تشرفت اليوم، عبر تقنية الزووم، بالمشاركة في حفل التأبين الذي أقامه معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني/ ماس، في مقره برام الله، ظهر 16/9/2025، لتكريم روحي الراحلين الكبيرين: الدكتور فضل النقيب والدكتور سمير عبد الله.
كان الحفل مهيبا بمشاركة أشقائهما وأصدقائهما من الوطن والمهجر، الذين شاركوا بذكرياتهم وشهاداتهم الصادقة، كما حضره لفيف من الاقتصاديين والباحثين.
وبالنسبة لي، فقد كان هذا اللقاء مناسبة لأجدد العهد مع قامات فكرية واقتصادية تشرفت بالعمل معها، وأثرت حياتي الشخصية والسياسية والمهنية بعمق. وهنا أنشر نص كلمتي التي ألقيتها في وداعهما.
الدكتورعصام النقيب
الأستاذ محمود عبدا الله
الزملاء أصدقاء الراحلين الكبيرين فضل النقيب وسمير عبدا لله
الأحبة أسرة معهد ماس
الحضور الكريم
في زمن تتكاثر فيه الجراح، وتثقل فيه الخسائر على شعبنا وأمّتنا، يغيب عنا رجلان من رجالات الفكر والاقتصاد، تركا أثرا عميقا في مسار الوعي والعمل العام:
الدكتور فضل النقيب، المفكر الاقتصادي العربي الكبير، الذي مثل مدرسة نقدية رائدة ربطت الاقتصاد بالسياق التاريخي والاجتماعي والسياسي.
والدكتور سمير عبد الله، الاقتصادي الفلسطيني اليساري، الذي جمع بين الفكر والممارسة في ميادين النضال والتنمية.
إنّ رحيلهما المتقارب لا يحمل فقط معنى الفقد الشخصي، بل يعكس أيضا فراغا فكريا ومؤسسيا في لحظة نحن بأمس الحاجة فيها إلى أصوات عقلانية، نقدية، مقاومة، تنير الطريق وتبني الجسور بين الفكر والعمل.
كان الدكتور فضل النقيب مدرسة فكرية قائمة بذاتها. لم يكن اقتصاديا تقليديا، بل مفكرا موسوعيا جمع بين الاقتصاد، والتاريخ، والاجتماع، والسياسة.
حمل هموم الأمة على كتفيه، وحوّل الاقتصاد إلى أداة لفهم البنية العميقة للتخلّف والاستعمار، بدل أن يبقى محصورا في الحسابات الضيقة والنماذج الرياضية الجافة.
منذ بداياته في الجامعات، وصولا إلى حضوره البارز في المنابر الفكرية العربية، ظلّ صوتا نقديا حرا، جريئا في مواجهة أوهام التنمية التابعة، صريحا في نقد الدولة الريعية، واضحا في تشخيص علاقات التبعية الاقتصادية للعالم العربي.
أعماله المرجعية، وعلى رأسها كتابه “الاقتصاد السياسي للتخلّف”، شكلت نقطة تحول في الوعي الاقتصادي العربي. فقد علم أجيالا من الطلاب والباحثين أن النظرية ليست تجريدا أكاديميا، بل سلاح لفهم الواقع وتغييره. وكان يؤكد دائما أن الاستقلال السياسي بلا استقلال اقتصادي يظل ناقصا، وأن الحرية لا تكتمل ما دامت ثروات الأمة مرهونة للخارج.
ورغم صلابته الفكرية، كان فضل النقيب إنسانا رقيقا، ودودا مع طلابه وأصدقائه. امتلك ناصية البيان العربي الرشيق، فكتب نصوصا فكرية تُقرأ بمتعة الأدب وصرامة العلم معا.
برحيله، يخسر الفكر العربي عقلا نقديا منفتحا على التجديد، وصوتا ظل وفيًا لقيم العدالة والحرية، ولحلم الوحدة العربية على أسس اجتماعية واقتصادية راسخة.
أما الدكتور سمير عبد الله، فقد رحل عن دنيانا بصمت يليق بدماثته، لكن أثره سيظل حاضرا طويلا.
عرفناه منذ بداياته مناضلا يساريا، محررا في مجلة “الكاتب” بالقدس في ثمانينيات القرن الماضي، وصوتا صريحا في الحزب الشيوعي. ثم انتقل إلى العمل المؤسسي، دون أن يتخلى عن قناعته بأن التنمية لا يمكن أن تكون إلا في مواجهة التبعية، وأن الدولة يجب أن تكون أداة لحماية المجتمع، لا مجرّد وسيط بين السوق ورأس المال.
شارك في مفاوضات مدريد وواشنطن، وساهم في معالجة بروتوكول باريس، محاولا ـ بصفته خبيرا اقتصاديا ـ أن يحمي الموقف الفلسطيني من الشروط الإسرائيلية المجحفة. وحين تولى وزارة التخطيط والعمل في ذروة الانقسام، عمل على إعداد أول خطة إصلاح وتنمية، جاعلا من التخطيط الوطني فعلا سياسيا بامتياز، يربط بين الهم الوطني وشروط التمويل الدولي.
لكن بصمته الأعمق تجسّدت في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية (ماس)، الذي قاده لست سنوات. فأنتج مع فريقه دراسات غنية لم تكن أوراقا تقنية فحسب، بل كانت محاولة واعية لجعل المعرفة قوة مقاومة، ولتحويل البحث العلمي إلى أداة تعزز صمود المجتمع في مواجهة الاحتلال والحصار.
كان سمير إنسانا دمث الخلق، نزيه اليد، صادقا في جهده، مخلصا لقضيته وشعبه.
النقاش معه كان حوارا راقيا لا خصومة، والاختلاف معه مساحة للتفكير لا للتباعد. لقد مثل نموذجا للمثقف الاقتصادي الذي لا ينغلق في قاعات الجامعات، ولا يذوب في بيروقراطية المؤسسات، بل يظل مرتبطا بالناس وقضاياهم.
ورغم اختلاف التجربة والمسار، جمع بين فضل النقيب وسمير عبد الله خيط واحد:
الإيمان بأن الاقتصاد ليس علما محايدا، بل أداة للتحرر والمقاومة.
برحيلهما، نفقد جيلا من الاقتصاديين الذين حاولوا وصل الفكر بالممارسة، والأكاديمية بالنضال. لكن إرثهما سيبقى شاهدا على أن الكلمة، والبحث، والخطة، والسياسة الاقتصادية، يمكن أن تكون جميعا جزءا أصيلا من معركة التحرر الوطني.
والدرس الذي يترك لنا أوضح من أي وقت مضى: أنّه لا سيادة بلا استقلال اقتصادي، ولا استقلال بلا مقاومة فكرية ومؤسسية، تقاوم التبعية وتفتح أفقا للتحرر.
لروحيهما الرحمة والسكينة، ولأهلهما، ورفاقهما، وتلامذتهما الصبر، والعزاء.
وليَبقَ إرثهما منارةً للأجيال القادمة، التي ما تزال تؤمن بأن اقتصاد المقاومة هو شرط الحرية، وأن الحرية هي المعنى الأسمى للحياة