تقديم:
مقال هليل شوكن في صحيفة هآرتس أمس شديد الأهمية لانه يسلط الضوء على تداعيات عملية طوفان الأقصى والصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية وحاضنتها الشعبية، وتأثيراتها الاستراتيجية التي ستؤدي – عند ارتقاء الأداء السياسي الفلسطيني إلى مستوى الأداء الكفاحي للمقاومة وعموم الشعب الفلسطيني- إلى اعادة تشكيل الوعي الفلسطيني والاسرائيلي والعربي والإقليمي والدولي، بترابط حل المسألتين الفلسطينية والاسرائيلية. وعدم إمكانية تجاوز الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير على أرض وطنه، في أي ترتيبات إقليمية أو دولية.
صحيح أن الشعب الفلسطيني دفع، وما يزال ،ثمنا باهظا للبدء بعكس مسار الهزائم المتتالية التي منيت بها الأمة العربية والإسلامية في القرنين السابقين، وخصوصا بعد الحرب العالمية الأولى. وأن قدر الشعب الفلسطيني (الذي يقع وطنه في مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري للمنطقة العربية – الإسلامية الممتدة التي تقع في مركز العالم وتشرف على طرق التجارة والمواصلات والاتصالات الدولية، وتمتلك ثروات طبيعية ومعدنية وفيرة وطاقة أحفورية تشكل عصب الاقتصاد الدولي، ما يجعل السيطرة عليها عنصرا مرجحا لموازين القوى العالمية) قد حتم عليه أن يبقي على جذوة النضال مشتعلة، ولو كان وحيدا، للتأسيس للنهوض بعد طول انكسار . حيث فلسطين -كما كانت عبر تاريخها الطويل الممتد لآلاف السنين – أم البدايات وأم النهايات.
وفيما يلي ترجمة للمقال المعنون:
يجب على إسرائيل أن تدرك أنها خسرت حرب غزة حتى تتمكن من إنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي
لن نفوز. ولا حتى معا. لقد خسرنا الحرب الحالية في قطاع غزة على حقنا في وطن قومي في أرض إسرائيل في 7 تشرين الأول /اكتوبر/ وكل يوم إضافي في العملية البرية لا يؤدي إلا إلى تفاقم الفشل.
وعندما تنتهي هذه الحرب الرهيبة، كما هو متوقع، في غضون بضعة أسابيع بسبب الضغوط الدولية، فإن وضع إسرائيل سيكون أسوأ مما كان عليه مباشرة بعد الهجوم الهمجي الذي شنته حماس. ولكن هل يمكن أن ينشأ شيء جيد من هذا الفشل؟
ربما نهاية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني؟
في 16 تشرين الأول/أكتوبر/، أعلنت حكومة عن أهداف الحرب:
- إنهاء حكم حماس في غزة.
- وتدمير قدراتها العسكرية.
- إزالة التهديد الإرهابي ضد إسرائيل من غزة.
– بذل أقصى جهد لحل قضية الرهائن.
– والدفاع عن حدود إسرائيل ومواطنيها.
عندما تنتهي الحرب، لن نكون قد حققنا ولو واحد من هذه الأهداف. وتشير استطلاعات الرأي حالياً إلى أن أفعالنا في غزة تعزز مكانة حماس بين الفلسطينيين، ليس فقط في غزة، بل ،وأيضا، في الضفة الغربية. أولئك الذين لم يكونوا يريدون حماس في غزة سوف يحصلون عليها الآن أيضاً في السلطة الفلسطينية.
أما بالنسبة للرهائن، فإن ما اعتبره الكثيرون جهدا أقصى لتحريرهم لم يكن ناجحا إلا جزئيا، وتم إطلاق سراح أقل من النصف. وكل يوم من القتال الإضافي يعرض حياة الأغلبية الذين ما يزالون في الأسر للخطر. وإذا تم التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراحهم، فلن يتعين علينا فقط إطلاق سراح جميع الفلسطينيين المحتجزين في إسرائيل- بما في ذلك أولئك الذين تلطخت أيديهم بالدماء، بل سيتعين علينا أيضا سحب قواتنا والالتزام بإنهاء الحرب.
إن قادة حماس ليسوا أغبياء، لن يوافقوا على أي شيء أقل من ذلك. وسيُطلب من أصدقائنا الذين يرعون الصفقة تقديم ضمانات بأن إسرائيل لن تستأنف الهجوم بعد ذلك.
لقد بلغت مكانة إسرائيل الدولية بالفعل مستوى غير مسبوق من الحضيض، الأمر الذي لا يعرض علاقاتها مع أصدقائها، وخاصة الولايات المتحدة، للخطر فحسب، بل وأيضا مع الجاليات اليهودية في مختلف أنحاء العالم، ويحول الإسرائيليين إلى منبوذين في الخارج. كما تضاءلت مكانتنا بين الدول الأخرى في المنطقة بشكل كبير.
