تقديم:
جدعون ليفي من الصحفيين التقدميين اليهود القلائل، القلقين من سلوك دولته على مستقبل يهود المستعمرة الصهيونية. والمواظب على تنبيههم للأخطار التي تتربص بهم بسبب عواقب السلوك الإجرامي والوحشي لقادتهم وجيشهم ومستوطنيهم، والذي يتواصل للعقد الثامن على التوالي، بغض النظر عمن يسيطر على مواقع صنع القرار في الكيان الصهيونى/ العلمانيين أم المتدينين. اليسار أم اليمين أم الوسط، الأشكناز أم السفارديم تحسب لجدعون ليفي جرأة مواقفه وصراحته، واعترافه في مقالاته بتأييد الغالبية الساحقة من مستوطني المستعمرة الصهيونية للتدمير المنهجي والإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة ومخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية.
ولا يخفي أن ذلك يعود أساسا لاعتقاد غالبيتهم الساحقة بحقهم الحصري في فلسطين، باعتبارهم شعب الله المختار. وبشرعية استئثارهم في الحياة والحرية والأمن واحتكار القوة وتوظيفها لإبادة وإخضاع الشعب الفلسطيني الأصلاني، ومواصلة الإفلات من العقاب. مطمئنون إلى متانة التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري، والتزامه بضمان أمنهم ورفاههم لقاء الدور الوظيفي الذي يقومون به في إدامة الهيمنة الاستعمارية الغربية على عموم المنطقة العربية – الإسلامية الممتدة، التي تلعب السيطرة عليها دورا حاسما في ترجيح موازين القوى الدولية – من جهة. ومعتمدين ،أيضا، على استمرار عجز المجتمع الدولي، وخنوع وإذعان النظام الرسمي العربي والإسلامي لسطوة القوة من جهة أخرى.
ورغم تميز مواقف الكاتب . إلا أنه ما يزال رهينة الصدمة الكبرى التي أحدثها طوفان الأقصى. فتفاجأ -كما بقية يهود المستعمرة الصهيونية وحماتهم الأمريكيين والأوروبيين – بثورة ضحاياهم، وتجرؤهم في السابع من تشرين الأول/أكتوبر/على التمرد ومواجهة الطغاة محتلي وطنهم.
فوصف الكاتب انتهاج العنف للتحرر وكسر الحصار- بعد استنفاذ الشعب الفلسطيني للمفاوضات ولكل أشكال المقاومة السلمية كسبل لنيل حقوقه الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف دون جدوى. وبالرغم من قبوله بتشارك العيش في وطنه في إطار دولة وطنية ديمقراطية يتساوى فيها جميع مواطنيها أمام القانون. ورغم مشروعية المقاومة المسلحة للشعوب الساعية للتحرر من الاستعمار في القانون الدولي – ولم يمنعه ذلك من وصف مقاومة حماس بالهمجية والوحشية.
ورغم اعتراف الكاتب الصريح بحقيقة ”أن بعض الإسرائيليين الذين تحتجزهم حماس منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر/ يتلقون معاملة أفضل من الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل منذ عقود وفقا لحديث الرهينتان المفرج عنهما تشين وأغام غولدشتاين مع أ لقناة 12 الإخبارية، وتوضيحهما كيف قام خاطفوهما بحمايتهما خلال الغارات الجوية الإسرائيلية. ما عرضهما لهجوم شرس على وسائل التواصل الاجتماعي لأنهما تجرأتا على قول الحقيقة”.
وعلى الرغم من معرفته الأكيدة بالفارق الجوهري بين المنظومة القيمية والأخلاقية الاستعمارية الغربية الصهيونية العنصرية، وبين المنظومة القيمة الإنسانية والأخلاقية للثوار الفلسطينيين المدافعين عن وجودهم وحقهم في الحياة والحرية وتقرير المصير.
