تقديم:
رغم هول حجم القتل والدمار الذي لحق بقطاع غزة منذ استأنف التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي المتواصلة للعقد الثامن على التوالي ضد الشعب الفلسطيني، إثر عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر/. والذي يجمع المؤرخون على أنه غير مسبوق في الصراعات التي شهدتها البشرية على امتداد التاريخ. سواء لجهة:
– الاختلال الهائل في موازين القوى بين طرفي الصراع.
– أم من حيث كثافة القوة التدميرية المستخدمة خلال فترة زمنية قصيرة ضد المدنيين الفلسطينيين العزل المحاصرين برا وبحرا وجوا منذ أكثر من ستة عشر عام من الأعداء وذوي القربى على السواء، في بقعة جغرافية بالغة الصغر، هي الأعلى كثافة في العالم.
– أم من حيث الانقطاع الكامل لإمدادات الغذاء والماء والكهرباء والدواء والوقود والاتصالات.
– أم من حيث اختراق كافة قوانين الحروب واستباحة المحرمات باستهداف المواليد والأطفال والنساء والشيوخ والمرضى والكوادر الطبية والصحفيين وتدمير المساكن والمستشفيات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف ودور العبادة ومراكز الايواء والمدارس والجامعات والآثار، لمحو قطاع غزة من الوجود باستئصاله من الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ.
وفي مفارقة تاريخية فريدة غير مسبوقة. يقف قطاع غزة المتناهي الصغر جغرافيا وديموغرافيا وحيدا في مواجهة بطش تحالف القوى النووية الاستعمارية الغربية الصهيونية المنتصرة في ثلاثة حروب كونية / الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة /ما مكنها من إحكام سيطرتها الكونية والتفرد في القيادة العالمية طوال العقود الثلاثة الماضية. فتعجز عن حسم الصراع المحتدم لليوم السادس والثمانين، مع بضعة الاف من المناضلين الفلسطينيين على أراضي قطاع غزة المحتل والمحاصر.
وبالنظر إلى أن معايير قياس نتائج الحروب الوجودية- كتلك التي ما يزال يخوضها الشعب الفلسطيني للقرن الثاني على التوالي ضد التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري- لا تخضع لحسابات الخسائر المادية والبشرية – كما يعتقد كثيرون. دون التقليل من فداحة ما يتكبده الشعب الفلسطيني من خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات.
وإنما تحتكم لمعايير أخرى ذات علاقة بمدى تأثير الحرب الجارية على تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي سعى إليها التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري على مدى أكثر من قرنين، باستبدال فلسطين التي تقع في مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري للمنطقة العربية الاسلامية الممتدة، بإسرائيل، واستبدال شعبها العربي الفلسطيني الأصيل بالغزاة المستوطنين الأجانب الصهاينه، وتشريع وجود الدولة اليهودية الصهيونية عربيا واقليميا ودوليا . لاستكمال إعادة هندسة المنطقة واستبدال هويتها الحضارية العربية الإسلامية الأصيلة الجامعة بحضارة شرق أوسطية هجينة تتولى إسرائيل قيادتها، لإدامة الهيمنة الغربية عليها، وتعزيز فرص تفردها بالقيادة العالمية.
يكتسب مقال جدعون ليفي أهمية فائقة، وقد سبقه ،أيضا،مقال شديد الأهمية لعوفر اديرت في 29/12/2023 الذي أجرى مقابلة مع المؤرخ البروفيسور موشيه زيمرمان، سيتم ترجمته لاحقا. فالمقالين يسلطا الضوء على التداعيات الاستراتيجية لطوفان الأقصى وما تلاه من صمود أسطوري للمقاومة الفلسطينية الباسلة وحاضنتها الشعبية في مواجهة حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الجارية بكثافة ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وعلى امتداد فلسطين الانتدابية على الدولة اليهودية الصهيونية ومستقبلها، وعلى مستقبل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي.
يرى جدعون ليفي:
– أن إسرائيل -بغض النظر عن مآلات الحرب -ستجد نفسها في وضع أسوأ مما كانت عليه قبل الحرب.
– وأن إطالة أمد الحرب يفاقم الضرر ، ويهدد مستقبل الرهائن، ويزيد هشاشة الأمن الإسرائيلي ويفاقم خسائرها الاقتصادية، وتفككها المجتمعي ويعمق الفجوة بين مواطني إسرائيل اليهود والعرب. ويزيد الانهيار الأخلاقي والسادية التي لن تقتصر أخطارها على الفلسطينيين بل ستطال الداخل الإسرائيلي.
وسيزيد عزلة إسرائيل دوليا ، ويفاقم انفضاض الشباب اليهودي في العالم عنها.
وفي المقابل تزداد قوة حماس ويتنامى نفوذها السياسي فلسطينيا وعربيا وإسلاميا.