وعلى النقيض من الافتراض بأن حزب الله مردوع عن مهاجمتنا، فإن إسرائيل هي المردوعة. وقد حظي ضعفها في مواجهة حزب الله بتأكيد مدو عندما أدرك الرئيس الأمريكي جو بايدن الوضع، وأرسل بسرعة قوة عسكرية إلى البحر الأبيض المتوسط مثيرة للإعجاب وعلى الرغم من قوة الردع الأميركية هذه، فإن الأقمار الصناعية الإيرانية قادرة على إثارة المشاكل. فقد حول حزب الله عشرات الآلاف من سكان شمال إسرائيل إلى لاجئين في بلدهم، بينما نجح الحوثيون في اليمن من الجنوب في قطع العلاقات البحرية مع إسرائيل. وبذلك اضطرت إسرائيل إلى قبول ما اعتبرته سببا للحرب في عامي 1956 و1967.
ومن دون تبرير الهجوم الهمجي الذي يشنه الفلسطينيون على المجتمعات المحلية في جنوب إسرائيل، علينا أن ننظر إليه باعتباره الذروة الحالية لنضالهم الوطني العنيف ضد وجود إسرائيل ذاته، باعتبارها الوطن القومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل.
طوال 75 عاما من وجودها، تمكنت إسرائيل من إحباط طموح الفلسطينيين في تدميرها وتدمير تعريفهم الذاتي لفلسطين كدولة ذات سيادة على كامل الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.
وقد فعلت ذلك في البداية من خلال فرض حكومة عسكرية على الفلسطينيين داخل إسرائيل وصد الهجمات عبر خطوط الهدنة لعام 1949، ثم في وقت لاحق من خلال الحكم العسكري على الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، التي احتلتها في حرب الأيام الستة عام 1967.
السنوات العديدة التي مرت منذ ذلك الحين لم تضعف الفلسطينيين. إن شدة معارضتهم لوجود إسرائيل نفسه فرضت ثمنا من الدماء على الجانبين، وثمنا ماليا ما يزال يتزايد.
ومن أجل منع الحرب الحالية من أن تكون مقدمة لاندلاع أعمال عنف أكبر بكثير والحفاظ على الوطن القومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل، يجب على إسرائيل أن تحدد إنهاء معارضة الفلسطينيين لوجودها كهدف سياستها الإستراتيجية الأسمى.
وتأمل الحركة المسيحانية الإسرائيلية أن تحقق هدفها “بعون الله” بطرد جميع الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية.
ومن وجهة نظرها، فإن عدد القتلى الهائل في غزة وأعمال الشغب التي يقوم بها المستوطنون في الضفة الغربية، والتي ترتكب تحت رعاية الشرطة والجيش، تهدف إلى “تشجيع” الفلسطينيين على الهجرة من الأراضي الخاضعة لسيطرة إسرائيل – الأمر الذي سيعني التطهير العرقي لنحو 5 ملايين فلسطيني.
ومع ذلك فمن الصعب أن نتصور أن العالم ــ الذي سوف يجبر إسرائيل قريبا على إنهاء الحرب في غزة، في ضوء عشرات الآلاف من القتلى والجرحى الفلسطينيين والدمار المادي والإنساني الذي وصل إلى أبعاد مروعة ــ سوف يسمح بهذا الحل.
إن فشل إسرائيل الأولي في حرب يوم الغفران عام 1973، والإنجاز المصري في عبور قناة السويس أعاد شرف مصر وأدى إلى توقيع اتفاق سلام.
إن اعتراف إسرائيل بخسارتها في الحرب الحالية، كما وصفنا أعلاه، سيساعد في استعادة الشرف الوطني الفلسطيني الذي تم دهسه منذ 56 عاماً.
ويبدو أن هذه خطوة ضرورية في عملية ستؤدي إلى إنهاء الحرب في غزة وتبادل الأسرى، حيث سيتم إطلاق سراح جميع الفلسطينيين المسجونين في إسرائيل مقابل جميع الرهائن الإسرائيليين، الذين يعتمد مصيرهم على مقدار الوقت الذي يمر. قبل أن تعترف إسرائيل بهذا الواقع.
وسوف تضطر إسرائيل إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة ذات سيادة ومستقلة، وإجراء مفاوضات مع أي قيادة يختارونها بشأن إنهاء الصراع على أساس قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام السعودية. فهل تبشر كارثة السابع من تشرين الأول/أكتوبر/ بمستقبل جديد للشرق الأوسط؟
البروفيسور هيليل شوكين هو مهندس معماري يدرس في جامعة تل أبيب ومؤسس ميرهاف – حركة العمران الإسرائيلي.
هيليل شوكن
المصدر: هآرتس