في سياق الإبادة الجماعية التي تتعرض لها غزة، تتجدد أسئلة الكلمة وجدواها، بين التوثيق والشهادة وبين الفعل والمقاومة. في مقالتها “من الشهادة إلى الفعل: الكتابة الفلسطينية في زمن الإبادة” (7/9/2025)، تقدم الدكتورة غانية ملحيس رؤية فكرية وسياسية تذهب أبعد من مجرد التأريخ للألم، لتضع الكتابة في موقعها الطبيعي كجزء من مشروع تحرري شامل. تكشف المقالة عن أبعاد الذاكرة كطاقة فعل، وعن دور المثقف العضوي في موازنة المسار السياسي، وتقترح آليات عملية لتحويل الكلمة إلى مؤسسة مقاومة تحفظ الوعي وتبني المستقبل. هذا التحليل يسعى إلى إبراز القيمة المزدوجة للنص: كوثيقة فكرية في أدب المقاومة، وكخطة سياسية ثقافية في آن واحد.
أحد أبرز إسهامات نص الدكتورة ملحيس هو نقله النقاش من التساؤل التقليدي حول جدوى الكتابة في زمن الإبادة إلى التأكيد على ضرورتها الحتمية. فهي ترى أن الكلمة لم تعد مجرد شهادة تحفظ الذاكرة أو تعبير عن الألم، بل أصبحت أداة مواجهة مباشرة في معركة الوجود الفلسطيني. الكتابة هنا فعل مقاومة لا يقل شأنًا عن الفعل الميداني، لأنها تساهم في تثبيت الوعي الجمعي ومراكمة القوة الرمزية والمعنوية.
وتنتقد ملحيس اختزال الذاكرة الفلسطينية في خانة الاستدعاء أو البكاء على الأطلال، محذّرة من تحوّلها إلى “متحف صامت” إذا لم تُصغ في مشروع مقاوم. فالمطلوب ليس فقط حفظ الشهادات، بل تحويلها إلى أدوات للتخطيط السياسي والثقافي، بحيث تصبح الذاكرة بوصلة للمستقبل وليست مجرد أرشيف للماضي. بهذا المعنى، تتجاوز الكاتبة حدود التوثيق إلى ما تسميه “المعمار الواعي” للوعي الجمعي.
وتعيد المقالة تعريف دور المثقف الفلسطيني والعربي. فالمثقف العضوي، وفقًا لها، ليس بديلًا عن السياسي أو القائد العسكري، لكنه حلقة أساسية في ضمان عدم انحراف البوصلة. حين ينفرد السياسي بالمشهد يسقط في فخ التسويات المجتزأة، وحين ينعزل المثقف يتحول إلى صدى في الفراغ. تكمن أهمية النص في تأكيده على التكامل بين القرار والفكر، بين الفعل والرؤية، وهو ما يشكل شرطًا لأي مشروع تحرري حقيقي.
كما تعود ملحيس إلى اتفاق أوسلو باعتباره لحظة قطيعة خطيرة مع السردية الجماعية الفلسطينية. فقد أدى الاتفاق إلى تفتيت الجغرافيا والسياسة والثقافة، وأسهم في إضعاف الوحدة الفكرية التي شكّلت على مدى عقود ركيزة الهوية الوطنية. هذا الانكسار سمح للمشروع الاستعماري الغربي–الصهيوني بمراكمة القوة والانفراد بغزة. ومن هنا، يكتسب النص قيمته السياسية، لأنه يربط بين نقد الانقسام الراهن وبين ضرورة استعادة السردية الجماعية كشرط للوعي والمقاومة.
وما يجعل مقال ملحيس مختلفًا هو اقتراحه العملي لتفعيل دور الكتابة: منصة توثيق مفتوحة تحفظ التفاصيل الصغيرة من الضياع، مختبرات كتابة ترافق اليوميات حتى تتحول إلى نصوص قادرة على الوصول، وحدات ترجمة تتجاوز بالعربية حدودها إلى الضمير الإنساني، مرصد للخطاب والسياسات يتابع التلاعب بالمفاهيم، ميثاق أخلاقي يحمي الشهود من التوازن الزائف، بوابة بيانات للباحثين والدعاوى الحقوقية، وأخيرًا آليات لقياس الأثر تضمن أن تتحول الكلمة من نداء إلى مؤسسة. هذه المقترحات تعكس جهدًا فكريًا وعمليًا يضع الكلمة في قلب معركة التحرير لا في هامشها.
تكشف مقالة الدكتورة غانية ملحيس أن الكتابة ليست مجرد رد فعل على الخراب، بل فعل تأسيسي لمستقبل جماعي. إنها تضع المثقف في مواجهة مسؤوليته، وتعيد الاعتبار إلى الذاكرة كقوة محركة للتخطيط، وتربط الأدب والفكر بالسياسة والمقاومة. في زمن الإبادة، تصبح الكلمة معمارًا للوعي، وجزءًا من خطة التحرير، وخطوة أولى في بناء مؤسسات تحفظ الهوية وتقاوم المحو. بهذا، يمثل النص ليس فقط شهادة على زمن الإبادة، بل خارطة طريق فكرية وسياسية نحو مستقبل يستحق التضحية.