة الاختيار بين البدائل
السياسة هي فن اختيار الأفعال الممكنة بين عدة بدائل، مع تحديد ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله.
غير أن هذه البدائل، في الحالة الفلسطينية، لا تعبّر عن خيارات الشعب الفلسطيني، بل عن البنية القسرية للخيارات التي يفرضها نظام الحداثة الغربي – الصهيوني المادي العنصري المهيمن، والمتوافق مع النظامين الدولي والإقليمي، والذي أوكل إلى إسرائيل مهمة حسم الصراع على فلسطين.
وفي إطار هذه البنية، تُحاصَر الإرادة الفلسطينية بثلاثة بدائل مفروضة:
1. الاختفاء الطوعي بلا ضجيج، عبر الهجرة “الاختيارية”، لإفراغ المكان لصالح المستوطنين.
2. الامتثال لشروط البقاء لمن يرفض المغادرة، باعتبار البقاء منحة لا حقا، تُمنَح من صاحب “الحق الحصري”، في إطار سردية “شعب الله المختار” و“الأرض الموعودة” بوصفها وقفا إلهيا. ويشمل ذلك تخلي من يُسمَح له بالبقاء من الشعب الفلسطيني الأصيل عن حقوقه الوطنية والسياسية والمدنية، وعن حقه في اختيار مكان سكنه، والتملك، والتنقل، والتذكر، وقبول منظومة تعليمية وثقافية يفرضها نقيضه الوجودي، والعمل وفق احتياجات سيد مفوض إلهيا، لا يخضع فعله لنفاذ القوانين الدولية والإنسانية.
3. الإبادة، قصفًا أو تجويعًا، لكل من يرفض الامتثال.
أمام هذه البدائل المفروضة، يُدفَع الفلسطيني إلى اتخاذ قرار وجودي لا سياسي تقني، يحدده ثلاثية الأسئلة التالية:
• ما هو القابل للتطبيق في الواقع دون التفريط بالوجود؟
• ما الذي يحفظ الحقوق ويحمي المجتمع؟
• ما الذي يصون المعايير الأخلاقية والسياسية للتحرر؟
ثامنا: السياسة كإطار للتفاوض المستمر
• السياسة كفن الممكن هي جسرا بين الرؤية والاستطاعة، الطموح والتحقق، الأخلاق والواقع.
• السياسة تعني المساومة والتفاوض ضمن الخطوط الحمراء التي يتعذر تجاوزها.
• غرامشي يوضح أن السياسة تشمل إدارة الصراع على الهيمنة الثقافية والاجتماعية، وليس فقط على السلطة الرسمية (Prison Notebooks).
تاسعا: استعادة السياسة، ولكن أي سياسة؟
الخشية أن ينتهي حرص خالد على عدم الانزلاق في الحتمية – دون أن يقصد – إلى تعريف السياسة بوصفها:
• تحسين شروط الخسارة،
• أو إدارة الفعل المقاوم بحيث لا “يفجّر” البنية الدولية لتفادي تداعيات الدفاع عن الوجود.
بينما يحاول المقال استعادة السياسة بوصفها:
• فعلا وجوديا،
• مرتبطا بتفكيك البنية لا التكيّف معها،
•. ويخضع للنقد من داخل أفق التحرر لا من خارجه.
السياسة التحررية ليست فقط مساءلة الأدوات، بل تحديد العدو، وطبيعة الصراع، وحدود التعايش الممكن والمستحيل. ومن دون هذا التحديد، تتحول المساءلة إلى تقنية ضبط، لا أداة تحرر.
عاشرا: خلاصة الاشتباك الفكري
الاختلاف الحقيقي بين المقال وقراءة خالد لا يدور حول:
• هل نُسائل المقاومة أم لا؟ بل حول:
• من أي موقع نُسائلها؟
• وضمن أي أفق تاريخي وبنيوي؟
المقال ينحاز بوضوح إلى مساءلة تُبقي التحرر ممكنا، حتى وهي قاسية. أما الخطر الدائم، فهو مساءلة تبدو عقلانية، لكنها تنتهي – مرة أخرى – إلى نزع السياسة عن التحرر.
