في ظل حرب الإبادة المفتوحة على قطاع غزة والضفة الغربية وعموم فلسطين الانتدابية، ومع محاولات تصفية القضية الفلسطينية من بوابة المخيمات والوكالة والذاكرة، يأتي مقال الأستاذ خالد عطية الثري: “تحييد بلا ذاكرة، هل تنجو سوريا الجديدة حين تُختزل فلسطين إلى ملف أمني؟” كمداخلة مفصلية تذكر بترابط المصير الفلسطيني بالعربي، والسوري على نحو خاص، ضمن مشروع استعماري واحد. وهذا التعقيب محاولة لتوسيع النقاش حول ما بدأه خالد، وتفكيك بعض ركائزه البنيوية.
كعادته، يواصل خالد عطية بمسؤولية سياسية ووعي معرفي جهوده لإعادة بناء الوعي الفلسطيني والعربي بأفق تحرري. ومرة أخرى، أجد نفسي في اشتباك نقدي مع شريك في الهدف والمسار.
في مقاله المهم، يضع خالد عطية سؤال فلسطين في قلب سؤال سوريا، ضمن مقاربة نقدية عميقة تستحق التوسيع والبناء عليها. ومع إدراكي أن المقال يختلف عن البحث من حيث الطابع والهدف. فإنني أراه مدخلا ثمينا لمواصلة التفاعل النقدي التكاملي، وتوسيع أفق النقاش السياسي والتحرري الفلسطيني والعربي، خاصة في ظل التسارع المحموم لفرض “السلام الإبراهيمي”.
وأجمل ملاحظاتي على المقال، رغم إدراكي أن خالد يعيها تماما، وربما آثر تجاوزها للتركيز على رسالته المركزية: “من لا يذكّر بفلسطين، ينسى معها”.
لحظة 2003: استمرار لا انقطاع
الملاحظة الأولى تتعلق بإشارة الكاتب إلى سقوط بغداد عام 2003 كنقطة تحول في الاستراتيجية الإسرائيلية. ما قد يوحي للقارئ بأن هذه اللحظة كانت تحولا جذريا، في حين أنها تمثل لحظة مهمة ضمن مسار بنيوي بدأ منذ أكثر من قرن.
فرغم رمزية سقوط بغداد، إلا أنها ليست تأسيسية كـوعد بلفور، أو نكبتي 1948 و1967. وقد سبقتها لحظات ربما أكثر تأثيرا، أبرزها خروج مصر من دائرة الصراع العربي–الإسرائيلي عام 1979 بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، ما دشن تسارع الانهيارات العربية، بدءا باجتياح بيروت عام 1982، وتفكيك الثورة الفلسطينية في لبنان، وانخراط النظام السوري في إدارته. ثم استدراج العراق لغزو الكويت بعد عقد من الاستنزاف في الحرب مع إيران. وصولا إلى إنشاء أول تحالف عسكري عربي–غربي ضد بلد عربي، وتوظيف ذلك لتقويض منظمة التحرير الفلسطينية.
إن مشروع التفكيك الذي نتحدث عنه ليس وليد عام 2003، بل هو امتداد مباشر لاتفاقية سايكس–بيكو، التي مهّدت لتخليق المستعمرة الصهيونية في قلب الجغرافيا العربية–الإسلامية، وتحويلها إلى أداة تفتيت دائمة، تمنع وحدة الإقليم، وتعيق قيام أي مركز سيادي أصيل مستقل.
اتفاقيات أبراهام: بين الوظيفة والهيمنة
مشروع التفكيك هو استراتيجية استعمارية مستمرة، نفذت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتمحورت حول تحويل “إسرائيل” إلى قاعدة أمنية واستيطانية متقدمة لتكريس الهيمنة الغربية. وقد عبّر دافيد بن غوريون بوضوح عن الدور الوظيفي المنوط بإسرائيل في هذا المشروع، من خلال:
- تفكيك الخطر العربي الموحّد.
- التحالف مع مكونات إسلامية غير عربية أو عربية غيراسلامية
- دعم الهوامش العربية على حساب دول المركز.
- إدامة الانقسام العربي.
- ضمان تفوق إسرائيلي نوعي دائم.
بالتالي، فإن عام 2003 لا يشكل نقطة انطلاق بقدر ما يمثل مرحلة إعادة تشكيل لأدوات الهيمنة. وتشكل وثائق “كيفونيم” و” أوديد ينون” ركائز لفهم هذه الاستراتيجية، من خلال إضعاف المراكز الكبرى (كمصر، العراق، سوريا)، وتفتيت البُنى الوطنية على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، وخلق كيانات متصارعة متوازنة في ضعفها، وصولا إلى تصفية القضية الفلسطينية.
