تقديم:
فيما يلي ترجمة لمقال مهم للبروفيسور كينيث سورين أستاذ الأدب والدين والنظرية النقدية في جامعة ديوك بولاية نورث كارولينا. يكشف فيه انحياز الإعلام الغربي للصهيونية وإسرائيل، ويسلط الضوء على تقارير كتابهم المشهورين ومنهجهم في تغطية الحرب في قطاع غزة، الهادفة لتبرئة إسرائيل من جرائم الحرب التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني، وإلقاء المسؤولية على المقاومة. ويتناول في مقاله كتاب الأعمدة الكبار في صحيفة نيويورك تايمز توماس فريدمان، وجوناثان فريدلاند في صحيفة الغارديان البريطانية المسؤول الرئيسي عن تقديم التعليقات والتقارير حول الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي.
وفيما يلي ترجمة للمقال: ”الصهيوني جوناثان فريدلاند النسخة البريطانية الدقيقة من توماس فريدمان“
يعطي جوناثان فريدلاند الانطباع الكلي بأنه منصف و”موضوعي” في هذا التعليق، على عكس المعلق الأمريكي الأقل معرفة والبعيد عن الحياد توماس فريدمان. الذي ليس سوى مجرد معجب بالليكود وحلفائه السياسيين (بصرف النظر عن الاعتراض الصامت العرضي عندما توجه إسرائيل قوتها العسكرية الساحقة نحو الفلسطينيين البائسين، على الرغم من أن فريدمان يجد دائما في النهاية طرقا لتبرئة إسرائيل).
ذهب فريدلاند إلى إسرائيل لتغطية صراعها الحالي مع غزة. وفي مقال نشرته صحيفة الجارديان، طلب من قرائه ”الاستماع إلى المكالمة الهاتفية التي أجراها أحد قتلة حماس في 7 تشرين الأول /أكتوبر/ مع والديه في غزة. استمعوا إلى فخره وفرحته الغامرة وهو يقول لهم إنه “قتل اليهود” بيديه، بما في ذلك زوج وزوجته وثمانية آخرين. “أبي، 10 قتلتهم بيدي!”.
دعت صحيفة الغارديان قراء هذا المقال إلى تقديم رد على ما كتبه فريدلاند. وهذا ما أرسلته (لم يتم نشره):
”هذا التعطش للدماء الذي لا يوصف الذي أشار إليه فريدلاند. يذكرنا بحادثة موازية خلال الهجوم الإسرائيلي على مخيم جنين للاجئين قبل عقدين من الزمن:
موشيه نسيم، مشغل الجرافة في جيش الدفاع الإسرائيلي في جنين: “قبل أن نذهب إلى جنين طلبت بعض الرجال أن يعلموني كيفية تشغيل جرافة جرافة كاتربيلر د-9. علموني كيف أتقدم للأمام وأمسح طابقا … لمدة ثلاثة أيام قمت بمسح ومسح للطوابق فقط… واصلت شرب الويسكي لمحاربة التعب. عملت لهم ملعبا وسط المخيم! لم أر جثثا تحت عجلات الجرافة… لكن إذا كانت هناك جثث فلا يهمني”. نُشر أصل المحادثة في تقرير بقلم تسادوك يحسكيلي، في يدعوت أحرونوت في 31/5/2002 على عكس السيد فريدلاند، لست متأكدا من الدروس التي يمكن استخلاصها على وجه التحديد من مثل هذه الحالات من إراقة الدماء غير المقيدة.
ويتطلب القانون الدولي محاسبة مجرمي الحرب الهائجين (على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني)، وليس من غير المعقول أن نتوقع من الصحفيين المنصفين أن يعترفوا بكلا الحالتين وفقا لذلك.
وفي مقال لاحق من إسرائيل يقول جوناثان فريدلاند: في الواقع، هناك ثمن باهظ يجب دفعه طالما استمرت إسرائيل في القتال في غزة، ويتمثل في مقتل الآلاف من الأبرياء. وهناك ثمن باهظ يتعين علينا أن ندفعه إذا أوقفت إسرائيل القتال في غزة، تاركة بذلك التهديد القاتل على حاله. ولا يمكن تحمل أي من الخيارين.
