رسالة من سميح محسن إلى غانية ملحيس
الصديقة العزيزة د. غانية ملحيس
في البدءِ أحييك على مقالك الرائع “من الشهادة إلى الفعل: الكتابة الفلسطينية في زمن الإبادة”، والذي قدّمتِ فيه إضاءات هامّة حول موضوع “جدوى الكتابة” في زمن حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا، وها هي تقترب من طيّ سنتها الثانيّة دون بروز أيّ أمل في طيّها في وقت قريب. بل إن الوحشيّة التي تُنَفّذُ فيها تزداد ساعة بعد ساعة، أمام صمت القريب والغريب، وإن لم يكن أمام خيانة مكشوفة، وإن لم تكن معلَنة.
كان هذا المقال شاملا، وجاء السرد التاريخي فيه ضروريّا كمقدمة للوصول إلى ما وصلتِ إليه، أيّ وضع تصوّر عملاتي لما يمكن أن يقوم به الكتّاب والمثقفون والمؤسسات المعنية، الرسمية والأهلية، في تبنيه، وترجمته على أرض الواقع كمهمة نضاليّة وطنية وثوريّة.
• هل كتابةُ الوجعِ كَمثلِ الكتابةِ عنه؟!
بدأت حواراتنا بهذا السؤال الحارق. ونظرا لتوفر وسائل تواصل حديثة لم نكن نملكها في السابق، جرى تفاعل سريع مع هذا السؤال من قبل عدد من الكتّاب والمثقفين. وسرّني أنكِ كنت من أول المتفاعلين مع هذا السؤال، وكان لتفاعلكِ الأثر الإيجابي في مساهمة كتّاب ومثقفين آخرين، وفي مقدمتهم الصديق د. عادل الأسطة، والصديق د. عواد أبو زينة في هذه الحوارات. وكما أشرتِ أنّ هناك كتّابا ومثقفين من دول عربية عديدة كتبوا في هذا المجال.
لقد ساهمت هذه الحوارات في توليد أسئلة أخرى، وأخذتنا إلى سؤال الفرق بين الصدى والصوت، والكتابة عن قرب وأخرى عن بعد، ثمّ أَنكتب أم نصمت أمام هول يفوق اللغة؟ وجدوى الكتابة في زمن الإبادة، والكتابة سلاح رمزي يوازي المقاومة الميدانية، ومن جدوى الكتابة إلى ضرورتها الحتمية، والكتابة ذاكرة مضادة، ومن جدوى الكتابة إلى فضاء الحتمية، وأخيرا وليس آخرا “من الشهادة إلى الفعل: الكتابة الفلسطينية في زمن الإبادة”؛ وكان هذا عنوان مقالك الأخير “من الشهادة إلى الفعل” الذي سأتوقف عنده في هذا المقال.
• من صيانة الذاكرة إلى إنتاج معرفة منظمة
صديقتي العزيزة غانية
أنهيت مقالك الوافي برؤية تُعَدُّ مداخل هامّة لبناء مشروع ثقافي وطني إنساني وجمعي: “إن اللحظة الفلسطينية الراهنة، بما تحمله من تهديد وجودي، لا تسمح بالبقاء أسرى الوصف أو التحسر. التحدي هو أن ننتقل من صيانة الذاكرة إلى إنتاج معرفة منظمة، من خلال منصات نشر جماعية، مختبرات كتابة ترافق اليوميات منذ تدوينها، وحدات ترجمة تأخذ الرواية إلى فضاءات جديدة، ومرصد يحوّل الخلاصات إلى توصيات يمكن تبنّيها، مع مراجعات دورية تقيس أثر كل خطوة عمليا.”
لا شكّ أنّ الانتقال من مرحلة “صيانة الذاكرة” إلى مرحلة “إنتاج المعرفة المنظمة” هو عملية تحويل المعلومات من مجرد رصدها وتوثيقها وتخزينها إلى خلق استراتيجية نشطة لاستخدامها وتوليد أفكار جديدة. ولن يتم ذلك إلا عن طريق ربط المعرفة الجديدة بالمعرفة السابقة، تنظيمها في بنى هرمية أو شبكات، وتشجيع التعاون وتفاعل الأفراد داخل المنظمة لدمج المعارف وتحويلها إلى معرفة جماعية قابلة للاستخدام والتوسع.
إن تحويل الذاكرة إلى معرفة منظمة ليس مجرد عملية توثيق، وإن كان التوثيق لَبُنَةً أساسية في هذا البناء الهرمي، إلا أن هذا التحويل أيضًا فعل مقاومة يبني وعياً جماعياً ويحفظ الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والتزييف. إنه استثمار في المستقبل يضمن أن تظل تجربة غزة حية ومؤثرة في الوجدان الإنساني. وهذه العملية تتطلب منهجية واضحة لتحويل الذكريات الفردية والجماعية إلى مادة قابلة للتحليل والدراسة والنشر، وهو ما رسمتِ خارطته في مقالك برؤية وقّادة.
ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر خطوات متسلسلة ومترابطة تبدأ في التوثيق المنهجي للشهادات والروايات بطريقة منظمة ودقيقة، وجمع الشهادات الشفوية من خلال إجراء مقابلات معمقة مع مختلف فئات المجتمع، والتوثيق البصري والرقمي من جمع الصور، مقاطع الفيديو، التسجيلات الصوتية، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي توثق الحياة اليومية والجرائم واللحظات الإنسانية، وتشجيع الأفراد على كتابة يومياتهم وتدوين تجاربهم الشخصية. هذه الكتابات تقدم رؤية فريدة وعميقة لا يمكن الحصول عليها من المصادر الخارجية.
تلك مرحلة أولى تليها مراحل أخرى أشار إليها المقال كتحليل وتصنيف المواد المجمعة، إنشاء أرشيف رقمي تفاعلي من خلال تأسيس منصة إلكترونية تحتوي على جميع المواد الموثقة، إصدار دراسات وتقارير بحثية،إنتاج مواد فنية وثقافية. ولضمان وصول هذه المعرفة إلى أوسع جمهور ممكن، ويجب التركيز على ترجمة المواد المعرفية إلى عدة لغات لمخاطبة الرأي العام الدولي، والتعاون مع جامعات، مراكز بحثية، ومنصات إعلامية دولية لنشر الدراسات والأعمال الفنية، ونشر المعرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المدونات، والمواقع الإلكترونية لضمان انتشارها على نطاق واسع.
هل نحن كأفراد قادرون على ذلك؟
في إجابة سريعة: كلا! لأنّ هذه العملية تحتاج إلى أطر مؤسسية، رسمية وأهلية، لأنّ عملا كهذا يحتاج إلى توفير طواقم متخصصة ومُؤَهَّلة للقيام بالمهام التي وردت في مقالك. وهنا لا نعفي القطاع الخاص من مسؤوليته الاجتماعية والوطنية والمساهمة في دعم هذه المؤسسات التي ستوكل إليها هذه المهمة التي لا يُستَهان بها، حتى لو حصرنا ما نبغي الكتابة عنه في الشأن الثقافي وحده. وفي هذا المضمار يقع على عاتق الجامعات الفلسطينية جانب لتحقيق هذه الأهداف من خلال توجيه طلبتها، وفي مختلف مراحلهم التعليمية الجامعية، لإجراء أبحاث متطلبات تخرجهم في المرحلة الجامعية الأولى، ورسائلهم الجامعية في مرحلتي الماجستير والدكتوراة، حول جرائم حرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا في قطاع غزة.
• التشظّي الثقافي بعد اوسلو
خلال حواراتنا جرى طرح ونقاش غياب أقلام فلسطينية وازنة عن المشهد الثقافي لما بعد السابع من أكتوبر. وحدّد الصديق د. عواد أبو زينه Awwad Abu-Zaineh ثلاثة اتجاهات أفرزها اتفاق اوسلو: “الأول التعصب والتعنصر للاتجاه السياسي أو لوجهة نظر الفصيل الذي ينتمي إليه وهو في موقفه يتجاهل أو ينكر على الآخرين مواقفهم وتوجهاتهم ويهاجمهم وقد يصل الأمر إلى حدود الاتهام والتخوين، الثاني فئة انكفأت على ذاتها وأصبحت دائرتها مغلقة حول الذات تحرص على أن لا تثير احدا ضدها او تغضب أحدا، والفئة الثالثة من التزموا الصمت ولم نعد نقرأ لهم شيئا وكأنهم آثروا السلامة بالصمت.
وعن “غياب الصوت” أو “الصمت” غاب صوت جزء أصيل من شعبنا. فمنذ بداية هذا العدوان المجرم أعلنت حكومة الاحتلال نظام الطوارئ. وكان المستهدف بذلك شعبنا في الأراضي المحتلة عام 1948، حيث غاب صوت الكتّاب والمثقفين، وجرت ملاحقة العديد منهم على خلفية كتابة منشورات لهم، حتّى قبل بدء العدوان، وفصل عدد منهم من أماكن عملهم. وأعاد نظام الطوارئ ذكرى الممارسات القمعية التي مورست ضدهم بعد النكبة. لقد عاشت البقية الباقية من الفلسطينيين في الداخل تحت الحكم العسكري رسمياً منذ عام 1948 وحتى نهاية 1966 عندما تم تفكيك جهاز الحكم العسكري ونقل صلاحياته القمعية إلى الشرطة وجهاز المخابرات. وعلى صعيد التفاعل مع هذه الحوارات كان صوت الصديقة العزيزة الكاتبة خالدية أبو جبل Khaldia Abo Jabal، من الجليل الفلسطيني، كأنّه الصوت الوحيد الذي كان حاضراً، وبقوة.
