يأتي هذا المقال استكمالًا لما طُرح في مقالي صباح اليوم، المعنون: “القاتل حَكَمًا ووسيطًا بين وكيله التنفيذي وضحيتهما الفلسطينية”، الذي تناول دور الولايات المتحدة باعتبارها القاضي والجلّاد، حيث تواصل دورها كمهندس وداعم ومسلّح رئيسي للنكبة المستجدة الجارية في قطاع غزة، وتتقمص بوقاحة دور الوسيط.
الفيتو الأمريكي الخامس خلال حرب الإبادة، ضد مشروع القرار الذي صوّت عليه العالم في مجلس الأمن ـ والذي اقتصر على الحد الأدنى من المطالب: وقف فوري لإطلاق النار، إطلاق سراح الجنود الإسرائيليين المحتجزين، ودخول المساعدات الإغاثية / الغذائية والطبية / ووقف تجويع المدنيين، والالتزام بنفاذ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ـ جاء ليؤكد مجددًا أن النظام الدولي في حالة موت سريري، ويسقط أوهام مواصلة التعويل على المنظومة الأممية المشلولة.
لكن الأخطر من الفيتو ذاته، كان ردود الفعل الرسمية الهزيلة، الفلسطينية والعربية والدولية، التي اقتصرت على بيانات شجب واستنكار مرتعشة، مترددة، بل متواطئة. فبدلًا من أن تكون لحظة الفيتو محطة تحوّل في الوعي والموقف، جاءت الردود انعكاسًا لحالة عميقة من الشلل والارتهان، والتكيّف مع منطق الهيمنة، بل والمساومة على الدم الفلسطيني باسم “الواقعية” و”الحسابات الضيّقة”.
وعليه، فإن مواجهة هذا الطغيان لا تكون عبر المزيد من الدوران في حلقة الدبلوماسية العقيمة أو المؤسسات الميتة، بل عبر كسر منطق الهيمنة ذاته، وبناء أدوات فعل بديلة خارج النظام الدولي المعطوب. ليس فقط من منطلق أخلاقي، بل كخيار سياسي واستراتيجي لا مفرّ منه.
لم تعد مواجهة الفيتو الأمريكي ممكنة داخل أروقة الأمم المتحدة:
لا في مجلس الأمن، حيث تُجهض القرارات،
ولا في الجمعية العامة، حيث تفقد النصوص أي أثر فعلي.
فالنظام الدولي برمّته عاجز عن وقف المجازر، أخرس أمام الإبادة، وأعمى عن جرائم الاحتلال.
المعركة ليست هناك، ولا تُحسم في قاعات مؤتمرات خرساء.
والطغيان الأمريكي الصهيوني لا يُواجَه باستصدار قرارات جديدة، أو بعقد مؤتمرات جديدة، كما يخطط فاعلون فلسطينيون وعرب ودوليون، بل بأدوات ضغط تخرج من رحم الشعوب، لا من مكاتب الدبلوماسية المشلولة:
• بانتفاضة شعبية تبدأ من فلسطين، وتمتد إلى الشارع العربي والإسلامي، وتتصل بالغضب المتصاعد في الجنوب العالمي.
• بدعم الحراك الشعبي المتنامي في الدول الغربية، لا سيّما في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، حيث تتآكل الشرعية الصهيونية والإسرائيلية تحت وقع الاحتجاجات الطلابية والنقابية والعمالية.
• بفرض حظر على تصدير السلاح للمستعمرة الصهيونية.
• بالمقاطعة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لدولة الإرهاب الصهيوني.
• بتفعيل الملاحقات القانونية بحق مرتكبي جرائم الإبادة، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، ومن يدعمهم، ومن يبرر أفعالهم.
• بنزع الشرعية عن السرديات المضلّلة التي تستدعي المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة لتبرير الجرائم باسم “الدفاع عن النفس”، في تجاهل صارخ لجوهر القانون الدولي والقانون الإنساني.
لقد تحوّل استدعاء هذه المادة إلى غطاء قانوني زائف لجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي يرتكبها المستوطنون الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني، صاحب الأرض. وباتت “الشرعية الدولية”، كما تعيد واشنطن إنتاجها، أداة قمع لا حماية، وشريكًا لا حَكَمًا.
وعليه، فإن من يُساوي بين الجلاد والضحية – أياً تكن قوميته أو دينه أو مذهبه – هو شريك في الجريمة.
ومن يتواطأ في سحق المدنيين بذريعة “عدم مكافأة الإرهاب”، هو شريك في الإرهاب، لا حامٍ للأمن.
ومن يلتزم الصمت باسم الحياد، هو شاهد زور على مذابح العصر.
إن خيارنا ليس البقاء في قاعة الانتظار الدولي، بل التحرّر من لغة القوة التي تصوغ القرارات، وبناء قوة اللغة التي تصنع التاريخ.