إنه خيار مأساوي. لا يمكننا أن نفعل الكثير للشعبين المحاصرين بهذا الاختيار، ولكن يمكننا على الأقل أن نعترف بأننا نرى ذلك”. ولكن: أليست إسرائيل أيضا تشكل “تهديدا قاتلا وإقصائيا ” لسكان قطاع غزة منذ فرضت حصارها المحكم على تلك المنطقة في العام 2007؟ فلماذا لا نشير إلى ذلك، بدلا من الإشارة بإصبع الاتهام إلى أحد الأطراف المعنية فقط؟
ولماذا لا نستطيع “فعل الكثير من أجل الشعبين المحاصرين بهذا الاختيار”؟
هناك طريقة واضحة للخروج من هذه المأساة المفترضة؟
لكن أولا هناك خلاف آخر في هذه المقالة يتطلب الاهتمام. يقول فريدلاند إن “المسؤولية عن عدد القتلى الذي يقدر بما يزيد على 15 ألف شخص – في أقل من شهرين – تقع بشكل مباشر على عاتق حماس التي تزرع نفسها عمدا في المراكز السكانية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات”.
إن فريدلاند على حق في قوله إن حماس تطمس الخط الفاصل بين مقاتليها والمدنيين غير المقاتلين في قطاع غزة – وهذا بالطبع انتهاك ظاهري للقانون الدولي، على الرغم من أن تطبيق هذا القانون في الحرب غير المتكافئة يفتقر إلى قابلية التطبيق الواضحة الموجودة في الحروب. ذات طابع أكثر انتظاما وقياسيا. ومع ذلك، فإن ادعاء فريدلاند يحجب حقيقة أن إسرائيل تطمس أيضا الخط الفاصل بين مقاتليها في الخدمة الفعلية، وأولئك المدنيين الذين تم تصنيفهم على أنهم “جنود احتياطيين”.
في إسرائيل، الخدمة العسكرية إلزامية لمعظم المواطنين، حيث يخدم الرجال لمدة عامين ونصف والنساء لمدة عامين، بدءا من سن 18 عاما. وبعد الانتهاء من الخدمة المطلوبة، يصبح هؤلاء الرجال والنساء عادة جزءا من احتياطيات قوة الدفاع الإسرائيلي (اقتباس). وهذا يعني أن هؤلاء الأفراد، الذين عادة ما تصل أعمارهم إلى 40 عاما (50 عاما في بعض المجالات المتخصصة)، يمكن استدعاؤهم مرة أخرى إلى الخدمة الفعلية بناء على طلب من حكومتهم.
فهل يعتبر الإسرائيلي الذي يتراوح عمره بين 18 و40 عاما في الحياة المدنية حقا وبشكل روتيني مدنيا غير مقاتل؟
ففي نهاية المطاف، يسمح لجنود الاحتياط بأخذ أسلحتهم معهم إلى بيوتهم عندما ينهون خدمتهم في الجيش النظامي، ووسائل الإعلام مليئة بصور الإسرائيليين في مدنيين يحملون بنادقهم في وسط البلدات والمدن.
وبعد وقت قصير من هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر/ الذي نفذته حماس، قامت إسرائيل بحشد قوات الاحتياط لديها إلى حدود 360 ألف جندي.
وأي شخص يهودي في أي مكان في العالم يعتبر مواطنا في إسرائيل بموجب قانون حق العودة، بغض النظر عن مكان ميلاده. ونتيجة لذلك، فإن العديد من “الإسرائيليين” يمتلكون جنسية مزدوجة، ويمكن استدعاؤهم للخدمة في الجيش الإسرائيلي أثناء إقامتهم في الخارج. ووفقا لصحيفة واشنطن بوست، فقد أبلغ حوالي 10.000 شخص يعيشون في الولايات المتحدة وحدها عن استدعائهم للخدمة العسكرية الإسرائيلية بعد تلقي إخطارات التجنيد التي كانت جزءا من التعبئة العامة بعد هجوم حماس في تشرين الأول/أكتوبر/ (بالمناسبة، هذا يشمل شخصا يعيش ويعمل (كممول في لوس أنجلوس – ومن ثم فهي حالة محتملة لكسب المال في بلد ما، وقتل الفلسطينيين في بلد آخر).
وقامت شركات الطيران الإسرائيلية “إلعال” و”يسرائير” و”أركيا” بإضافة المزيد من الرحلات الجوية لإعادة جنود الاحتياط هؤلاء إلى “وطنهم”، وفقا لمواقعها الإلكترونية وسلطة المطارات الإسرائيلية. وبالتالي، فإن ترسيم الحدود بين المقاتلين والمدنيين غير المقاتلين غير واضح بلا جدال من قبل كلا الجانبين في هذا الصراع.
وكما ذكر أعلاه، يؤكد فريدلاند أننا لا نستطيع “فعل الكثير من أجل الشعبين المحاصرين” فيما يعتبره مأساة لا ترحم. لكن بالطبع نستطيع!
نادراً ما يذكر فريدلاند المخالفات الإسرائيلية التي لا تعد ولا تحصى في تعاملاتها مع الشعب الفلسطيني. ويمكن البدء بمعالجة بعض هذه الأمور. تعتبر كافة الهيئات القانونية الدولية أن الحصار المفروض على غزة مخالف للقانون الذي يحظر استخدام العقوبات الجماعية ضد المدنيين. ويسمح القانون الدولي للشعب المحتل بالمشاركة في المقاومة المسلحة ضد قوة الاحتلال. وطالما أبقت إسرائيل على حصارها غير القانوني، ستكون هناك مقاومة مبررة ضد الحصار/المحتل غير الشرعي/ مع التحذير بعدم استهداف المدنيين غير المقاتلين. ولا بد من إقناع إسرائيل – التي تحظى حتى الآن بحماية وتحريض من ممولها الأمريكي – بالاعتراف بهذا الوضع. وفي الوقت نفسه، يؤكد فريدلاند وآخرون أن هذه الخطوة لن تكون اقتراحا عمليا لإسرائيل طالما حافظت حماس على موقفها “الإقصائي” تجاه إسرائيل.
وفي حين تعهدت حماس بـ”القضاء على الكيان الصهيوني” في ميثاقها التأسيسي لعام 1988، والذي دعا إلى إنشاء دولة إسلامية على كامل أرض فلسطين التاريخية، فإن “وثيقة المبادئ والسياسات العامة” الصادرة في أيار/ مايو/ 2017 تخلت عن النزعة الإقصائية لصالح هدنة طويلة الأمد تتواجد بموجبها إسرائيل داخل حدود العام 1967، كشرط لمزيد من المفاوضات التي تؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية.
ولم يتم تحديد الطبيعة الدقيقة لهذه الدولة الفلسطينية المفترضة، ولا طبيعة إسرائيل المستقبلية في وثيقة أيار/مايو/ 2017، مما دفع المتشككين في حماس إلى التأكيد على أن هذه كانت مجرد لعبة دبلوماسية لكسب الوقت، تستخدمها حماس بينما تسعى إلى تحقيق أهدافها طويلة المدى (الأهداف الإقصائية). لكن على أي حال، وعلى عكس فريدلاند وآخرين، لم تلتزم حماس علنا بالقضاء على إسرائيل منذ العام 2017.
لا شك أن الصهاينة مثل فريدلاند لديهم عدم ثقة عميق بحماس. ومع ذلك، فإن حماس ليست في وضع يسمح لها بتدمير إسرائيل عسكريا، فلماذا لا ننشئ إطارا تحت إشراف دولي، في سياق وقف إطلاق نار أو هدنة طويلة الأمد، حيث تتحمل حماس المسؤولية عن كل واحد من إعلاناتها السياسية والإجراءات اللاحقة؟ وبطبيعة الحال، فإن الشيء نفسه ينطبق على إسرائيل. فهل يراهن أحد على أن إجراء مبدئيا من هذا النوع غير مقبول بالنسبة لإسرائيل ومؤيديها في وسائل الإعلام الغربية؟
في الوقت نفسه، من المؤكد أن حماس في غزة سوف تصاب بالشلل بسبب النزعة العسكرية التكنولوجية الوحشية التي تمارسها إسرائيل، ولكن على المدى الطويل، من المؤكد أن حماس أو أي من حلفائها أو وكلائها سوف يجدون طرقاً لمواصلة المقاومة.
تستخدم ولاية نيو هامبشاير الأمريكية “عش حرا أو مت” كشعار رسمي لها. ماذا لو أصر الشعب الفلسطيني -الذي طالت معاناته -على الانضمام إلى نيو هامبشاير في الالتزام بهذا الشعار البسيط؟
أقول ذلك مع العلم أن 75% من سكان غزة أصبحوا الآن مشردين داخلياً، و400 ألف فقدوا وظائفهم منذ أن بدأت إسرائيل عملياتها الانتقامية بعد تشرين الأول/ اكتوبر/.
جوناثان فريدلاند: كاتب عمود كبير في صحيفة الغارديان، والمسؤول الرئيسي عنها في تقديم التعليقات والتقارير حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
كينيث سورين: أستاذ الأدب وأستاذ الدين والنظرية النقدية في جامعة ديوك بولاية نورث كارولينا.