تقديم:
مقال جيف هالبر الذي نشره على موقع كاونتر بنش ينطوي على أهمية فائقة سواء من حيث:
– أولا: موضوعه الذي يسلط الضوء على اختلال النظام الدولي القائم، واحتكامه لقانون الغاب الذي يتيح للقوي تقويض أسس القانون الدولي، سواء عبر فرض تفسيراته لمقاصد القانون وفقا لمصالحه. أم من خلال منع إنفاذه لإنصاف الضعيف.
– ثانيا: تعريفه لمصطلح الإرهاب، والتمييز بين مفهومين متعارضين، إذ يجري تعمد الخلط بين الإرهاب الإجرامي كسبيل لتحقيق أهداف خاصة (مثل الربح والجشع والعداء والكراهية والانتقام والنزاعات الشخصية أو العائلية وما إلى ذلك)” وهذا الإرهاب مجرم قانونا. وبين الإرهاب المرادف للعنف” لأسباب سياسية وحقوقية مشروعة، والذي يمثل للشعوب المضطهدة عنصرا استراتيجيا في محاولتها للحصول على حقوقها الإنسانية والوطنية والثقافية والدينية والمدنية الأساسية، عندما تكون القنوات السلمية لمعالجة مظالمها مسدودة أو غير موجودة. وتؤدي إلى تجريدها وحرمانها من حقها في مقاومة الاستعمار والقمع والاستبداد. حيث حق الشعوب في المقاومة حق أصيل ويمثل التأكيد الأسمى على حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف، وهو جزء أساسي من المفهوم السياسي لحقوق الإنسان، الذي يجسده القانون الدولي الإنساني والمعاهدات والمواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة المستندة إلى المادة 1 (2) من ميثاق الأمم المتحدة التي تتطلب “احترام مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وتقرير مصيرها وإعلان منح الاستقلال” للدول والشعوب المستعمرة.
وقد أعاد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 37/43 الصادر عام 1987، التأكيد على “شرعية كفاح الشعوب من أجل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي بجميع الوسائل المتاحة،بما في ذلك الكفاح المسلح”.
– ثالثا: المقارنة بين إرهاب الجهات غير الحكومية وبين إرهاب الدولة. والإشارة الواضحة إلى إرهاب الدولة باعتباره “إبادة جماعية”، أو “قتل متعمد من جانب الحكومة لشخص أو شعب أعزل”. فعلى مدار القرن العشرين، قتل 170 ألف شخص بريء على أيدي إرهابيين من غير الدول، فيما قتل على يد الدول خلال الفترة ذاتها 272 مليون شخص بريء (وربما ما يصل العدد إلى 400 مليون شخص)، (مقابل 41 مليون شخص قُتلوا في صراعات مسلحة).
– رابعا: تسليط الضوء على قواعد القانون الدولي الإنساني التي تنص على منع الدولة من اتخاذ إجراءات عسكرية أو غيرها من الإجراءات القسرية لقمع الممارسة المشروعة للشعوب الساعية لبلوغ حقها في تقرير المصير. إذ يعترف القانون بأن الشعوب التي تمارس حق تقرير المصير لديها ترخيص للانخراط في الكفاح المسلح لحماية نفسها، ولمواجهة القمع العنيف من قبل الدولة القمعية. ومنع الدول الثالثة ،أيضا، من تقديم الدعم للدول القمعية لمساعدتها في قمع ممارسة الشعوب لحقها في الاستقلال الذاتي. بمعنى أن الأمرلا يقتصر على منع الدول من حرمان الناس من حقهم في تقرير المصير، بل ولا يمكنهم أيضا إحباط أي محاولة من جانب الشعب المحتل لممارسة حقه في تقرير مصيره. وقد أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1987 جميع أعمال الإرهاب- باستثناء أولئك الذين يناضلون من أجل حق تقرير المصير ضد الأنظمة الأجنبية والعنصرية – باعتبارهم “مجرمين”. (ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا الدولتين الوحيدتين اللتين صوتتا ضد القرار).
– خامسا: المقارنة بين “إرهاب” حماس في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر/ الذي أسفر عن مقتل 865 مدني إسرائيلي (نحو نصفهم قتلهم الجيش الصهيوني، وغالبية النصف الاخر قتل خلال الاشتباكات/ توضيح المترجمة). بالمقارنة مع 23.000 من سكان غزة الذين قتلوا على يد الجيش الإسرائيلي، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال. (وصل الرقم اليوم إلى أكثر من 25.000 شهيد، و7.000 مفقود تحت الركام، وأكثر من 63.000 جريح)
– سادسا: الإشارة إلى الثغرة السياسية والحقوقية الخطيرة في النظام القانوني الدولي” حيث يوجد الإطار القانوني الذي يحدد الحقوق الأساسية، بما في ذلك حقوق الشعوب المضطهدة- ويقدم بعض الحماية على الأقل -إن لم يكن سبل الإنصاف – غير أن النظام القانوني الدولي بالغ الضعف، لأنه يعتمد على الدول في مراقبة نفسها وعلى بعضها البعض.
ويفشل لأسباب سياسية في إرغام الدول المتواطئة في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية على الكف عن ارتكاب هذه الجرائم، أو في معاقبتها إذا لم تفعل ذلك.
– سابعا: رغم وجود العديد من السبل الرسمية “المشروعة” للانتصاف. بموجب “الولاية القضائية العالمية”. فإن فكرة أن بعض الجرائم – مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والتعذيب – تتسم بخطورة استثنائية بحيث يتعين على جميع المحاكم الوطنية النظر في مثل هذه القضايا حتى لو كانت تتعلق بمواطنين أجانب أو حكومات أجنبية. ولكن من الناحية العملية، فإن القليل من المحاكم تفعل ذلك بالفعل. بل أن بعض البلدان في الواقع ألغت الولاية القضائية العالمية (بلجيكا، وإستونيا)، أو قيدت نطاقها (بريطانيا، وأسبانيا، وألمانيا)، أو لم تدرجها قط في نظامها القانوني (الولايات المتحدة).
– ثامنا: توقيت صدور المقال، الذي يستبق قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي وهي أعلى محكمة في العالم. والمكان الذي يتم فيه الحكم على الدول نفسها. والمفترض صدوره يوم غد في 26/1/2924 بشأن الدعوى التي رفعتها جمهورية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب جريمة «إبادة جماعية» ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. ومن المعلوم أن تعيين القضاة يتم من قبل الحكومات، وغالبا ما يصدرون أحكاما ذات طابع سياسي. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه حتى في حالة صدور قرار منصف عن محكمة العدل الدولية. ووصوله إلى مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لفرض العقوبات التي أمرت بها المحكمة. فمن الممكن أن يعترض عليه أي من الأعضاء الخمسة الدائمين. وقد سبق للولايات المتحدة الأمريكية أن استخدمت منذ العام 1945 حق النقض (الفيتو) ضد قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 89 مرة. وكان أكثر من نصفها (45 حتى كانون الثاني/يناير/ 2024) ضد قرارات تنتقد إسرائيل، حيث توفر الولايات المتحدة الأمريكية لها حصانة استثنائية من نفاذ القوانين والقرارات الدولية. ويتعلق 33 من قرارات النقض الأمريكية بشكل مباشر بالاحتلال الإسرائيلي الناشىء عام 1967 وممارساته ضد السكان الفلسطينيين. وتنتهك إسرائيل 31 قرارا لمجلس الأمن، وهو أكبر عدد من قرارات أي دولة أخرى، دون خوف من العقوبات). وكل هذا يؤدي إلى إضعاف نظام الامتثال للقانون الدولي الإنساني، وبالتالي إعطاء الترخيص للدولة المخالفة.
– تاسعا: تقاعس المجتمع الدولي في تطبيق الاتفاقيات، إذ تنص اتفاقية جنيف الرابعة على عقد اجتماعات لأطرافها السامية المتعاقدة من أجل معاقبة الدولة التي ترتكب الانتهاكات الجسيمة. وقد انتهكت إسرائيل منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية في العام 1967، بشكل منهجي أهم مواد الاتفاقية، وخاصة فيما يتعلق:
– بضمها غير القانوني للقدس الشرقية.
– وبناء مستوطناتها الضخمة غير القانونية في الضفة الغربية.
– وهدم عشرات الآلاف من منازل الفلسطينيين.
– واعتداءاتها القاتلة على المراكز السكانية الفلسطينية (وهذا ما نشهده في غزة)
– تعطيل تنمية الاقتصاد الفلسطيني. وجميعها انتهاكات جسيمة للاتفاقية، بما في ذلك لمسوولياتها كسلطة احتلال عن أمن وسلامة ورفاهية الشعب المحمي الخاضع للاحتلال.
– عاشرا: إيجاز النتائج الاستراتيجية التي أسفرت عنها عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر/، رغم الخسائر الباهظة التي ما يزال يتكبدها الشعب الفلسطيني بما يلي:
– حفظ البقاء السياسي للشعب الفلسطيني وهو أمر كان متعذرا تحقيقه من خلال أي من القنوات السياسية والديبلوماسية المشروعة” التي يوفرها نظام حل النزاعات الذي تديره الدول والنداءات لتنفيذ للقانون والقرارات الدولية أو المفاوضات بحسن نية. فبعد أكثر من 75 عاما (منذ العام 1948) من الاحتلال العنيف والتهجير وفقدان الأراضي والتراث الوطني ــ على يد دولة عضو في الأمم المتحدة، دون أي قيود على الإطلاق من جانب المجتمع الدولي (وبدعم نشط منه). كان الفلسطينيون على حافة المحو شعبا واعتبارا سياسيا.
– إيقاف عملية “التطبيع” التي تتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني وترعاها الولايات المتحدة بين إسرائيل- التي تسيطر الآن بشكل دائم على كامل فلسطين الانتدابية – والدول العربية المؤثرة ، إذ كانت المملكة العربية السعودية توشك على التوقيع على اتفاق التطبيع قبل قيام الدولة الفلسطينية.
– نجاحها في تفعيل محور المقاومة وخصوصا من اللاعبين الأقوياء من غير الدول مثل حزب الله.
– حشد الضغط الشعبي العربي والإسلامي-على الأقل -لضمان الدعم الضمني لحكوماتهم.
– حولت عملية طوفان الأقصى حماس من حركة ”إرهابية”هامشية ومنبوذة، إلى حركة تحرر وطني ومقاومة فعالة ضد القمع الإسرائيلي في موقع قوة رسمية.
– تهيئة حماس للانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية المتجددة-على سبيل المثال- أو جعلها عنصرا لا غنى عنه في أي حكومة فلسطينية مستقبلية.
– حفز الدعم العالمي للقضية الفلسطينية.
– إظهار قدرة مقاومة الطرف الضعيف والمضهد على تعطيل نظام الصفقات القائم على السياسة القائمة على القوة.
– حادي عشر: الإجابة بالنفي حول التساؤل فيما إذا كان هناك بدائل اخرى غير المقاومة والكفاح المسلح أمام الشعوب الخاضعة للاحتلال لبلوغ حقوقها. في ضوء انغلاق السبل السياسية. وحيث لا وزن ولا أهمية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والعدالة الأساسية. وفي ضوء افتقار النظام الدولي إلى السبل الفعالة لإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الحياة والحرية وتقرير المصير.
* وفيما يلي ترجمة للمقال:
تبدو المسألة بسيطة ومباشرة إلى حد ما.
في ظاهر الأمر، الإرهاب أمر سيء، بل ومروع. إن قتل الأبرياء أو إيذائهم أمر خاطئ أخلاقيا ولا يمكن الدفاع عنه، مهما كانت الظروف. منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر/ الذي شنته حماس على مدنيين إسرائيليين، أدان المسؤولون الإسرائيليون الإرهابيين بعبارات لا لبس فيها. وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت: “أننا نحارب حيوانات بشرية”.
أين تذهب من هناك؟
حسنا، في عدة أماكن. إذا كنا صادقين بشأن “مكافحة الإرهاب”، فيتعين علينا أن نفهم مبرراته، وأن نقدم سبلا بديلة للانتصاف. وعلينا أن نفهم أن الإرهاب يمثل في كثير من الأحيان بالنسبة للشعوب المضطهدة عنصرا استراتيجيا للكفاح المسلح والمقاومة في جهودها للحصول على حقوقها الإنسانية والوطنية والثقافية والدينية والمدنية الأساسية. لا سيما عندما تكون القنوات السلمية لمعالجة مظالمها مسدودة أو غائبة تماما.
ويجب علينا أيضا أن نأخذ في الاعتبار أنه على الرغم من البنية الرائعة للقانون الدولي الإنساني، التي تهدف إلى ضمان وحماية الحقوق الفردية والجماعية حتى أثناء الصراعات والحروب العنيفة، فإن نظام إنفاذ القانون الدولي الإنساني ضعيف. ولا يعتمد تنفيذه على الدول التي خلقت ونفذت الظروف القمعية في المقام الأول فحسب، بل إنه موجود في نظام سياسي قائم على الممارسات، حيث لا تشكل القواعد العالمية القائمة على الحقوق في الواقع سوى القليل.
يتعين علينا أن ندرك أن إرهاب الدولة يفوق بكثير إرهاب الجهات الفاعلة غير الحكومية من حيث نطاقه وقدرته على القتل وتأثيره السياسي. إن إسناد الإرهاب إلى “الحيوانات البشرية” يضع اللوم عن فظائعه على عاتق الجهات الفاعلة غير التابعة لدول بعينها، أي ضحايا النظام الدولي القائم على الدولة، في حين يؤدي بشكل فعال إلى نزع الشرعية عن المظالم أو التطلعات السياسية التي تكمن وراءه. إن تحليل الإرهاب الذي يعترف به باعتباره شكلا استراتيجيا ومبررا في كثير من الأحيان، وإن كان غير قانوني بطبيعته، من أشكال العنف السياسي، يركز على الأقل على طبيعته السياسية، وبالتالي يمكننا ليس من “مواجهته” أو إدانته فحسب، بل من خلال إعادة هيكلة القانون الدولي الإنساني وقانوننا الدولي. واستخدام آليات حل النزاعات، بحيث يتم القضاء على الإرهاب السياسي من خلال توافر سبل أكثر سلمية للعدالة والإنصاف.
وهنا أريد أن أوضح أننا نتحدث عن إرهاب سياسي مندمج في صراعات ذات أهداف سياسية واضحة، وليس إرهابا إجراميا يهتم أساسا-ولكن ليس دائما – بالمكاسب المادية.
من المؤكد أن هناك تداخلات: فالقوات غير النظامية، بما في ذلك الجماعات التي تستخدم الإرهاب، كثيرا ما تنخرط في أنشطة إجرامية (مثل الاتجار بالأسلحة أو المخدرات أو الأحجار الكريمة أو الاختطاف للحصول على فدية) من أجل دعم أهدافها السياسية أو الأيديولوجية، ولكن هذا الهدف نفسه ليس صحيحا.ومن جانبها، قد تنخرط الجريمة المنظمة في أشكال من الإرهاب السياسي (اغتيال القضاة أو المسؤولين العموميين، على سبيل المثال) من أجل حماية مشاريعها الإجرامية، رغم أن هذا أمر هامشي لأهدافها.
لكن التمييز أمر بالغ الأهمية. “إن الفرضية الأساسية – عند الأخذ بعين الاعتبار الدوافع المختلفة للإرهاب السياسي مقابل الإرهاب الإجرامي” كما كتب بن شاول، وهو منظر بارز في القانون الدولي، “هي أن العنف السياسي، أو العنف الذي يتم ارتكابه لبعض الأسباب الأخرى ذات التوجه العام (مثل الدين أو الأيديولوجية أو العرق/الإثنية) يختلف من الناحية المفاهيمية والأخلاقية عن العنف المرتكب لتحقيق أهداف خاصة (مثل الربح والجشع والغيرة والعداء والكراهية والانتقام والنزاعات الشخصية أو العائلية وما إلى ذلك)”.
إن تجريم ما هو في الأساس ظاهرة سياسية – وهو ظاهرة غامضة تفتقر إلى أي تعريف مقبول دوليا، والتي ينظر إلى شرعيتها بشكل مختلف من قبل جهات فاعلة مختلفة، وبالتالي يتم توسيعها بسهولة لتشمل جميع أشكال النضال الشعبي العادل – يحرم المضطهدين من أي إنصاف فعال، وبالتالي يديم القمع وحرمانهم من حقوقهم المشروعة، وهو شرط غير قانوني في حد ذاته بموجب ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني. ويتابع بن شاول قائلا: “إن تجريم الإرهاب يهدد بتمكين الدولة ــ بما في ذلك الدولة الاستبدادية ــ على حساب مطالبات سياسية أخرى (يحتمل أن تكون مشروعة) باستخدام العنف. قد يؤدي الإرهاب في كثير من الأحيان إلى تعريض حقوق الإنسان للمدنيين للخطر،ولكن إذا تم تعريف الإرهاب على نطاق أوسع على أنه أي عنف ضد الدولة، فإن تجريم الإرهاب في حد ذاته يجرد الإنسان من حرية مقاومة الأنظمة القمعية أو الاستبدادية.
ويخلص بن شاول إلى أن الخطر يكمن في أن “المجتمع الدولي، أي الدول، أدان الإرهاب مرارا وتكرارا باعتباره ”إجراميا وغير مبرر”، بغض النظر عن “الاعتبارات ذات الطبيعة السياسية أو الفلسفية أو الأيديولوجية أو العرقية أو الإثنية أو الدينية أو غيرها من ذات الطبيعة التي قد يتم التذرع به لتبرير ذلك.” والواقع أن خطر تجريم كل أشكال المقاومة أو النضال السياسي يكمن في القرار رقم 1373 الذي أصدره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي صدر مباشرة في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر/، والذي يطالب الدول بتجريم الإرهاب.
وفي المقابل، يعتبر القانون الدولي الإنساني أولئك الذين ينخرطون في الكفاح المسلح المشروع من أجل حقوقهم السياسية، بما في ذلك أولئك الذين يستخدمون استراتيجيات الإرهاب، مقاتلين وليس مجرمين، على الرغم من أن الأعمال الإجرامية لا يمكن اعتبارها مشروعة ويجب أن يعاقب عليها. وفي النهاية يجب أن نركز على قضية الإرهاب كشكل من أشكال العنف السياسي. إن تصنيف جميع المقاتلين غير التابعين للدولة على أنهم “إرهابيون” على نطاق واسع لن يؤدي إلا إلى نزع الشرعية عنهم وشرعية نضالاتهم السياسية، مما يقلل من المسوغات السياسية والعسكرية المعقدة في شرعية استراتيجيات أو أعمال محددة.
ما هو الإرهاب؟
رغم عدم وجود تعريف عالمي للإرهاب، إلا أن هناك اتفاقا واسع النطاق على عناصره الأساسية ويحدد بول ويلكنسون، الباحث في شؤون الإرهاب، خمسة أسباب رئيسية:
1) أنه متعمد ويهدف إلى خلق مناخ من الخوف الشديد أو الرعب.
2) أنه موجه إلى جمهور أو هدف أوسع من الضحايا المباشرين للعنف.
3) أنه ينطوي بطبيعته على هجمات على أهداف عشوائية ورمزية، بما في ذلك المدنيين.
4) أن ينظر المجتمع الذي تحدث فيه إلى أعمال العنف المرتكبة، على أنها غير طبيعية، بالمعنى الحرفي أنها تنتهك الأعراف الاجتماعية، مما يسبب شعورا بالغضب.
5) يستخدم الإرهاب لمحاولة التأثير على السلوك السياسي بطريقة ما.
على الرغم من أن مصطلحي “الإرهابي” و”الإرهاب” ينطبقان بشكل شبه حصري على المقاتلين من غير الدول، إلا أن هذه العناصر تنطبق بالتساوي على الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية. تربط الدول الإرهاب حصريا بالجهات الفاعلة من غير الدول، كوسيلة لتجريمهم.
ولكن إذا حولنا وجهة نظرنا عن الإرهاب من الجهات الفاعلة نفسها إلى أفعالها الفعلية، فإن المصطلح يتسع ليشمل الفظائع التي ترتكبها الدولة في الحرب والقمع أيضا.
قمع الدولة، وإرهاب الدولة، والإرهاب الذي ترعاه الدولة، والحرب غير المتكافئة – تحتوي هذه الأشكال من العنف السياسي أيضا على العناصر الأساسية للإرهاب:
– قتل المدنيين الأبرياء.
– وترهيب مجموعات سكانية بأكملها لتحقيق أهداف سياسية.
في الواقع، يقارن رودولف جوزيف روميل في كتابه “الموت على يد الحكومة”، الإرهاب غير الحكومي “من الأسفل” بحجم إرهاب الدولة “من الخارج”. وبالإشارة إلى إرهاب الدولة باعتباره “إبادة جماعية”، أو “القتل المتعمد من جانب الحكومة لشخص أو شعب أعزل”، فقد قدر أنه على مدار القرن العشرين، قتل 170 ألف شخص بريء على أيدي إرهابيين من غير الدول، وهو رقم مروع حقا. ومع ذلك، في الفترة نفسها، قتل 272 مليون شخص بريء (وربما ما يصل إلى 400 مليون شخص) على يد الدول (مقابل 41 مليون شخص قُتلوا في صراعات مسلحة).
من المؤكد أن حماس انخرطت في الإرهاب، وآخر مثال على ذلك هو مقتل 865 مدنيا إسرائيليا في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر/ لكن هذا الرقم يتضاءل بالمقارنة مع 23.000 من سكان غزة الذين قتلوا على يد الجيش الإسرائيلي، وأكثر من نصفهم من النساء والأطفال.
وصف الجهات الفاعلة من غير الدول التي تستخدم الإرهاب وغيره من الأعمال العسكرية في صراعاتها السياسية بأنها “إرهابية” (مع كل ما ينطوي عليه ذلك من ازدراء أخلاقي) أو “حيوانات بشرية” فاسدة يستحيل الحوار معها، ويكون قتلها هو الوسيلة الوحيدة للتعامل معها.
يحذر بن شاول بأن ذلك
– إلى جانب المصلحة الذاتية للدول في تجريم جميع النضالات غير الحكومية- يشكل بالتأكيد خطرا على حق مقاومة القمع والنضال الشعبي من أجل إقامة نظام سياسي عادل.
وفي الواقع، وصف هيرش لوترباخت، رائد القانون الدولي الإنساني، حق المقاومة بأنه “حق يمثل، في نهاية المطاف، التأكيد الأسمى على حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف”. ويتبع جويليم ديفيد بلانت ذلك بمنطق مقنع: “الحق في المقاومة جزء ضروري من المفهوم السياسي لحقوق الإنسان لأنه بدونه لن تكون الحقوق سوى امتيازات”.
الدفاع عن حق المظلومين في الكفاح المسلح والمقاومة.
يتجسد هذا الحق في طبقات من القانون الدولي الإنساني والمعاهدات والمواثيق وقرارات الأمم المتحدة المستندة إلى المادة 1 (2) من ميثاق الأمم المتحدة التي تتطلب “احترام مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب في تقرير المصير وإعلان منح الاستقلال”. للدول والشعوب المستعمرة.
وفي العام 1987، أعاد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 37/43 التأكيد على “شرعية كفاح الشعوب من أجل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي بجميع الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح”.
إذن تنص قواعد القانون الدولي الإنساني على:
– منع الدولة في مثل هذه الظروف من اتخاذ إجراءات عسكرية أو غيرها من الإجراءات القسرية لقمع الممارسة المشروعة للحق في تقرير المصير.
– الاعتراف بأن الشعوب التي تمارس حق تقرير المصير لديها، في نهاية المطاف، ترخيص للانخراط في نزاع مسلح لحماية نفسها، ولمنع القمع العنيف لممارسة حق تقرير المصير من قبل الدولة المضطهدة.
– منع الدول الثالثة من تقديم الدعم للدول القمعية لمساعدتها في قمع ممارسة الحق في الاستقلال الذاتي.
لا يقتصر الأمر على منع الدول من حرمان الناس من حقهم في تقرير المصير، بل لا يمكنها أيضا إحباط أي محاولة من جانب الشعب المحتل لممارسة حقه في تقرير المصير أيضا.
وهذا يعني أن لجوء التنظيم الذي يمثل المظلومين إلى القوة العسكرية أمر مشروع في غياب السبل الأخرى.
وانعكاسا لهذه المخاوف والاعتراف بعدالة العديد من نضالات الجهات الفاعلة غير الحكومية المضطهدة والتي قد تتحول إلى الإرهاب (أو، كدول متحاربة، إلى حرب غير نظامية) إذا تم رفض سبل الإنصاف الأخرى، أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1987 جميع أعمال الإرهاب. باستثناء أولئك الذين يناضلون من أجل حق تقرير المصير ضد الأنظمة الأجنبية والعنصرية باعتبارهم “مجرمين”. (ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا الدولتين الوحيدتين اللتين صوتتا ضد القرار).
ويبدو أن هذا يشير إلى الظروف التي يمكن فيها اعتبار الأعمال التي يمكن اعتبارها “إرهابية” “غير قانونية ولكنها مبررة” باعتبارها “دفاعا جماعيا عن حقوق الإنسان”.
يقترح بن شاول خمسة شروط يمكن أن تدعم مثل هذا الموقف القانوني والأخلاقي:
1) الانتهاكات الجسيمة والمتكررة والمستمرة للحقوق الأساسية والتي ترقى إلى مستوى الحق في مقاومة القمع.
2) توافر وسائل فعالة للانتصاف السلمي، والتي إذا استنفدت قد تبرر الإرهاب كملاذ أخير.
3) من أجل المطالبة الصحيحة بتقرير المصير، يجب على الجماعات غير التابعة للدولة أن تظهر نفسها على أنها تمثل “الشعب”، على الرغم من أن “الشعب -في حد ذاته مصطلح -غير محدد جذريا”. وهذا وحده يخولهم اللجوء إلى العنف.
4) إذا كان مبرر العنف هو مقاومة القمع، فإن غرض أي عمل إرهابي يجب أن يكون استبدال القمع بالحرية، وانتهاك الحقوق بحماية الحقوق. والاستبداد بالديمقراطية. ومن ثم، فإن شرعية العنف الإرهابي تعتمد على الغاية القانونية التي يوجه إليها.
ولا يمكن الدفاع عن الإرهاب إذا كان يسعى إلى تحقيق أهداف أخرى غير القيم القانونية الأساسية القائمة على الحقوق. (بالعودة إلى النقطة رقم 3، التمثيل، يبدو أن هذه الحالة تعاني من التحيز الغربي. قد تتقاتل الجماعات الدينية أو السياسية أو العرقية من أجل أهداف لا تستند إلى الحقوق، كما هو الحال في الكفاح أو في مجرد الصراع على السلطة. ومع ذلك، فإن تبريرها يعتمد على عدم انتهاك حقوق الآخرين، مما يجعل الحملات الصليبية لفرض رؤية دينية واحدة أو أيديولوجية أو نظام سياسي قمعي على السكان غير الراغبين غير مبررة).
5) أي شكل من أشكال الإرهاب المبرر يجب أن يضع حدودا خارجية لوسائل وأهداف العنف المسموح بها، والتي لا يمكن الوصول إليها، على النحو المحدد بشكل عام في القانون الدولي الإنساني.
ستكون الهجمات العشوائية على المدنيين غير الحكوميين محظورة دائما، ولكن بما أن مثل هذه الهجمات تشكل جوهر الإرهاب ــ الهجمات المتعمدة على أهداف عشوائية ورمزية، بما في ذلك المدنيين، والتي تهدف إلى خلق مناخ من الخوف الشديد أو الرعب من أجل التأثير على السلوك السياسي ــ يصبح التناسب كمبدأ عام للقانون قضية. (بموجب هذا المعيار، فإن الهجمات العشوائية على المدنيين من قبل بوكو حرام، وفرق الموت اليمينية في السلفادور، وجماعات ميليشيا الهوتو، والجنجويد في دارفور، أو هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر/ ستكون أمثلة على الإرهاب غير المبرر).
عندما يستوفي العنف هذه الشروط الخمسة، كما يقول بن شاول، يمكن اعتباره “غير قانوني ولكن له ما يبرره”.
ويشير إلى أنه في حالات القمع القصوى، من المرجح أن يلجأ الأفراد على أي حال إلى العنف حتى لو كان محظورا تماما بموجب بعض القوانين.
توفر آلية مثل الدفاع المبرر طريقة عادلة ومرنة لمعالجة غياب الإنفاذ الدولي الفعال لحقوق الإنسان، مما يسمح لضحايا القمع بالانتصاف من خلال مجموعة محددة جيدا من العنف العلاجي. يوافق الخبير القانوني مارك مولر على ذلك. ويكتب قائلا: “لقد نشأت ثغرة سياسية وحقوقية خطيرة في النظام القانوني الدولي”.وتتألف هذه الثغرة من فشل المجتمع الدولي في معالجة موقف الدول والشعوب والأقليات المضطهدة، وأولئك المنخرطين في النضال الجماعي من أجل الإصلاح الديمقراطي ضد الأنظمة الاستبدادية.
وبدلا من ذلك فضلت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تعزيز الحصانة الفعلية لنظام سيادة الدولة. وقد أدت هذه الثغرة إلى صراعات داخلية عديدة كان من الممكن تجنبها، لو توافرت سبل معينة للانتصاف السياسي والقانوني الدولي. وقد أدى الفشل في توفير سبل الإنصاف إلى لجوء العديد من الجماعات إلى أساليب أكثر عنفا.
إن المجموعة الأخيرة من التشريعات المتعلقة بالإرهاب الداخلي تعمل ببساطة على ترسيخ هذه العملية من خلال فشلها في التمييز بين الإرهاب والمقاومة الحقيقية لدعم التغيير الديمقراطي.
نظام ضعيف لإنفاذ القانون الدولي الإنساني.
لا يمكن لأحد أن يقبل قسوة الإرهاب العشوائية أو الظروف التي تدفعه. هل يمكننا تحديد بعض الحدود التي لا يسمح بعدها بالهجوم العسكري للدولة، أو مكافحة التمرد من ناحية، ولا مقاومة القمع من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية ونضالهم المسلح من أجل الحقوق من ناحية أخرى – حيث لا يوجد مبرر أخلاقي أو قانوني؟ أو سياسي؟
كيف ندافع عن حق الأشخاص المضطهدين، بموجب القانون الدولي الإنساني، في الانخراط في العنف السياسي من أجل تحقيق تقرير المصير والحرية، ولكن دون تعريض قدرتهم على تحقيق أهدافهم العادلة للخطر، مع فرض حدود على أشكال العنف التي قد يستخدمونها؟
كيف يمكننا ضمان مساءلة الدول عن أعمالها الإرهابية، التي تعتبر أكثر فتكا بالمدنيين، كما رأينا، من أعمال الجهات الفاعلة غير الحكومية؟
الخبر السار هو أن الإطار القانوني موجود بالفعل، والذي يحدد الحقوق الأساسية، بما في ذلك حقوق الشعوب المضطهدة، ويقدم، إن لم يكن سبل الانتصاف، بعض الحماية على الأقل.
أما الخبر السيئ فهو أن النظام القانوني الدولي ضعيف للغاية، ويعتمد على الدول في مراقبة نفسها وعلى بعضها البعض.
إن إرادة إنفاق رأس المال السياسي اللازم لإقناع أو إرغام الدول المتواطئة في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية على الكف عن هذه الجرائم، أو معاقبتها إذا لم تفعل ذلك، تفشل أمام اعتبارات سياسية أكثر ملاءمة.
هناك العديد من السبل الرسمية “المشروعة” للانتصاف.
بموجب “الولاية القضائية العالمية”، فإن فكرة أن بعض الجرائم – مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والتعذيب – تتسم بخطورة استثنائية بحيث يتعين على جميع المحاكم الوطنية النظر في مثل هذه القضايا حتى لو كانت تتعلق بمواطنين أجانب أو حكومات أجنبية . ولكن من الناحية العملية، فإن القليل من المحاكم تفعل ذلك بالفعل.
والواقع أن بعض البلدان ألغت الولاية القضائية العالمية (بلجيكا، وإستونيا)،
أو قيدت نطاقها (بريطانيا، وأسبانيا، وألمانيا)،
أو لم تدرجها قط في نظامها القانوني (الولايات المتحدة).
من المفترض أن تكون محكمة العدل الدولية في لاهاي أعلى محكمة في العالم. فهي المكان الذي يتم فيه الحكم على الدول نفسها – وهي المكان الذي أخضعت فيه جمهورية جنوب أفريقيا إسرائيل للمتطلبات القانونية لمنع الإبادة الجماعية، وليس مجرد المعاقبة عليها.
ولكن حتى هنا يتم تعيين القضاة من قبل الحكومات وغالبا ما يصدرون أحكاما ذات طابع سياسي.
وحتى عندما تمر الإدانة عبر النظام القانوني وتصل إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لفرض العقوبات التي أمرت بها المحكمة، فمن الممكن أن يعترض عليها أي من الأعضاء الخمسة الدائمين، مع كل ما يترتب على ذلك من آثار سياسية.
استخدمت الولايات المتحدة، على سبيل المثال، حق النقض (الفيتو) ضد قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 89 مرة منذ العام 1945. وكان أكثر من نصفها (45 حتى كانون الثاني/يناير/ 2024) ضد قرارات تنتقد إسرائيل، عميلة أمريكا – وتتعلق 33 منها بشكل مباشر بالاحتلال الإسرائيلي ومعاملته للسكان الفلسطينيين.
والواقع أن إسرائيل تنتهك 31 قرارا لمجلس الأمن، وهو أكبر عدد من قرارات أي دولة أخرى، دون خوف من العقوبات.
وكل هذا يؤدي إلى إضعاف نظام الامتثال للقانون الدولي الإنساني، وبالتالي إعطاء الترخيص للدولة المخالفة.
وأخيرا، تنص اتفاقية جنيف الرابعة على عقد اجتماعات لأطرافها السامية المتعاقدة من أجل معاقبة الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها الدولة.
منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية في العام 1967، انتهكت إسرائيل بشكل منهجي أهم مواد الاتفاقية، وخاصة فيما يتعلق:
– بضمها غير القانوني للقدس الشرقية.
– ومستوطناتها الضخمة ولكن غير القانونية بشكل واضح في الضفة الغربية.
– وهدم عشرات الآلاف من منازل الفلسطينيين.
– واعتداءاتها القاتلة على المراكز السكانية الفلسطينية (هذا ما نشهده في قطاع غزة).
– وتعطيل تنمية الاقتصاد الفلسطيني جميع الانتهاكات الجسيمة للاتفاقية، بما في ذلك مسؤولية السلطة المحتلة عن رفاهية الشعب المحمي.
وبينما أكتب في خضم المأساة المستمرة في قطاع غزة، يدعو عدد من الدول ومنظمات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ولجنة الحقوقيين الدولية إلى عقد مؤتمر عاجل آخر للأطراف السامية المتعاقدة.
ولكن مرة أخرى، رفضت الأطراف السامية المتعاقدة، بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، باستمرار استخدام الصلاحيات الممنوحة لها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لمعاقبة إسرائيل أو منع انتهاكاتها المستمرة لأحكامها.
هل هناك بديل للإرهاب؟
إن القانون الدولي الإنساني هو بالتأكيد أداة في متناول الشعوب المضطهدة، وأولئك الذين يسعون إلى تحقيق العدالة في العالم. وحقيقة أنه لا بمارس سوى تأثير ضئيل للغاية في الشؤون العالمية والصراعات، لا تؤدي إلا إلى تسليط الضوء على المشكلة الأعمق والأكثر جوهرية: فنحن لا نعيش في نظام دولي من القواعد والقوانين والمؤسسات (على الرغم من وجودها ويمكن فرضها من قبل الأقوياء ضد الضعفاء).
بل في نظام فوضوي من دول ذات سيادة متنافسة نشأت بعد العام 1945. ومما زاد الطين بلة، أن المعاملات التجارية البحتة هيمنت على العلاقات الدولية مع صعود الليبرالية الجديدة في أواخر السبعينيات وانهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1989، حيث بلغت ذروتها. في فترة رئاسة دونالد ترامب. فالعلاقات التبادلية بحتة ليس لها أيديولوجية، ولا قيم (تتجاوز المصلحة الذاتية التي أشبه بآين راند)، ولا حلفاء ولا استراتيجية كبرى أو رؤية. وتنضم مصالح الشركات إلى المصالح الوطنية، وينظر إلى الدول أو الأحزاب الأخرى ببساطة باعتبارها جهات فاعلة عقلانية يمكن للمرء “عقد الصفقات” معها.
وبما أن السياسة الخارجية تركز على المكاسب قصيرة المدى، فإنها تنجرف إلى سياسات وإجراءات تفاعلية غير متسقة وغير متماسكة. وتصبح التعاملات مع الدول الأخرى هشة ومتقلبة، وتعتمد فقط على ما تستطيع هذه الدول تقديمه، وليس على المصالح الطويلة الأجل. تفضل الدول المعاملات الثنائية التي تفرض أقل قدر من القيود على حريتها في العمل. وعلى نفس المنوال، فإنهم يتجنبون الالتزام بسيادة القانون الدولي القائم على الحقوق أو تجاه الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة التي لا تؤدي إلا إلى تقييد سلوكهم الأكثر فظاعة.
وفي هذا النظام لا مكان لـ«فهم الطرف الآخر» لئلا يشكل تحديا لمصالح الدولة أو يفرض قيودا.
إن الفوضى التي يسودها النظام العالمي تخدم، بطبيعة الحال، الدول القوية ومصالح الشركات التي تخدمها، فضلا عن حلفائها.
الدولة ليست لاعبا ما لم يكن لديها شيء ذو قيمة يمكن أن تطرحه على طاولة المفاوضات:
– اقتصاد قوي،
– أو براعة عسكرية،
– أو السيطرة على الموارد الحيوية،
– أو الأراضي الجيوسياسية الاستراتيجية،
– أو رعاية دولة قوية أخرى،
– أو بعض القيمة الفعالة المباشرة مثل التأثير على جهة فاعلة تخريبية غير حكومية.
ورغم أن القوى الأقل أهمية ــ الدول والجهات غير الحكومية ــ ربما تتمتع بنفوذ على المستويات الإقليمية أو المحلية الأدنى في النظام الدولي، فإنها مستبعدة من سياسات القوى الكبرى على المستوى العالمي. من الواضح أن إسرائيل تجلس على الطاولة، وقد نجحت حماس في الوصول إلى الطاولة – من خلال الهجوم الارهابي في 7 تشرين الأول/أكتوبر/–. وهي الآن بحاجة إلى المساومة ببراعة باستخدام الوسائل المتاحة لها:
– دعم دول مثل قطر وإيران.
– فضلا عن لاعبين أقوياء من غير الدول مثل حزب الله.
– في حين تقوم أيضا بحشد الضغط الشعبي بين السكان العرب والمسلمين لضمان -على الأقل -الدعم الضمني لحكوماتهم.
– وتحول حماس من كونها جماعة “إرهابية” هامشية ومنبوذة، إلى استغلال شعبيتها باعتبارها المقاومة الفعالة الوحيدة للقمع الإسرائيلي في موقع قوة رسمية، والعمل على الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية المتجددة، على سبيل المثال، أو جعل نفسها عنصرا لا غنى عنه في أي حكومة فلسطينية مستقبلية. وعلى الرغم من برنامجها الإسلامي الذي لا يحظى بجاذبية محدودة في الداخل أو الخارج، فقد أصبحت حماس أيضا عاملا محفزا للدعم العالمي بين شعوب العالم للقضية الفلسطينية الأكبر. ويبقى أن نرى كيف سينتهي كل هذا.
وما يبينه يوم السابع من تشرين الأول /أكتوبر/ (بشكل مؤسف) هو أنه في نظام الصفقات القائم على السياسة القائمة على القوة الذي نعيش فيه، فإن الإرهاب والقدرة على التعطيل، غالبا ما يكون الطريقة التي يمكن للضعفاء والمضطهدين أن يطرحوا مظالمهم وتطلعاتهم على الطاولة.
لقد حقق هجوم حماس المروع يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر/ على المدنيين الإسرائيليين أهدافا سياسية حاسمة لبقاء الشعب الفلسطيني،
وهي أهداف لم يكن من الممكن تحقيقها من خلال أي من القنوات “المشروعة” التي يوفرها نظام حل النزاعات الذي تديره الدول: النداءات للقانون الدولي أو المفاوضات بحسن نية. وبعد أكثر من 75 عاما (منذ العام 1948) من التهجير العنيف وفقدان الأراضي والتراث الوطني ــ وكل ذلك على يد دولة عضو في الأمم المتحدة دون أي قيود على الإطلاق من جانب المجتمع الدولي (وبدعم نشط منه) ــ كان الفلسطينيون على حافة المحو شعبا واعتبارا سياسيا. كانت عملية “التطبيع” التي ترعاها الولايات المتحدة بين إسرائيل- التي تسيطر الآن بشكل دائم على كل فلسطين التاريخية- والدول العربية الكبرى، على وشك الانتهاء. وأوشكت المملكة العربية السعودية على التوقيع عليها. وفي ضوء ذلك، فإن السابع من تشرين/أكتوبر/ يمثل إدانة لأولئك الذين يحكمون العالم أكثر من كونه إدانة للمجموعة التي اضطرت إلى اللجوء إلى الإرهاب.
هل هناك بديل للإرهاب؟
من المؤسف أن الجواب “لا” في نظام التعامل الذي لا قيمة له الذي نعيش فيه، حيث لا أهمية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والعدالة الأساسية.
ينبغي لنا أن نستنكر القتل العشوائي وانتشار الخوف الذي يعتبر إرهابا، بالطبع، ولكن في نفس الوقت نتساءل: هل يمكننا أن نتوقع من الجهات الفاعلة غير الحكومية التي تناضل من أجل حقوقها المشروعة في نظام دولي يفتقر إلى سبل فعالة للانتصاف أن تتوافق مع القانون الدولي الإنساني؟ و”القواعد المقبولة” عندما لا تفعلها الدول نفسها؟
إن إمكانية القضاء على الإرهاب باعتباره عنفا سياسيا يعتمد على ما إذا كنا قادرين على تقديم سبل الإنصاف الفعالة للمضطهدين.
وهذا يتطلب منا أن نجعل حكوماتنا مسؤولة أمام القانون الدولي الإنساني، بل ومسؤولة عن سياساتها وأفعالها.
إنها مهمة صعبة، يحتاج المجتمع المدني التقدمي والمجتمعات الدينية لتحقيقها إلى قدر أكبر من التنظيم والاستراتيجية مما لدينا حاليا.
* جيف هالبر هو عالم أنثروبولوجيا إسرائيلي مناهض للاستعمار، ورئيس اللجنة الإسرائيلية ضد هدم المنازل (ICAHD) وعضو مؤسس في حملة الدولة الديمقراطية الواحدة. وهو مؤلف كتاب “الحرب ضد الشعب: إسرائيل والفلسطينيون والتهدئة العالمية”. (لندن: بلوتو، 2015). أحدث كتبه هو إنهاء استعمار إسرائيل وتحرير فلسطين: الصهيونية والاستعمار الاستيطاني وقضية دولة ديمقراطية واحدة (لندن: بلوتو، 2021).
المصدر: موقع كاونتر بنش