وفيما يلي ترجمة للمقال:
” في نهاية هذه الحرب ستجد إسرائيل نفسها في وضع أسوأ مما كانت عليه عندما بدأت الحرب. وحتى لو تمكنت إسرائيل من تحقيق أهدافها، التي يبدو أنها تتراجع، فإن وضع البلاد سيكون أسوأ من ذي قبل. وبما أن الجوانب الأخلاقية لهذه الحرب لا تزعج أحدا في إسرائيل، ولا سيما وسائل الإعلام، فكل ما تبقى هو الإجابة بصراحة على السؤال التالي: ما الذي ستكسبه إسرائيل من هذه الحرب؟
ما الذي يمكن أن تأمل فيه بالضبط؟
فرغم أن جوقة المتحدثين باسم الجيش الذين يتظاهرون بأنهم صحفيون يهتفون بإنجازات الجيش، وبما أن كل الإسرائيليين تقريبا يعتقدون أن إسرائيل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر/ تستطيع أن تفعل كل ما يحلو لها، فلا يملك المرء إلا أن يتساءل عن المكاسب.
الخسائر تتراكم بالفعل. وكلما طال أمد الحرب، كلما زاد الضرر الذي يلحق بإسرائيل. ولا يستطيع المرء أن يفكر ولو في ميزة واحدة قد تجنيها إسرائيل من هذه الحرب، حتى لو تجاهلنا أهوالها والمعاناة التي لا توصف على الجانب الآخر، وركزنا فقط على “ما هو جيد لإسرائيل”، كما يحلو للإسرائيليين أن يصوروها. إنه أمر سيء للغاية بالنسبة لإسرائيل. لقد أصبح مستقبل الرهائن أكثر غموضا على نحو متزايد، كما أصبح أمن إسرائيل أكثر هشاشة.
الحقائق صارخة. حماس تزداد قوة. وكلما زاد تعرضها للضرب في غزة، كلما نمت قوتها السياسية بين الفلسطينيين، على الأقل خارج قطاع غزة.
وكلما طال أمد الحرب، ساءت مكانة إسرائيل الدولية.
لقد وصلت بالفعل إلى مستوى غير مسبوق من الحضيض، ليس ،بعد، بين الحكومات، ولكن بالتأكيد في الرأي العام العالمي.
لقد أصبحت إسرائيل دولة منبوذة أكثر من أي وقت مضى. إن التقارير الواردة من غزة تمثل واقعا همجيا. العالم يرى ذلك ويشعر بالاشمئزاز. كيف لا؟ استطلاعات الرأي للشباب في الولايات المتحدة، بما في ذلك الشباب اليهود، يجب أن ترعب إسرائيل. وحماس تحظى بشعبية أكبر بينهم من إسرائيل. يمكننا أن نشكر الحرب على ذلك.
شكراً لك أيتها الحرب، لأنك جعلت من كل إسرائيلي ليس فقط هدفا أمنيا أينما ذهب، بل هدفا للعار الوطني. بعض الإسرائيليين لا يمانعون في الشعور بالخجل، لكن ليس جميعهم.
شكرا أيتها الحرب، لأنك أوصلت إسرائيل إلى حافة الهاوية الاقتصادية. أيام السياح الذين يأتون إلى هنا بالأعداد التي اعتدنا عليها هي بعيدة المنال، لكن الضرر الأكبر الذي لحق بإسرائيل سيظهر في ما يحدث لها في الداخل. إن هذه الحرب، فضلا عن الإصلاح القضائي الشامل، تحطم بقايا الديمقراطية الإسرائيلية.
خلال هذه الحرب، تم طرد المدنيين أو استجوابهم أو سجنهم بسبب تعبيرهم عن تضامنهم مع البشر الآخرين والرعب من القتل، لمجرد دعوتهم إلى السلام، والاحتجاج على عدم وجود معارضة لهذه الحرب.
عرب إسرائيل يخشون التنفس. إن سلوك وكالات تطبيق القانون خلال هذه الحرب يشكل خطرا أكبر على ديمقراطية إسرائيل من تعليق محاكم الدولة استخدام معيار المعقولية.
ولم يثر مثل هذا السلوك سوى القليل من الاحتجاجات. لم تتبن إسرائيل سياسة القتل العشوائي إلى حد لم يسبق له مثيل في ساحات القتال فحسب، كما أنها أصبحت سادية بشكل غير مسبوق في مرافق الاحتجاز التابعة لها.
كل شيء سيمضي بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر/، ليس اليمين المتطرف وحده هو الذي شوه الخطاب العام.
كما يريد المركز المزيد من الدماء والدمار والأوبئة والجوع، ولا يخجل من قول ذلك علنا.
إن إضفاء الشرعية على الشر سيبقى معنا لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب. قد يتم إعادة تأهيل غزة، ولكن ليس الانهيار الأخلاقي في إسرائيل.
إن إضفاء الشرعية على جرائم الحرب لن يتركنا، ومن الآن فصاعدا، سيكون كل شيء مسموحا به في الضفة الغربية أيضا، وبعد ذلك في إسرائيل نفسها. ما يبدأ في مركز اعتقال قرب بئر السبع لن يتوقف عند هذا الحد.
لقد استيقظ عدد أقل من أولئك الذين يبذلون جهدا لوقف السادية.
بين الوقت الذي بدأت فيه قراءة هذا المقال ووصلت إلى نهايته، استشهد طفل آخر في غزة، وأصيب اثنان آخران. وهذا هو الحال: وفاة طفل كل ثماني دقائق. إن لامبالاة إسرائيل بهذه الحقيقة وإخفائها من قبل الصحافة هما الضرر الأكبر الذي ألحقته هذه الحرب بإسرائيل. والآن نعود إلى مراسلنا العسكري الذي سيخبرنا عن النجاحات التي حققها الجيش الإسرائيلي في دير البلح.
جدعون ليفي
المصدر: هآرتس