إلا أن ،ذلك، لم يخف نزعة الكاتب الاستعلائية لتبرير الهمجيه الصهيونية، بتساؤل استنكاري بالقول: بأن حماس” قتلت واختطفت بشكل عشوائي واحتجزت العشرات من كبار السن والمرضى والأطفال كرهائن لعدة أشهر في ظروف قاسية لا تطاق. والتظاهر بالبراءة بالتساؤل:
“لكن هل هذا يجعل من المشروع لنا أن نتصرف بالمثل؟ ننسى الأخلاق؟”
اللافت ازدواجية الصحفي التقدمي الجريء، عندما يتحدث عن المثل والأخلاق، في ذات الوقت الذي يحذر فيه يهود المستعمرة الصهيونية من الأخطار لو قامت حماس- التي تحتجز الرهائن الإسرائيلين- بمحاكاة سلوك الجيش الصهيوني- الذي يحتجز آلاف الأسرى الفلسطينيين والمختطفين من الأطفال والفتية والنساء والشيوخ والمرضى والعمال، ويعذبهم ويقتل بعضهم”.
والملفت أن الكاتب لا يحذر قومه من أخطار وعواقب حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتهجير للفلسطينيين في قطاع غزة ومخيمات وقرى ومدن الضفة الغربية التي يوثقها في مقالاته.ولا ينبه يهود المستعمرة الصهيونية من عواقب مواصلة إنكار وجود الشعب الفلسطيني الأصلاني الذي يضاهيهم عددا، ويفوقهم اصرارا على بلوغ حقوقه الأساسية في الحياة والحرية والعودة، بالتوازي مع استعداده لتشارك وطنه مع من يرغب منهم البقاء في موطنه الجديد، والمشاركة في النضال التحرري لهزيمة وتفكيك النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري، الذي بات خطر استمراره لا يقتصر على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة وحدها، بل يطال، أيضا، يهود المستعمرة الصهيونية ويهود العالم ، ويهدد الأمن والسلم الدوليين.
وفيما يلي ترجمة للمقال المعنون: “عندما تسيء إسرائيل معاملة الرهائن الذين تحتجزهم”
كل يوم أحد وثلاثاء، يدخل الحراس الإسرائيليون زنازين السجناء الفلسطينيين، ويقيدون أيديهم ويضربونهم بالهراوات. هذه هي حفلتهم الأسبوعية، بحسب السجناء المفرج عنهم. وقد توفي أربعة سجناء منذ بدء الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر/. ومن المؤكد تقريبا أنهم ماتوا بسبب الضرب. ويجري التحقيق مع تسعة عشر حارسا شاركوا في هذه الحفلات المريضة، للاشتباه في تسببهم بوفاة أحد السجناء.
ويظل مئات الفلسطينيين المعتقلين في قطاع غزة مقيدين ومعصوبي الأعين على مدار 24 ساعة في اليوم. كما يتعرضون للضرب المبرح. البعض، وربما معظمهم، ليس لهم أي صلة بحماس. بعضهم – ولم يكلف أحد نفسه عناء الإبلاغ عن عددهم – ماتوا في الأسر في قاعدة سدي تيمان. كما أن حوالي 4000 عامل من غزة تم اعتقالهم في إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر/ رغم أنهم لم يرتكبوا أي خطأ، محتجزون أيضا في ظروف غير إنسانية. وقد مات اثنان منهم على الأقل. وقد كتب الكثير عن تجريد المعتقلين من ملابسهم كما تدلل الصور المهينة.
وفي هذه المنافسة الرهيبة على حجم الشر، لا يوجد فائزون، بل خاسرون فقط. ولكن من المستحيل أن نتحدث ليل نهار عن الفظائع التي ترتكبها حماس ـ فالكتاب يتنافسون مع بعضهم البعض حول من يستطيع أن يصوغ أكثر المصطلحات ازدراء للمنظمة ـ في حين يتجاهلون تماما شر إسرائيل.
