حين قرأت مقالة د. غانية ملحيس «غزة بين الأسطورة والعبء»، شعرت كأنها وضعت كاميرا على عين الوطن، وعدستها تلتقط السؤال الأكثر خطورة:
هل ما زال ممكناً أن نعيد بناء السردية الوطنية الجامعة، التي ترى غزة والضفة والداخل والشتات كأبعاد متكاملة لهوية فلسطينية واحدة؟
هذا السؤال ليس تنظيرًا، بل مشهد حي يتكرر كل يوم: غزة في لقطات الدم والأنقاض تتحول إلى أسطورة، وغزة في تفاصيل العيش والحصار تُعامل كعبء. هنا تكمن الكارثة: أن تتحول مدينة كاملة إلى صورة مشروطة بالدم، أو إلى عبء على من يتقاسمون معها المصير ذاته.
لكن الرد على هذا السؤال لا يكون بـ«نعم» أو «لا»، بل بـ«كيف». وكيف تبدأ دائمًا من خمسة مشاهد في الكادر:
المشهد الأول – البرنامج التحرري:
أن نستعيد بوصلة الصراع، لا بوصفه نزاعًا على سلطة أو إدارة، بل كفعل تحرري جامع يضع الاحتلال في مركز المواجهة، ويعيد للكل الفلسطيني مكانه في المشروع الوطني.
المشهد الثاني – المقاومة والحياة معًا:
أن نرى غزة لا فقط في لحظة الدم، بل أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ في المدرسة والشارع والميناء. المقاومة لا تنفصل عن الحق في الحياة، بل تحميه وتمنحه معنى.
الفقرة الإضافية:
وإذا أدرنا الكاميرا قليلًا إلى المشهد السياسي والإعلامي الراهن، نرى انعكاس هذا العطب البنيوي بوضوح. فبعض الكتّاب والمثقفين والسياسيين لا يوجّهون عدساتهم إلى المجرم الحقيقي، بل ينشغلون بمهاجمة غزة أو حماس، كأن المشكلة في السابع من أكتوبر، لا في مشروع استعماري ممتد من الفرات إلى النيل. هنا يظهر الوعي المشوَّه الذي انساق وراء ماكينة الدعاية الغربية والإسرائيلية، فصار يرى السبب في “الأداة” لا في جوهر الاحتلال. ويطلّ الانتماء الفصائلي في صورته الأكثر قسوة، حين تتحول الإبادة إلى فرصة لتسجيل نقاط داخلية، ويغدو الخصم الحقيقي ليس الاحتلال بل المنافس السياسي. وكأن التاريخ يعيد نفسه؛ فالاحتلال اعتاد أن يفتعل الذرائع ليبرر المجازر: من حادث الباص في 1956، إلى الكهوف في جنوب لبنان، وصولًا إلى “ذريعة” 7 أكتوبر. الذريعة مجرد ستارة، أما الهدف فواحد لا يتغير: التوسع والتهجير وبناء إسرائيل الكبرى. وهكذا، بينما يواصل العدو ابتلاع الأرض والإنسان، نجد بعضنا غارقًا في جلد الذات وتبادل الاتهامات، مكرّسًا ما حذرت منه غانية: أن الفصائلية والمناطقية تتغذيان على بعضهما وتفتحان أوسع ثغرات التفتيت.
المشهد الثالث – الثقافة كذاكرة مضادة:
كما فعل درويش وكنفاني، يمكن للأدب والفن والسينما أن تكتب فلسطين كوطن واحد لا كأقاليم متناحرة. الثقافة ليست ترفًا، بل أداة لترميم الوعي من شظايا المناطقية.
المشهد الرابع – مسؤوليتنا نحن:
الاحتلال غذّى الانقسام، لكننا نحن من سمح له أن يترسخ. الاعتراف بهذه المسؤولية هو الخطوة الأولى لمعالجته، وإلا سنبقى نعيد إنتاج المرض بأيدينا.
المشهد الخامس – الفصائلية كظل ثقيل:
المناطقيّة تضاعفت بظلال الفصائلية. فالانتماء للفصيل أو الحركة غلب أحيانًا على الانتماء للوطن، وأنتج انقسامًا مركّبًا جعل الجغرافيا خاضعة للسياسة الحزبية. وهكذا امتزجت الفصائلية بالمناطقية لتجزّئ المشهد أكثر، وتحوّل فلسطين إلى مربعات متباعدة في فيلم واحد. ولا سبيل للخروج من هذا إلا بإعادة تعريف الفصائل كأدوات في خدمة المشروع الوطني، لا أوطانًا بديلة.
غزة لم تكن يومًا عبئًا، ولا مجرد أسطورة. هي القلب الذي ضخ دم الانتفاضة، هي الكادر الأول الذي حمل البندقية، واللقطة الأخيرة التي رفضت الاستسلام. وهي اليوم العدسة التي تكشف الحقيقة: أن الوطن لا يبنى بالأساطير ولا بالانقسامات، بل برؤية نقدية واضحة، وعمل جماعي، ووحدة وجدانية وسياسية لا غنى عنها.
الوحدة ليست مشهدًا إضافيًا في فيلم طويل، بل هي النهاية الوحيدة التي يمكن أن تغيّر مسار الحكاية. وما لم نكسر زوايا المناطقية والفصائلية معًا، ونضع غزة والضفة والداخل والشتات في مشهد واحد، سنظل نعيش نسخة مشوهة لفيلم لا يليق بتضحياتنا.
هذا المقال أقدّمه مشاركةً في الإجابة على السؤال الذي طرحته د. غانية، ولتوسيع دائرة النقاش والعصف الفكري حول أحد أخطر جروح الوعي الفلسطيني.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي