ككندي نشأت في الثمانينيات، نشأت مؤمنا بالصالح الأساسي للحكومات الديمقراطية وأخلاق النظام العالمي الليبرالي.
في المدارس الابتدائية والثانوية اليهودية التي التحقت بها، تعلمت مبدأ “لن يتكرر ذلك أبدا والحاجة الوجودية لدولة إسرائيل. لقد انجذبت إلى دراسة العلوم جزئيا لأنني أدركت أن منهجيتها وثقافتها تفضي إلى بديهيات جديرة بالثقة بشكل فريد.
وانطلاقا من اقتناعي بالاستثنائية الأميركية، انتقلت إلى مدينة نيويورك وأصبحت أؤمن بحياد الفقه القانوني الأميركي، مع اعتماده الثابت على السوابق، وبالطبيعة غير المتحيزة في الأساس للسلطة الرابعة / الإعلام/. لقد ذهبت إلى دافوس للمساعدة في “تحسين حالة العالم”. وقمت بتأسيس شركات ناشئة في مجال التكنولوجيا لأنني اعتقدت أن الرأسمالية ضرورية للقيام بأشياء كبيرة ومهمة في العالم.
وفي الأشهر والأسابيع والأيام الماضية، انهارت أمام عيني كل هذه المؤسسات والمبادئ التي تعلمت أن أثق بها، والتي بنيت عليها رافعة حياتي. كل ذلك انهار معا، وفي وقت واحد.
يُقتل آلاف الأطفال في غزة والضفة الغربية على يد إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وحلفاء آخرين. فالأمم المتحدة ممنوعة هناك من القيام بما أنشئت من أجله – الحفاظ على السلام والأمن الدوليين – بسبب الفيتو الأمريكي من قبل دولة تم فيها اتهام المرشح الأوفر حظا لأحد الحزبين السياسيين بارتكاب نشاط إجرامي فيما يتصل بالانتخابات الأخيرة. وحيث ألغت أعلى محكمة فيها مؤخرا سابقة ما يقرب من نصف قرن، منهية، بذلك الحق الدستوري في الإجهاض.
أصبح التحيز في وسائل الإعلام أمرا مفروغا منه والآن. على سبيل المثال، يظهر تحليل كمي حديث لتغطية الأسابيع الستة الأولى من حرب غزة في الصحف الكبرى أن التقارير انحرفت نحو الروايات الإسرائيلية.
والعلم، أيضا، معطل. تم سحب أكثر من 10.000 ورقة بحثية في العام 2023، وهو رقم قياسي جديد، مع حالات حديثة ملحوظة هزت بعض الجامعات والمجلات الرائدة في العالم.
وفي الوقت نفسه، فإن الانتشار السريع غير المسؤول للذكاء الاصطناعي التوليدي من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى يؤدي إلى تآكل الأسس المعرفية للمجتمع – أي الطرق التي نبني بها المعرفة، ونصل وفقها إلى الحقيقة ونتخذ القرارات. وكما حذر دوجلاس هوفستادتر مؤخرا، فإن هذا قد “يقوض طبيعة الحقيقة التي يقوم عليها مجتمعنا – وأعني المجتمع البشري كله -“ العالم بالنسبة لي يبدو بلا بوصلة. وأنا أعلم أنني لست وحدي الذي يعتقد ذلك .
وفقا لأحدث البيانات من مركز بيو. تعد ثقة الجمهور بالحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة حاليا من بين أدنى المقاييس منذ ما يقرب من سبعة عقود من استطلاعات الرأي.
وفي استطلاع غالوب للثقة في المحكمة العليا الذي يعود تاريخه إلى العام 1972، للمرة الثانية يقول أقل من نصف الأمريكيين فقط أن لديهم “قدرا كبيرا” أو “قدرا لا بأس به” من الثقة في المحكمة العليا. وبشكل أكثر عمومية، فإن ما يقرب من ثلاثة أرباع الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عاما لم يعودوا يدعمون المبادئ الديمقراطية الأساسية بشكل ثابت. وهذا الاتجاه مستمر على مستوى العالم.
ووفقا لمؤسسة فريدوم هاوس، فإن “التراجع الديمقراطي أصبح اتجاها عالميا. ووسط هذه البيئة تأتي سلسلة من الإحصائيات التي تشير إلى أن شباب العالم أصبحوا ينفصلون على نحو متزايد عن الحياة السياسية… ويقول الباحثون أن قادة بلادهم لا يعملون من أجل تحقيق مصالحهم.
وفي أعقاب الوباء، وفي خضم أزمة المناخ العالمية، يبدو الترتيب الزائف لدولة قومية متجاورة أمرا خياليا وعفا عليه الزمن.
وتمتد خيبة الأمل هذه إلى ساحات أخرى أيضا. يقول ما يقرب من ربع الأمريكيين الآن إنهم لا يثقون كثيرا أو لا يثقون على الإطلاق بقدرة العلماء على العمل بما يحقق المصلحة العامة، ارتفاعا من 12% في نيسان /أبريل/2020.
وقال 36% فقط من الناخبين الذين شملهم الاستطلاع الذي أجرته صحيفة وول ستريت جورنال في تشرين الأول/نوفمبر/ أن الحلم الأمريكي – التعبير النهائي عن الرأسمالية – ما يزال صحيحا، وهو أقل بكثير من 53٪ الذين قالوا ذلك في العام 2012.
وأخيرا، تنهار الثقة في مؤسستنا الاجتماعية الأساسية، حيث أظهر استطلاع حديث أن 40% من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 42 عاما من العمر حاليا ينظرون إلى الزواج على أنه “تقليد عفا عليه الزمن”.
إن ثقتي الكبيرة لفترة طويلة في العديد من المؤسسات هو انعكاس للامتيازات التي تمتعت بها:
– فلم يسبق لي أن تم تصنيفي عنصريا من قبل حكومتي.
– ولم أعجز أبدا عن عدم دفع تكاليف الرعاية الصحية أو التعليم.
– ولم يتم استبعاد ديموغرافيتي أبدا من التجارب السريرية.
– ولم يتم منعي أبدا من السفر.
– ولم أجرّب العيش تحت الاحتلال.
– ولم أشعر أبدا بالكراهية أو الخوف بسبب ديني.
– ولم أشعر أبدا بأنني غير مرئي أو يتم تشويهي من قبل وسائل الإعلام التي أتابعها.
– ولم يتم منعي أبدا من الزواج بمن أحب. لقد استفدت من هذه المؤسسات لأنني أشبه الرجال الذين بنوها.
ما أشعر به الآن تجاه هذه المؤسسات – غير الأخلاقية، والفاسدة، والجوفاء، والتي عفا عليها الزمن – كان منذ فترة طويلة الواقع القاسي للملايين الذين يتم استعمارهم، وقمعهم، وإخضاعهم، واستبعادهم بشكل منهجي. لكن أصواتهم تزداد ارتفاعا، ويرددها الملايين منا.
وتتعمق الشقوق في الجدران
* آدم بلي هو المؤسس والرئيس التنفيذي ((System، ذات المنفعة العامة التي تعمل على تطوير نهج قائم على الأنظمة لتنظيم البيانات والمعرفة في العالم.
تم اختياره كقائد عالمي شاب من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي عام2007. وكان زميلا زائرا أول في العلوم والتكنولوجيا والمجتمع في كلية كنيدي بجامعة هارفارد،وأسس مجلة العلوم وعمل رئيسا للتحرير.
عن: