نُشرت في سبتمبر 19, 2025سبتمبر 21, 2025 عودة لذات السؤال: هل للكتابة جدوى في زمن الإبادة؟ – خالد عطية
الدكتورة العزيزة غانية
الكتابة ليست ترفًا بل مقاومة مضادة للمحو
تتحرّك مقالة د. غانية ملحيس في فضاء نادر يتقاطع فيه الخطاب الفلسفي، والتحليل السياسي، والانفعال الأخلاقي، دون أن ينفلت النص إلى الشعارات أو يقع في فخ الرثاء المجاني. إنها لا تكتب فقط عن جدوى الكتابة، بل تمارسها كفعل نداء، كشهادة، وكصيغة للحياة في مواجهة هندسة الموت الممنهجة.
نقطة الانطلاق الذكية في المقال هي تحويل سؤال “ما جدوى الكتابة؟” من كونه سؤالًا وجوديًا فلسفيًا—كما طرحه حكيم عبّاس، واستعاد فيه أفلاطون وتلميذه—إلى سؤال أخلاقي-سياسي في زمن المجازر. هذا النقل لا يبطل أطروحة عبّاس بل يعيد ترتيبها على أرض محترقة، ليكشف أن ما يبدو فاسدًا فلسفيًا، قد يكون نقيًا أخلاقيًا. فالأسئلة التي تفتقر للمعنى في زمن السلم، تصبح ضرورات وجودية في زمن الإبادة.
الدكتورة هنا لا ترفض أطروحة عبّاس، بل تدفعها إلى حديّتها القصوى: الكتابة ليست شرطًا للوجود فقط، بل درعٌ من المحو، ولو كان ورقيًا.
أجمل ما في المقال أنه يرفض فصل “الرمزي” عن “الملموس” في لحظة مَن يُباد فيها الإنسان جسدًا ولغةً وخرائطَ وسردًا. إنها لا تطرح الكتابة كمسكن للوجع، بل كحائط صد، كمطرقة تصنع الذاكرة ضد المحو. الكلمة هنا لا تُواجه القنبلة بقنبلة، بل تواجهها بسجل، بصورة، بشهادة، بمجاز لغوي يعاند العدم.
ففي زمن الإبادة، حيث المشروع الكولونيالي لم يعد يخفي هدفه، تصبح القصيدة تقريرًا، والمقال وثيقة، والرواية خندقًا رمزيًا.
تُفرّق الدكتورة غانية بذكاء بين الكتابة كتوثيق، والكتابة كإنتاج للمعنى. التوثيق يسجّل الوقائع، لكنه قد يُحوّل المأساة إلى أرقام صامتة؛ أما الكتابة التي تمنح هذه الأرقام حياة وتأويلاً وسردية مقاومة، فهي التي تعيد للضحية مقامها في التاريخ، وتمنع القاتل من الاستفراد بالنص النهائي.
هي بذلك تحفر في عمق الوظيفة الأنتروبولوجية للكتابة: حفظ الذاكرة لا كحكاية ماضٍ فقط، بل كبوصلة للمستقبل.
من أعظم لحظات المقال حين تقول د.ملحيس إنّ “غياب الكتابة يعني موتاً آخر: موت الذاكرة واللغة والمعنى. وهذا ما تريده الإبادة بالضبط.”
إنها تُعيدنا إلى بُعدٍ لاهوتي-سياسي في المسألة: الصمت ليس حيادًا، بل انحياز للقاتل. ومن هنا، فإن الكتابة ليست ترفًا ولا بطوليّة، بل فريضة وجودية.
و رغم أنها لا تهاجم أحدًا، يلمح النص إلى نقد للمثقف الذي انكفأ إلى تأملاته أو الذي “يتفنّن” في النصّ المعزول عن النكبة. الكتابة الحقيقية، تقول الكاتبة، تذوب فيها المختبرات الثلاثة التي تحدث عنها عبّاس (العلم، الفكر، الفن) لتُنتج “نصًّا مقاومًا”، لا تجريدًا فكريًا ولا ترفًا لغويًا. هذا تصحيح نخبوي نادر للموقف النخبوي ذاته.
ربما أجمل ما يمكن تلخيصه: أن د. غانية ملحيس تعلن أن الكتابة في زمن الإبادة هي جريمة ضد النسيان. ليست فعل توثيق فقط، ولا فلسفة، بل تهمة ضرورية تُحاكِم الصمت، وتُطارد الجلاد بالأبجدية.
ما تقدّمه غانية ملحيس ليس مجرد تأمل في جدوى الكتابة، بل بيان وجودي في وجه الجريمة. هي لا تجيب عن السؤال، بل تعريه حتى جذوره. في زمن الإبادة، الكلمة ليست رفاهًا، بل فعل نجاة، وحفظٌ لذاكرة الجماعة من أن تُسلب بعد أن سُلب جسدها.
بدأ المقال كفكرة فلسفية عن جدوى الكتابة، لكنه ما لبث أن تحول إلى نصّ في الفلسفة، والأنثروبولوجيا، والدراسات ما بعد الكولونيالية، بوصفه وثيقة سردية ووجودية من زمنٍ يُكتَب فيه التاريخ برصاص القتلة، ويُصحَّح بأقلام العقلاء لا الحالمين .