مرفق القراءة النقدية لخالد عطية لمقال “نزع السياسة عن التحرر الفلسطيني: قراءة نقدية في مقال ماجد كيالي”
يقدّم هذا النص أطروحة فكرية متماسكة تعيد تعريف الأزمة الفلسطينية بوصفها أزمة نزع السياسة عن مشروع التحرر، لا أزمة أخطاء ظرفية أو سوء تقدير تكتيكي، وهو بذلك ينقل النقاش من مستوى الحدث إلى مستوى البنية، ومن مساءلة الفاعلين إلى مساءلة المنطق الذي حكم الفعل السياسي الفلسطيني لعقود. تنطلق القراءة من تفكيك افتراض “العقلانية السياسية” الذي يقوم عليه نقد ماجد كيالي لتجربتي فتح وحماس، وتبيّن أن هذه العقلانية ليست محايدة، بل نتاج انخراط طويل في خطاب امتثالي يفصل السياسة عن التحرر ويحوّلها إلى إدارة حياة تحت الاحتلال، متجاهلًا طبيعة الصراع بوصفه صراعًا وجوديًا مع استعمار استيطاني إحلالي مغلق الهوية ومفتوح الزمن.
قوة النص الأساسية تكمن في إسناده النظري الصارم إلى فكر مناهضي الاستعمار. في هذا الإطار، لا يعود العنف الاستعماري نتيجة لفعل مقاوم بعينه، بل ممارسة بنيوية سابقة عليه، تجعل من تحميل المقاومة مسؤولية الإبادة والتدمير قراءة مقلوبة للسبب والنتيجة، وتحوّل الامتثال إلى فضيلة زائفة داخل منطق السيطرة. بهذا المعنى، ينجح النص في فضح الكيفية التي جرى عبرها تفريغ السياسة من معناها التحرري، وتحويل “الواقعية” و“الممكن” إلى أدوات لإدامة الهيمنة لا لتفكيكها.
غير أن هذه القوة التحليلية نفسها تنزلق أحيانًا إلى نزعة حتمية تُغلِق أكثر مما تفتح. فالتأكيد المتكرر على أن الاستعمار الاستيطاني لا يُواجَه إلا بالمقاومة الشاملة، وخصوصًا المسلحة، وإن كان صحيحًا في مستواه البنيوي، إلا أنه يُقدَّم أحيانًا بوصفه معادلة مكتملة لا تترك مجالًا كافيًا لنقد الفعل المقاوم ذاته من حيث التوقيت، والإدارة، وتحويل الكلفة إلى رافعة استراتيجية. هنا يصبح النقد البنيوي، رغم عمقه، مائلًا إلى إعفاء الفاعل المقاوم المعاصر من مساءلة سياسية ملموسة، وكأن كل نقد تفصيلي يُشتبه فيه تلقائيًا بوصفه انزلاقًا نحو خطاب الامتثال. هذا يضعف النص في بعده الاستراتيجي، لأن استعادة السياسة بوصفها فعلًا تحرريًا لا تكتمل دون مساءلة أدواتها وقراراتها، لا الاكتفاء بشرعنتها التاريخية والأخلاقية.
كما أن المقارنات التاريخية مع الجزائر وفيتنام وجنوب أفريقيا، رغم أهميتها في دحض وهم “التحرر السلمي” في سياق الاستعمار الإحلالي، تُستخدم أحيانًا كأدلة قاطعة أكثر منها كنماذج إرشادية، دون تفكيك كافٍ لاختلاف السياقات الدولية وبنية الدعم الإمبريالي غير المحدود للمشروع الصهيوني. مع معرفتي الوثيقة بأن الدكتوره غانية تعي ذلك، وكان من شأن إبراز هذه الفوارق أن يعمّق الأطروحة بدل أن يخفف من حدّتها، ويمنحها مرونة تحليلية أكبر دون المساس بجوهرها التحرري.
في المحصلة، يشكّل النص مساهمة فكرية عالية القيمة في إعادة وصل السياسة الفلسطينية بمعناها الوجودي، ويقدّم نقدًا عميقًا لوهم التعايش بين القاتل والقتيل، ولتحويل السياسة إلى إدارة خسارة مزمنة. لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى توسيع النقد الذاتي ليشمل الفعل المقاوم نفسه بوصفه ممارسة سياسية بشرية، لا رمزًا متعاليًا على المساءلة. عند هذا الحدّ فقط، يمكن للسياسة التحررية أن تستعاد لا بوصفها نفيًا للامتثال فحسب، بل بوصفها أيضًا بناءً واعيًا لاستراتيجية قادرة على تحويل المقاومة من ضرورة وجودية إلى أفق تحرري فعلي.