كما أنه لا يوجد فائزون، بل خاسرون فقط، في المنافسة على كمية الدماء التي تُراق وطريقة إراقة الدماء. لكن لا يمكن تجاهل الكمية المروعة من الدماء التي سالت في قطاع غزة. وفي نهاية هذا الأسبوع، قُتل نحو 400 شخص خلال يومين، معظمهم من الأطفال. يوم السبت، رأيت صور نهاية الأسبوع من البريج والنصيرات، وفيها أطفال يموتون على أرضية مستشفى الأقصى في دير البلح، وهي مرعبة.
وعلى نحو مماثل، فإن رفض إسرائيل زيادة كمية المساعدات الإنسانية المسموح بدخولها إلى غزة-في تحد لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة- يشهد على سياسة الشر التي تنتهجها إسرائيل.
وكأن كل هذا لم يكن كافيا، فقد رفعت أصوات الشر داخل إسرائيل حاجز المقترحات الشيطانية. الصحفي تسفي يحزقيلي يفضل قتل 100 ألف من سكان غزة في الضربة الأولى. وكان لدى اللواء احتياط جيورا آيلاند أفكار أخرى، وتحول من اقتراح نشر الوباء في غزة إلى اقتراح تجويع سكانها.
وحتى أمير اليسار الجديد الساحر، يائير جولان، الذي يفوز حاليا بـ 12 مقعدا في الكنيست في استطلاعات الرأي، من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم الإسرائيليين الجميلين، قال لسكان غزة في مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت اليومية: “فيما يتعلق بنا، يمكنكم أن تتضوروا جوعا حتى الموت. هذا أمر مشروع تماما.”
ومع ذلك، بعد كل هذا، فإننا نعتبر حماس الوحش الوحيد في المنطقة، وزعيمها هو المصاب الوحيد بالذهان، والطريقة الوحيدة التي تحتجز بها حماس الإسرائيليين كرهائن هي الطريقة غير الإنسانية.
من المستحيل أن لا نشعر بالرعب من التفكير في مصير الرهائن، وخاصة المرضى وكبار السن بينهم. ولكن من المستحيل أيضا أن لا نشعر بالرعب من مصير الفلسطينيين الذين بقوا مقيدين ومعصوبي الأعين لأسابيع وأشهر.
لا يحق لإسرائيل أن تضع معايير للشر عندما تكون أيديها ملطخة بالشر. القتل الجماعي والمجاعة والتهجير.
وكان ينبغي لطريقة تعاملنا مع السجناء الفلسطينيين أن تثير غضب الإسرائيليين بشكل خاص، ولو حتى لو كان ذلك فقط بسبب الخطر الذي يهدد الإسرائيليين الذين تحتجزهم حماس.
ماذا سيفكر عضو حماس الذي يحتجز رهينة إسرائيلية عندما يسمع أن رفاقه يتعرضون لتقييد وضرب مستمر؟
يمكننا أن نستنتج بحذر أن بعض الإسرائيليين الذين تحتجزهم حماس، على الأقل، يتلقون معاملة أفضل من الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل. عندما تحدثت الرهينتان المفرج عنهما تشين وأغام غولدشتاين للقناة 12 الإخبارية ليلة الجمعة عن معاملة حماس لهم، وكيف قام خاطفوهما بحماية أجسادهم خلال الغارات الجوية الإسرائيلية.تعرضوا لهجوم شرس على وسائل التواصل الاجتماعي. كيف يجرؤون على قول الحقيقة؟
لقد نفذت حماس هجوما همجياً في 7 تشرين الأول/أكتوبر/، حيث قتلت واختطفت بشكل عشوائي. لا توجد كلمات لوصف وحشيتها، بما في ذلك احتجاز العشرات من كبار السن والمرضى والأطفال كرهائن لعدة أشهر في ظروف قاسية لا تطاق.
لكن هل هذا يجعل من المشروع لنا أن نتصرف بالمثل؟ ننسى الأخلاق. فهل ستفعل وحشية إسرائيل في الحرب وفي سجونها أي شيء لتحقيق أهدافها؟
فهل ستحرر حماس رهائنها بشكل أسرع إذا أساءت إسرائيل إلى الفلسطينيين الذين تحتجزهم كرهائن.
جدعون ليفي
المصدر: هآرتس