تقديم:
يسلط جدعون ليفي في مقاله الشجاع الضوء على عنصرية ووحشية الغالبية الساحقة ليهود المستعمرة الصهيونية، الذين جردتهم عقيدتهم الاستعمارية الاستيطانية العنصرية من الإنسانية. وباتوا نسخة مطابقة للنازية الأوروبية، التي وظفت قبل تسعين عاما ذات الفكر الاستعماري الاستئصالي العنصري اتجاه يهود أوروبا، وحملتهم، آنذاك، كامل المسؤولية عن المحرقة.
لكن الكاتب جافى الحقيقة عندما ربط العنصرية والسلوك النازي لجيش المستعمرة الصهيونية (الذي يحظى بتأييد ساحق من كافة مستوطنيها العلمانيين والقوميين والمتدينين، ومن مختلف التيارات السياسية في اليسار واليمين والوسط على السواء) بعملية طوفان الأقصى. والإيحاء ،بذلك، بأن حرب الإبادة المحتدمة حاليا في قطاع غزة هي حرب “عادلة ” كما وصفها في عديد من مقالاته، وردة فعل غاضبة ” تجاوزت الحدود “على هجوم حماس في السابع من تشرين آلأول/ أكتوبر/. وليست -كما هو ثابت تاريخيا – انعكاسا لذات العقيدة الإجرامية التأسيسية التي حكمت نشأة المستعمرة الصهيونية، منذ أن قرّر التحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري قبل نحو قرنين الاستيلاء على عموم المنطقة العربية – الإسلامية الممتدة، وتوظيف الدين اليهودي لإنشاء كيان استعماري استيطاني أجنبي وظيفي في مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري بين مشرقها ومغربها. عبر استبدال فلسطين بإسرائيل، واستبدال شعبها العربي الفلسطيني الأصيل بالغزاة المستوطنين اليهود الذين سيقتلعهم ذات التحالف من أوطانهم الأصلية، ويعيد توطينهم في فلسطين.
تأخر جدعون ليفي كثيرا في الإعراب عن خجله بكونه إسرائيليا، لوحشية وهمجية دولته. خصوصا وأنه قد سبق ووثق العديد من جرائم الإبادة والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى امتداد مساحة فلسطين الانتدابية. ما يثبت له ولغيره أن حرب الإبادة الجارية حاليا في قطاع غزة،ليست استثناء، وإنما هي استمرار لذات النهج والسلوك الإجرامي للعقيدة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية العنصرية آلتيّ تأسست عليها المستعمرة الصهيونية. وتكرار لمجازر الإبادة الجماعيه والتطهير العرقي التي تم ارتكابها في الطنطورة ودير ياسين وقبية وكفر قاسم وخان يونس ورفح وجباليا وعشرات غيرها، وتسببت في تدمير 530 قرية ومدينة فلسطينية، واقتلاع وتشريد 750 ألفا من أبناء الشعب الفلسطيني الأصلاني. وكان يفترض به الاعتراف بأن الدولة المخجلة التي ينتمي لها، ما تزال تلاحق ضحاياها الفلسطينيين للعقد الثامن على التوالي في مواطن لجوئهم لإخفائهم من الوجود، ابتغاء للعيش الآمن المستقر فوق أنقاضهم.كما فعل أسلافهم في التحالف الإستعماري الغربي العنصري عندما أبادوا الشعوب الأصيلة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
الغريب ان الكاتب التقدمي جدعون ليفي يبدو متفاجئا بافتقار بن كاسبيت / الصحفي الإسرائيلي الناجح المعتدل/ للإنسانية. وكأنه يتناسى أن رئيسة الوزراء عن حزب العمل “اليساري “جولدا مائير قد سبقت بن كاسبيت في توصيف “إنسانية إسرائيل” عندما أعلنت في مؤتمر صحفي قبل نصف قرن لومها لضحاياها الفلسطينيين الذين اضطروها لقتل أطفالهم بقولها: «يمكننا أن نسامح الفلسطينين على قتلهم لأطفالنا، ولكن لا يمكننا أن نصفح عنهم لإجبارهم إيانا على قتل أطفالهم».
وفيما يلي ترجمة للمقال: في إسرائيل، هناك 20 ألف من سكان غزة مسؤولون عن وفاتهم.لم أشعر بمثل هذا الخجل أبدا
يجسد الصحفي بن كاسبيت المركز الإسرائيلي. وهو يعيش في هود هشارون ويشارك في استضافة برنامج حواري إذاعي مع الصحفي ينون ماجال-وهو من أقصى اليمين- .ومن المفترض أن بن كاسبيت ليس كذلك. إنه صحفي ناجح ذو علاقات جيدة ويحظى باحترام كبير.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، كتب المدير التنفيذي لمنظمة “كسر الصمت” المناهضة للاحتلال على قناة إكس : “لا تنظر بعيدا. دخل مراسل سي إن إن إلى جنوب قطاع غزة وفتح نافذة على جحيم غزة”.
وقال بن كاسبيت-وهو شخص معتدل ومحترم في نظره- رداعلى ذلك: “لماذا يجب أن ننظر؟ لقد استحقوا جحيمهم بأمانة، وليس لدي ذرة من التعاطف”.
بنكاسبيت، كالعادة، هو لسان حال التيار السائد في إسرائيل.”
ثمانية آلاف طفل هم المسؤولون عن موتهم، 20 ألف شخص مسؤولون عن القتل، تسبب 2 مليون شخص في اقتلاعهم من جذورهم. هكذا يتحدث الغني دائما عن الفقير، والناجح عن الأقل حظا، والأصحاء عن المعاقين، والقوي عن الضعيف، والأشكناز عن اليهود الشرقيين: إنهم يتحملون المسؤولية عن كونهم ضحايا.
وفي إسرائيل ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر/، يستطيع المرء أن يلوم 10.000 طفل ورضيع على موتهم دون أن يكون لدى إسرائيل أي ذرة من المسؤولية والذنب.
وفي إسرائيل ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر/، لا يستطيع المرء أن يشعر بأنه بريء من اللوم إلا لأن حماس بدأت بارتكاب الفظائع أولا.
دولة في حالة خراب وكل سكانها في الجحيم، ومولد هذا الجحيم لا يتحمل أي ذنب، ولا حتى ولو قليلا، ولا حتى مع ذنب حماس. إن مثال المركز الإسرائيلي لا يملك حتى ذرة من التعاطف مع الأطفال مبتوري الأطراف كما يظهر في التقرير الشجاع والمروع لكلاريسا ورد من مستشفى رفح.
لتبتر أطرافهم، وليموت الأطفال، وليموت كل الغزيين، وليختنقوا في الجحيم، هذا ليس من شأننا. إنهم المسؤولون عن مصيبتهم، هم وحدهم. لقد توصل بنكاسبيت إلى شيء ما هنا – الضحية مسؤول عن كونه ضحية.
وبغض النظر عن مسألة الذنب والمسؤولية – فهي كلها تقع على عاتق حماس، وليس على الإطلاق على إسرائيل، التي ينطلق جنودها وطياروها بوحشية بلا قيود في غزة – ليس لدينا أي يد في ذلك، والشيء الرئيسي هو أننا لا نشعر بالذنب أبدا تجاه ذلك.
إذا وضعنا هذا جانبا للحظة، يحتاج المرء إلى درجة لا تصدق من البلادة والقسوة وحتى الهمجية حتى لا يشعر على الأقل ببعض التعاطف مع الأطفال الذين يموتون على أرضيات المستشفى، أو مع أب يبكي على جثة طفله، أو مع رضيع مغطى بغبار منزله المقصوف، يبحث عبثا عن أحد في العالم، عن أناس يعيشون شهرين في رعب ويأس ولم يبق لهم شيء في حياتهم، من أجل الجياع والمرضى والمعوقين والمحرومين في قطاع غزة.
وحتى التعاطف محظور في نظر بنكاسبيت وأمثاله، لئلا تتسلل فكرة خطيرة ومحرمة، وهي أن الذين يعيشون في غزة هم بشر، وهذا أمر لا يستطيع الإسرائيليون التعامل معه.
وهذا تجاوز لخط خطير قد يتبعه أفكار غريبة عن الإسرائيليين، حول المدى المسموح بالذهاب إليه من أجل قضية عادلة. ما هو مسموح، وبشكل رئيسي ما هو محظور تحت أي ظرف من الظروف.
هناك أشياء ممنوعة تحت أي ظرف من الظروف. مقتل 8000 طفل في شهرين مثلا. يريد بن كاسبيت وقومه فقط أن يهتفوا للجيش البطل دون أن يروا نتائج صنعهم.
الإنسانية ممنوعة، نحن إسرائيليون. عندما يحدث زلزال في أي مكان في العالم، سنرسل المساعدات ونفخر بأنفسنا، لكن القتل الجماعي في غزة ليس من شأننا. هذه هي الطريقة التي تعمل بها الأخلاق الإسرائيلية. والمقصود من ذلك هو السماح لبن كاسبيت، وليس فقط ماجال، بالشعور بالرضا عن أنفسهم بشأن غزة.
وفي مؤتمر دولي عقد في نهاية الأسبوع الماضي في إسطنبول، قلت-من بين أمور أخرى- أنني لم أشعر قط بالخجل من كوني إسرائيلي كما شعرت عندما شاهدت الصور من غزة. تم نشر هذه الكلمات على موقع إسرائيلي شهير. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، تلقيت المئات (وربما الآلاف حتى الآن) من المكالمات والرسائل النصية المسيئة.
يمكن للمرء أن يتعلم في كثير من الأحيان عن المجتمع من خلال مجاراته. معا سوف ننتصر، هذا ما يقوله الشعار الحالي. لكن المسافة بين مياه الصرف الصحي التي تتدفق في طريقي وبين كلمات بن كاسبيت المحترم ظاهريا، أصغر مما يتصور المرء.
لا يوجد فرق بين كراهية العرب وتجريدهم من إنسانيتهم، كما تعبر عنها اللغة المبتذلة غير الواضحة للمتصلين بي، وبين كلمات بنكاسبيت جيدة الصياغة.
لقد فقدت إسرائيل العليا والسفلى صورتها الإنسانية. وهذا سبب كاف للخجل من كوننا إسرائيليين.
جدعون ليفي