لم تقتصر حالة التشظّي الثقافي بعد اوسلوا على الحالة الفلسطينية، بل وطالت الحالة الثقافية في عمقها العربي. في السابع عشر من كانون أول (ديسمبر) 2023، كتبتُ مقالا تحت عنوان: “الثقافي والسياسي في ضوء العدوان على غزّة”، ذكرت فيه أنّه “في خضمِّ هذه المقتلة التي لم يسلم من همجيتها البشر والشجر والحجر، يفرض سؤال العلاقة بين الثقافي والسياسي نفسه على المشهد الثقافي العربي، وبخاصة في هذه المقتلة الكاشفة التي لم تعد تقبل الحيادية في المواقف. فمن خلال المتابعة، وإن لم تكن مروحتها شاملة، يمكننا تصنيف مواقف المثقف العربي إلى ثلاث فئات: الأولى تلك الفئة التي تماهت هوية المثقفين الوطنية مع القضية الفلسطينية كهوية نضالية، فلم ينفكّوا بالانحياز إليها والدفاع عنها، والثانية التي انشغلت بقضايا بلدانها، والثالثة من أعلنوا “براءتهم” من القضية الفلسطينية، بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك من خلال تبنيهم للسردية النقيض وجاهروا، ليس فقط بعدائهم للفلسطينيين وقضيتهم القومية، بل وتواقحوا بدفاعهم عن تلك السردية إلى حدِّ التشفي بالضحايا”.
• عن دور المثقف العضوي مرة أخرى
إذا حصرنا عملنا بالجهد الفردي، وحصرناه في الجانب الثقافي فقط، وفي ظلّ حالة التشظّي الراهنة، فمن هو المثقف القادر على الفعل؟
وخلال حواراتنا أيضًا جرى طرح ونقاش علاقة المثقف بالسلطة. وفي مقالك سلّطت الضوء على الحالة الثقافية الفلسطينية ما بعد أوسلو، والعلاقة الجدلية بين الثقافي والسياسي، ومن منهما يقود الآخر، ودعوتِ إلى “ابتكار لغة جديدة تستعيد البعد الجماعي دون أن تلغي خصوصية المكونات الفلسطينية داخل الوطن وخارجه، ودور كل مكون في قيادة النضال الوطني في المراحل المختلفة وفقا للتطورات الميدانية”. كما وتطرقتِ إلى دور المثقف العضوي في هذه المرحلة.
والمثقف العضوي، وفقًا للمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، ليس مجرد شخص يفكر أو يكتب بمعزل عن مجتمعه. بل هو جزء لا يتجزأ من طبقته الاجتماعية، ويعمل على تنظيم وعيها وصياغة رؤيتها للعالم. وظيفته ليست التفكير في الفراغ، بل التعبير عن هموم طبقته وآمالها وتطلعاتها، وتحويلها إلى مشروع سياسي واجتماعي متماسك. هو يجمع بين الفكر والممارسة.
في اللحظات الخطيرة، وعندما “تنحرف البوصلة السياسية”، يتعاظم دور المثقف العضوي إذ تقع على مسؤوليته تعليق جرس الإنذار، أو القرع على جدران الاخزان – حسب ما دعانا إليه الكاتب الشهيد غسان كنفاني -، وذلك من خلال إعادة توجيه الوعي، والتذكير بالمبادئ الأساسية والثوابت التي لا يجب التنازل عنها، ومساعدة صانع القرار على رؤية الصورة الأكبر وتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، وتحصين الجبهة الداخلية من خلال بناء وعي جمعي قادر على الصمود في وجه التحديات ورفض الحلول المنقوصة.
لا شكّ أن العلاقة المثالية بين الثقافي والسياسي هي علاقة شراكة نقدية؛ حيث يربط المثقف الفعل بالرؤية، ويغذي السياسي بوعي ومعرفة تمنع انزلاقه، بينما يترجم السياسي هذه الرؤى إلى قرارات وإجراءات عملية على أرض الواقع. وفي المقابل فإن تساوق موقف الثقافي مع موقف السياسي يعكس تبعية الأول للثاني، ويضبط إيقاع موقفه مع الموقف الرسمي، وهذا يلغي الدور الطليعي للمثقف الذي يرى المشهد بشموليته، ويرسم مستقبله، ولا يراه وفق رؤى السياسي وحسابات مصالحه الآنية. كما أنّ على الثقافي أن يعبّر عن نبض الشارع وتطلعاته، ويقوده من خلال تشكيل رأي عام ضاغط على السياسي لإجباره على اتخاذ مواقف تنسجم مع تطلعات الشعوب.
نابلس
14/9/2025