المخيمات: من الجغرافيا إلى الذاكرة
الملاحظة الثانية تتعلق بتفكيك المخيمات الفلسطينية كسياسة ممنهجة. فمع أن خالد ركز على المخيمات في سوريا، إلا أن هذه الاستراتيجية أوسع وأقدم، بدأت في لبنان منذ السبعينيات، حيث دمر أربع مخيمات بالكامل، ويتواصل العمل على تفكيك المتبقي منها. وتكرر الأمر في سوريا، إذ تعرضت جميع المخيمات المعترف بها وغير المعترف بها لتدمير ممنهج، وتراجعت أعداد اللاجئين الفلسطينيين فيها إلى أقل من الربع.
واليوم، تتعرض المخيمات في غزة لتدمير شامل، بينما تستمر في الضفة الغربية عملية استهداف ممنهجة. والهدف هو محو رمزية اللجوء، وتفكيك الذاكرة الجماعية، وتفريغ “حق العودة” من مضمونه، وتحويل المخيم من حاضنة للثورة إلى مساحة منزوعة المعنى. فالمخيم ليس مجرد جغرافيا لجوء، بل فضاء يعيد إنتاج فلسطين يوميا، في الحياة المشتركة، والثقافة الجمعية، والتنظيم الشعبي. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للمخيم كفكرة وممارسة هو شرط ضروري لاستعادة المخيلة الثورية. وتشكل الحرب الجارية على غزة اليوم امتدادا لما يمكن تسميته ب “استراتيجية التشتيت الثانية” والتي تستهدف تدمير منظومة الحياة والهوية في المخيمات، عبر القتل والتهجير ومحو المعالم الجماعية. ويبرز مخيم جنين مثالا نقيضا، إذ ما يزال، رغم التهجير الجزئي والتدمير المتكرر، يحتفظ بتقاليد مقاومة متجذرة، ويعيد إنتاج المخيلة الثورية كمجال يومي للصمود.
من “التحييد” إلى “محو المخيلة”
الملاحظة الثالثة تتعلق بما وصفه خالد بالتقاطع الأميركي–الإسرائيلي. ويستدعي ذلك تفكيك الطابع البنيوي لهذا التحالف. إذ أن تزامن الإبادة الجماعية في قطاع غزة والضفة الغربية مع محاولة تصفية الأونروا، واختزال تعريف اللاجئ الفلسطيني إلى من هجر عام 1948 فقط، هدفه تقليص عدد اللاجئين من 7 مليون لاجىء إلى بضعة آلاف.
فالاتفاقيات الإبراهيمية ليست مجرد تطبيع، بل مشروع استعمار سياسي–اقتصادي–ثقافي لإعادة تعريف المنطقة واستبدال هويتها الحضارية، وتحويل “إسرائيل” إلى مركز قيادة إقليمي، وإلحاق الأنظمة والنخب العربية بسوق تديرها إسرائيل نيابة عن التحالف الاستعماري الغربي. وهذا يتطلب نزع السيادة الوطنية من الداخل، ليس فقط عبر الحرب، بل من خلال الاقتصاد والثقافة والخطاب الديني الجديد.
الدولة الأمنية بلا سيادة: سوريا نموذجا
ما يجري في سوريا حاليا من إعادة إنتاج “الدولة الأمنية بلا سيادة” هو تجلّ لهذا المشروع. فمنذ بدايات البعث ثم الأسدية، جرى تسويق النظام كـ
“قلعة للمقاومة”، ما منحه شرعية رمزية، لم تترجم إلى مشروع تحرري. بل استخدمت لتكريس سلطة أمنية مغلقة. ومنذ العام 2005 (بعد اغتيال الحريري واخراج سوريا من لبنان) بدأ النظام بالانكفاء وبناء معادلة “الاستقرار مقابل الصمت”، ثم بعد 2011 تحول إلى رهينة لتحالفات دولية وإقليمية، ولم يتعامل مع الثورة كصرخة شعبية تحررية، بل كـ “مؤامرة” ولجأ إلى القمع والتدمير الشامل، ما أنتج دولة أمنية بلا مضمون سيادي أو مشروع وطني مستقل. لقد مثلت “المقاومة اللفظية” للنظام السوري أحد أبرز أدوات شرعنته عربيا، لكنها لم تترجم يوما إلى استراتيجية تحرر وطنية أو قومية. بل شكلت غطاء لسحق الداخل باسم الخارج، وتحولت إلى مجرد خطاب يغذي البنية الأمنية، ويمنع أي مساءلة سيادية. وهنا، تصبح “الممانعة” خطابا وظيفيا يخدم المشروع الذي يدعي مقاومته.
في هذا السياق التحليلي، تحولت سوريا إلى نموذج حي للدولة الأمنية بلا سيادة شعبية، بل هي أقرب إلى “أمن خارجي مؤطر” من خلال أجهزة متعددة مرتبطة بقوى دولية وإقليمية (روسيا، إيران، تركيا، الخليج، وحتى إسرائيل). والنظام لم يعد ضحية المشروع الاستعماري، بل صار جزءا وظيفيا منه، إذ أنتج دولة أمنية تحاكي الاستراتيجية الصهيونية- الغربية: تفكيك السيادة، تحييد فلسطين، إبقاء الشعب في حالة إنهاك دائم، والانخراط في السلام الإبراهيمي عمليا عبر التنسيق الأمني مع إسرائيل بدون إعلان رسمي. إن هذه البنية الأمنية لم تعد مجرد أداة للدولة، بل تحولت إلى “بنية فوق- دولتية” أو “مركب سلطوي” يضمن استمرار الهيمنة ولو بغياب الدولة نفسها، بما يحاكي النموذج الإسرائيلي في السيطرة دون سيادة معلنة.
لذلك، فإن أي مشروع تحرري فلسطيني أو عربي لا يمكن أن يتجاهل سوريا أو يتكل عليها كحليف، بل يجب إدماج تحرير سوريا كجزء من تحرير فلسطين، معتبرين أنّ الدولة الأمنية المعاد إنتاجها هي مشكلة مركزية أمام أي مقاومة فعالة. وفي هذا الإطار، لم يعد كافيا نقد الدولة الأمنية على أنها فضاء قمعي تابع للدولة، بل يتوجب تفكيك تموضعها الجديد كبنية فوق -سيادية، تستمر حتى بغياب الدولة الرسمية. وهذا يفتح سؤالا نظريا وسياسيا: كيف نواجه سلطة لا تحكم باسم الأمة، ولا تمثل سيادتها، لكنها تمارس أفعال الدولة نفسها؟
الفاعلون الآخرون: المعارضة المسلحة، الإسلام السياسي، التدخلات الإقليمية
- فقدت المعارضة المسلحة شرعيتها بفعل التشرذم، وغياب قيادة مستقلة، ورهانها على الدعم خارجي. هذا أفقدها القدرة على بلورة مشروع سوري تحرري جامع، وأدخلها ضمن لعبة الحسابات الإقليمية والدولية.
- انزلق الإسلام السياسي في خطاب عقائدي لا صلة له بالمشروع الوطني الديمقراطي، غذّى الطائفية، وبدد عنصر الوحدة الوطني تحت شعارات دينية.
- تنافست الدول الخليجية على استقطاب الفصائل، مدفوعة بصراعاتها البينية وليس بالمصلحة الوطنية السورية.
- استغلت تركيا المعارضة لخدمة أجنداتها في الشمال، وانتهاج ازدواجية في السياسة بين دعم الثورة، وتوظيفها لتحقيق مصالح خاصة.
- لعبت إيران دورا أساسيا في تحويل سوريا إلى ساحة مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وشرعنت وجود الميليشيات، مما أخفى استقلالية النظام، وعمّق الأبعاد الطائفية للصراع.
خطورة انزلاق الخطاب: من “العدو المركزي” إلى “المصالح المشتركة”
الملاحظة الرابعة تتعلق بالانتقال الحاد في الخطاب الرسمي الفلسطيني والعربي، من اعتبار الكيان الصهيونى كعدو مركزي يجب مواجهته، إلى قبول المصالح المشتركة مع إسرائيل، وهو تحول لا يعكس فقط تغير المواقف، بل تنازلا كاملا عن الرؤية التحررية لصالح تسوية قابلة للإدارة، وليس للتغيير الجذري والتحرر. هذا الانزلاق هو الغطاء الأيديولوجي للتطبيع، وتحويل فلسطين من مشروع تحرري وطني إلى ملف إداري للتسوية.
ختاما، إن تفكيك المخيمات وتحييد الذاكرة الفلسطينية، وإعادة إنتاج الدولة الأمنية بلا سيادة، ليست حوادث متفرقة، بل حلقات في مشروع استعماري يستهدف استبدال الهوية الحضارية الأصيلة للمنطقة العربية – الإسلامية بهوية شرق أوسطية هجينة. وإعادة تشكيل المنطقة وفق مقاس التحالف الأمريكي – الصهيوني.
ومن هنا، فإن استعادة فلسطين كثقافة نضال ومخيلة جماعية، وربطها بسوريا والعراق ولبنان واليمن في معركة واحدة، هو الشرط الأول لأي مشروع تحرري عربي جديد. مشروع يعيد الاعتبار للمخيم كحاضنة للمخيلة، وللشعب كمصدر للشرعية، وللمقاومة كأفق تحرر وليس كوسيلة توظف سلطويا. وهذا يقتضي:
- إعادة بناء تحالف شعبي عربي يتجاوز الأنظمة والنخب التابعة.
- استعادة المخيم كمركز للمخيلة المقاومة وليس كمجرد رمز.
- صياغة خطاب ثقافي وديني جديد يناهض “الإبراهيمية السياسية”.
- ربط فلسطين بالعمق العربي ضمن مشروع مقاومة حضاري وسياسي طويل النفس.
وما بين مقالة خالد وملاحظاتي تتبلور رؤية مشتركة: فلسطين ليست مجرد ملف تفاوضي، بل محور صراع بنيوي شامل. والرد على مشروع السلام الإبراهيمي لا يكون بالاكتفاء بكشف المخططات، بل ببناء مشروع تحرري عربي جديد يعيد الاعتبار للسيادة والذاكرة والوعي، ويربط كل بلد عربي بسؤال الحرية والكرامة والنهضة.