انعقدت الدورة الثانية والثلاثين للمجلس المركزي، 23-24/4/2025، بعد أكثر من ثلاث سنوات من تصاعد العدوان الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري على الشعب الفلسطيني، لحسم الصراع الذي استدام أكثر من قرن، وتنامي الإخفاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية الفلسطينية في مواجهته. فشلت خلالها كافة الجهود المبذولة لإنهاء الانقسام في النظام السياسي الفصائلي الفلسطيني، وتفاقم التشظي الفلسطيني، واتسعت الفجوات بين مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، وتعمق الانفصال الجغرافي والديموغرافي والاقتصادي بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، وبين التجمعات السكانية داخلهما، وتنامى الصراع الاستقطابي والإقصائي بين الفصائل والتنظيمات، وبين التيارات والأفراد داخلها، وازداد الاختراق الخارجي الإسرائيلي والعربي والإقليمي والدولي.
وبعد مرور 565 يوماً على حرب الإبادة الجماعية والتدمير والتطهير العرقي والتهجير في قطاع غزة ومخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية خصوصاً، لاجتثاث الشعب الفلسطيني جغرافياً وديموغرافياً وحضارياً، وتصفية القضية الفلسطينية لاستكمال إعادة هندسة المنطقة العربية الإسلامية الممتدة، وإخضاع شعوبها ودولها لتسييد الكيان الصهيوني عليها، وإدامة الهيمنة الأمريكية والغربية عليها، وتعطيل انبثاق النظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب الذي بات وشيكاً.
وعليه، فإن القراءة النقدية لخطاب الرئيس محمود عباس في افتتاح الدورة الثانية والثلاثين للمجلس المركزي، تستوجب الاسترشاد بمعايير موضوعية لما يفترض أن يتضمنه خطاب الرئيس أمام المجلس المركزي (الذي فوضه المجلس الوطني الفلسطيني، الإطار السياسي الإشرافي والرقابي الأعلى في منظمة التحرير الفلسطينية، في دورته الأخيرة الثالثة والعشرين عام 2018 بكامل صلاحياته)، في مرحلة هي الأخطر في تاريخ الشعب الفلسطيني منذ بدء الغزو الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري أواخر القرن التاسع عشر.
وكان يتوقع أن ينحو الرئيس في خطابه الافتتاحي للمجلس المركزي الفلسطيني، الذي طال انتظار الشعب الفلسطيني لانعقاده في مرحلة هي الأخطر والأصعب في تاريخه ويراقبه العالم أجمع، لاستثمار التضحيات الهائلة للشعب الفلسطيني، وتوظيف مقاومته الباسلة وصموده الأسطوري، والحضور الطاغي للقضية الفلسطينية، الذي يتزامن مع تحولات تاريخية فلسطينياً وإسرائيلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، لتحديد مواقف القيادة الفلسطينية اتجاه التحديات الكبرى الداخلية والخارجية في مرحلة مفصلية، يواجه فيها الشعب الفلسطيني خطراً وجودياً جغرافياً وديموغرافياً وحضارياً.
ما يفترض معه تضمين الخطاب الموجه للشعب الفلسطيني تقييماً شاملاً للوضع الوطني بصدق وشجاعة، عبر مراجعة نقدية شاملة مستحقة لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية على مدى أكثر من قرن، ولتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة على وجه الخصوص.
وتناول نجاحاتها المهمة التي حفظت الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة، وحمت التماسك المجتمعي رغم تمزيق الوطن وتشتيت الشعب، وحافظت على الوجود الوطني الفلسطيني الفاعل رغم تآمر القوى الدولية المتنفذة وتواطؤ الكون عليه، وتناول إخفاقاتها في مواجهة التحديات ووقف تقدم المشروع الصهيوني بالمواجهة والمهادنة على السواء.
وبيان الأسباب الموضوعية والذاتية لإخفاق منهجي المقاومة والتسوية التفاوضية بطريقة مسؤولة، دون تهويل أو تهوين، لأهمية ذلك في تأكيد مصداقية القيادة وجديتها في تحقيق نقلة نوعية في الأداء الفلسطيني يرقى إلى مستوى اللحظة التاريخية الفاصلة، ولاستعادة الثقة الشعبية بجدارتها وقدرتها على حماية المصالح والحقوق الوطنية الفلسطينية.
واستخدام لغة قوية تزرع الأمل الوطني، وتؤكد على وحدة الشعب داخل الوطن وخارجه، في الميدان والشراكة في القرار، وحقه المشروع في المقاومة بكافة أشكالها، الذي كفلته الشرعية والاتفاقات والقوانين الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وأن الصمود والمقاومة بكافة أشكالها قادران على تغيير المعادلة مهما بلغت الصعوبات، وتحمل المسؤولية الشخصية والمؤسساتية، والابتعاد عن الانفعال والعشوائية والانتقائية والاتهامات المهينة، والحفاظ على الهيبة الرئاسية، والحديث بثقة وهدوء يحشدان القوة لا الخوف، والعزم على مواجهة التحديات الجسام، الداخلية والخارجية، بتحقيق وحدة وطنية حقيقية قائمة على المصير المشترك، وليس على المحاصصة السياسية والفصائلية، والدعوة إلى نبذ كل الخلافات الداخلية فوراً، والإعلان عن خطة عمل واضحة لتحقيق الوحدة.
وتوجيه رسالة واضحة للعالم العربي والإسلامي بوحدة المستقبل والمصير، حيث المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري يستهدفهم جميعاً عبر فلسطين، التي تقع على خط الدفاع الأول عن عموم المنطقة العربية الإسلامية، التي تقع في مركز العالم، وتشرف على خطوط التجارة والملاحة والمواصلات والاتصالات الدولية، وتمتلك ثروات طبيعية ومعدنية وفيرة، وطاقة أحفورية تشكل عصب الاقتصاد الدولي، باحتياطيات مؤكدة هي الأضخم عالمياً والأقل كلفة استخراجية.
ما يجعل السيطرة عليها عنصراً حاسماً في ترجيح موازين القوى الدولية. ففلسطين لم تُستهدف يوماً لذاتها، وإنما لفرادة موقعها الجيو استراتيجي والحضاري في مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري، فضلاً عن قداستها الدينية كمهد للديانات السماوية الثلاث التي يدين بها ثلاثة أرباع البشرية، ما جعل استعمارها واستيطانها بمكون عازل غريب مغاير عرقياً وحضارياً، كما يدلل التاريخ قديماً وحديثاً، هدفاً مركزياً للقوى الدولية الساعية للسيطرة العالمية، أياً تكن هويتها، لإخضاع جميع شعوب ودول المنطقة، ومنعهم من استعادة وحدتهم الجغرافية والديموغرافية والحضارية والسياسية والاقتصادية.
ومخاطبة المجتمع الدولي بلغة القانون والعدالة والحق والقيم الإنسانية، لا بلغة الاستعطاف والاستجداء، ومساءلة الدول والمؤسسات عن تواطئها وانحيازها وصمتها، باستدعاء المبادئ الدولية وحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وقرارات الشرعية الدولية الواجبة التنفيذ، وتوجيه رسالة واضحة بتعذر تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة غير القابلة للتصرف، ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير في أي ترتيبات إقليمية ودولية، وإبداء الجاهزية الفلسطينية للتعامل الخلاق مع الحقائق الديموغرافية القائمة في فلسطين، عبر تساوي حقوق الجميع في الحياة والحرية والكرامة الإنسانية، وتفكيك النظام الاستعماري العنصري الصهيوني، والتساوي أمام القانون.
وعليه، وبالنظر إلى أن الحكم على الخطاب السياسي يكمن في وضوحه وتماسكه وتناسبه مع لحظته السياسية وتأثيره، وقدرته على مخاطبة جمهوره المحلي والدولي بلغة سياسية واضحة وبليغة ورصينة تظهر رؤيته للمستقبل، فإن تقييم خطاب الرئيس محمود عباس، ودون الإسهاب في تناول مضمونه ولغته، وفي الرسائل التي أراد الرئيس توجيهها للشعب الفلسطيني وقواه السياسية أولاً، وللعرب ثانياً، ولإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وعموم التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري ثالثاً، وللإقليم والعالم عموماً، يفترض به أن يتم في ضوء الإجابة على الأسئلة الرئيسية التالية:
1- مضمون الخطاب: هل تمكن من تناول القضايا الأساسية، وتقديم مواقف واضحة بشأنها، ومبادرات سياسية لحلها؟
2- التوقيت والسياق: هل ارتقى الخطاب إلى مستوى المسؤولية التاريخية في ظل حرب الإبادة والتطهير العرقي المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية للشهر التاسع عشر؟ وهل حمل تصوراً لصناعة واقع جديد؟
3- لغة الخطاب: هل كانت تصالحية أم هجومية؟ توحيدية أم تفريقية؟ احتوائية أم تحريضية؟ رصينة أم مبتذلة؟
4-وظيفة الخطاب: هل حقق هدفه بتقوية الشرعية السياسية للقيادة الفلسطينية أم أضعفها؟ وهل ساهم في حل الأزمة الفلسطينية أم زاد من تعقيدها؟
5- تأثير الخطاب:
فلسطينياً: هل أسهم في تحقيق الوحدة الوطنية أم في تعميق الانقسام؟ وهل تمكن من جسر الفجوة بين القيادة والشعب أم أسهم في تعميقها؟
إسرائيلياً: هل أسهم الخطاب في ردع العدو وإجباره على مراجعة سياساته وسلوكياته العدوانية؟ أم عزز اعتقاده بإمكانية توظيف التشظي الفلسطيني لتصعيد عدوانه؟
عربياً: هل تمكن الخطاب من طمأنة الشعوب والدول العربية باقتراب التعافي الفلسطيني من خطر الاستقطاب والانقسام المدمر؟ أم فاقم مخاوفهم من تداعياته على القضية الفلسطينية وعليهم؟
دولياً: هل ساهم الخطاب في تعزيز السردية الفلسطينية؟ أو في تعزيز التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني؟
وبمتابعة ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسرائيلية والإقليمية والدولية، التي يتعذر تناولها في هذا المقال، ويمكن لأي مهتم الاطلاع عليها في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، يمكن القول بدون تحفظ إن خطاب الرئيس محمود عباس في افتتاح الدورة 32 للمجلس المركزي، لم ينجح بالمعنى الاستراتيجي، على المستويين الداخلي والخارجي، وإن نجح في تحقيق هدفه باستحصال موافقة المجلس المركزي على استحداث منصب نائب الرئيس، الأمر الذي فاقم الغضب، وعزز القلق الفلسطيني، وقوض شرعية النظام السياسي الفلسطيني، باعتبار الشرعية علاقة تبادلية بين القادة والشعب، وعملية تطورية قابلة للنمو أو التضاؤل، اعتماداً على عناصر رئيسية ثلاث: العنصر القانوني المتعلق بمدى توافق طريقة وأسلوب الوصول إلى القيادة وممارستها وتوافقها مع مبادئ القانون، وعنصر التمثيل المتعلق بمدى اقتناع وقبول الشعب للقيادة، وعنصر الإنجاز المتعلق بمدى إنجاز القيادة لما هو منتظر منها من قبل الشعب.
وفي الختام، فإن المرحلة التاريخية الأخطر التي يمر بها الشعب الفلسطيني تتطلب منا جميعاً الارتقاء إلى مستوى تضحيات الشعب الفلسطيني العظيم، بمراجعة نقدية جادة لتجربتنا النضالية الطويلة، وتوظيف دروسها في بلورة رؤية نهضوية تحررية ترتكز على الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير، وتحقيق الوحدة الوطنية الحقة على قاعدة الشراكة في الميدان وفي القرار وفي التأسيس للمستقبل، واتخاذ خطوات حاسمة نحو التغيير الضروري قادة وقوى سياسية وجماهير لصنع التغيير. فالتحديات الجسيمة التي نواجهها اليوم يفترض بها أن تكون حافزاً لإعادة بناء الذات.
لقد أثبت شعبنا الفلسطيني المناضل القابض على الجمر، في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس وداخل مناطق 1948 والشتات، أنه قادر على الصمود والمقاومة. ففي قلب كل محنة يكمن الأمل بالمستقبل، لكن هذا الأمل يحتاج رؤية وطنية تحررية جامعة لكافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، وفقاً للقاسم المشترك الأعظم، وقيادة مؤهلة ومعارضة مسؤولة تديران الاختلافات في إطار الوحدة والمصلحة الوطنية العليا.
في خضم التضحيات الجسيمة التي ما يزال شعبنا الفلسطيني يقدمها على امتداد أكثر من قرن، ووسط الأهوال التي يعانيها من إبادة جماعية وتطهير عرقي، وتهجير وتدمير، تكمن قوة نهوضه المستقبلي في تلك الروح الصامدة والإرادة التي لا تنكسر. الطريق صعب وطويل، لكن لدينا الإيمان اليقيني بتفوق قوة الحق على حق القوة مهما طال الزمن وعظمت التضحيات، ولدينا الإرادة والعزيمة لبلوغها، ولدينا الفرصة للنهوض، وبناء فلسطين جديدة، تتحقق فيها الحرية، والعدالة، والكرامة.
وستبقى فلسطين، كما كانت عبر تاريخها الممتد لآلاف السنين، عصية على الزوال، وسيبقى شعبها العربي الأبي الصامد المرابط على أرضه عصياً على الفناء.