كثيرون يدونون يومياتهم وينشرونها في كتب لا تحظى غالبيتها باهتمام العامة لخصوصيتها، ولتموضع كاتبها في مركز الرواية. غيرأن يوميات عبد الرحمن البيطار من نوع مغاير لاتسامها بتداخل وطغيان العام على الخاص.
فمنذ لحظة ولادته المتزامنة مع النكبة الكبرى عام 1948. وجد عبد الرحمن نفسه في مواجهة عالم ظالم تواطأ فيه الغزاة الغربيون المتنفذون وتوافقوا على استبدال وطنه فلسطين بإسرائيل، واستبدال شعبه العربي الفلسطيني الأصيل بالشعب اليهودي الذي جرىتخليقه على مدى عقود طويلة، باستدعاء الأساطير لاستيطانها. ونجحوا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية في توفير الموجبات المادية لاستيلاد المخلوق الهجين. ومنحه النظام الدولي الذي استحدثته القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، شرعية الوجود في55% من مساحة فلسطين الانتدابية، ثم رعى تمدده لاحقا في 78% منها، وتواطأ لاستئصال غالبية سكانها الأصليين وتشتيتهم فيمخيمات اللجوء داخل ما تبقى من فلسطين خارج الاحتلال الصهيوني، وفي المخيمات التي أنشأتها الأقطار العربية التي استحدثتها ذات القوى واستعمرتها، وتوافقت مع نخبها المتغربة على مقايضة استقلال فلسطين باستقلالها القطري.
ولم يكد عبد الرحمن البيطار يغادر مرحلة الطفولة حتى فاجأته الدولة الصهيونية الوليدة بهزيمة مدوية لثلاث دول عربية مجتمعة، كانيعول عليها في تحرير واستعادة وطنه. فصدمه استكمال احتلال ما تبقى من وطنه الفلسطيني، واحتلال كامل شبه جزيرة سيناءالمصرية وهضبة الجولان السورية- أي ما يفوق ضعفي مساحة الدولة الصهيونية المستحدثة فوق أنقاض الشعب الفلسطيني – خلالستة أيام. وأجبره هول الهزيمة على البدء بطرح الأسئلة الصعبة والبحث عن إجابات، فانخرط أثناء دراسته الجامعية كأقرانه القوميينالعرب في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم التحق بعد الانشقاق بالجبهة الديموقراطية. ونشط في الاتحاد العام لطلبة فلسطين،وواصل نشاطه السياسي بعد تخرجه إلى جانب امتهانه الهندسة.
وظل المهندس عبد الرحمن البيطار – كسائر أبناء الشعب الفلسطيني – مسكونا بالهم الوطني والقومي. يؤرقه الواقع المتردي ويشغلهالبحث الدؤوب عن أسباب وظروف تشكله.
ويشاء القدرأن يختبره عام 2017 بمرض اللوكيميا الحاد، فينخرط مكرها في صراع مرير مزدوج ضد مرض السرطان الذي يتربص بجسده، وضد سرطان استعمار استيطاني إجلائي – إحلالي يفتك بوطنه وشعبه منذ أكثر من قرن.
ويستثمر عبد الرحمن البيطار الفرصة التي أتاحتها العزلة القسرية التي أوجبتها مرحلة العلاج، ومنحته ما كان يتوق له من وقتللقراءة والتأمل والتمعن في تطورات الصراع المزمن مع العدو الصهيوني، والصراع المستجد مع مرض اللوكيميا الحاد، وتوثيقتفاعله معهما في يوميات واظبً على كتابتها بانتظام ملفت. ودونها في 1500 صفحة، أصدرها لاحقا مطبوعة في ثلاثة أجزاء وفقالزمن توثيقها. وتم إشهارها بتاريخ 19/12/2022 في حفل عام في نقابة مقاولي الإنشاءات بعمان، شارك به جمع كبير من النشطاء والأصدقاء الذين تابعوا يومياته بدأب شديد، فاكتشفوا فيه روائي وباحث طبي يضاهي في براعته السياسي والمهندس المتميز الذيعرفوه. وتفاعلوا معه أثناء تدوينها، واشتبكوا فكريا مع ما تضمنته في الشأن العام من أفكار ومقترحات خلص إليها، عبر سعيه الدؤوب لتفسير وقائع الحاضر الفلسطيني والعربي المظلم، من خلال الغوص في التاريخ واستعراض تطوراته مدعمة بالوثائق. مستهدفا، بذلك،استخلاص الدروس والعظات للتعلم والاستفادة من دلالاته. وتبصير الأجيال الفلسطينية والعربية الفتية بالأخطاءِ التي وقع بهاالسابقون، لتجنب تكرارها وتوفير الإطار المعرفي الذي لا غنى عنه لتلمس سبل ومستلزمات النهوض.
يتناول الجزء الأول من يوميات عبد الرحمن البيطار المعنون “مقاوم لسرطان الدم الحاد” والذي يستحوذ على تجربته الشخصية فيالصراع مع المرض، ويفرد لها نحو خمس يومياته (341 صفحة). فيصطحب معه القارئ بأسلوب روائي أخاذ في رحلة استكشافيةللمرض يحفزها شغف الباحث الجاد، المدرك لدوره التنويري في توفير المعرفة وتعميمها. حيث يشكل هذا الجزء توثيقا فريدا، وربماغير مسبوق، من حيث شموليته: بتوصيف المرض وتحديد مؤشراته والتعريف بأخطاره. ومن حيث تحديد السبل للتغلب عليه، عبررصده الدقيق لتفاعل الأطراف الأربعة ذات العلاقة، والدور المحوري لكل منهم في المعركة ضد المرض:
- توصيف المريض لأعراض المرض وتداعياته الجسدية والنفسية وتأثيراته الوجدانية.
- تفاعل الجهاز الطبي والتمريضي وتكامل اختصاصاته وآليات عمله التخطيطية والتنظيمية والإدارية.
- وصف مقارن للمؤسسات العلاجية المختلفة التي تعامل معها، من حيث الجاهزية والكفاءة.
- محورية دور الأسرة والأصدقاء في توفير الدعم العاطفي والمعنوي والمادي.
ويحسب لعبد الرحمن البيطار، أنه قد نجح بجعل هذا الجزء من اليوميات دليلا مرجعيا شاملا، يمكن آلاف الذين يختبرون بمرضاللوكيميا الحاد وذويهم. ويساعدهم في تبين سبل مواجهته ومستلزمات الانتصار عليه.
في الجزء الثاني من يومياته المعنون ” النكبة الفلسطينية والتطهير العرقي الصهيوني ” وأعتقد أن تسميته بيوميات فيه تجاوز للحقيقة. ربما دفعه لهذه التسمية المجازية توقيت إنجازها أثناء رحلة العلاج. واصل عبد الرحمن البيطار على مدى خمسة أشهر متصلة، تسجيليومياته بجلد يحسد عليه.
وبخلاف الجزء الأول، اتسم الجزء الثاني في صفحاته ال 721، بتداخل الخاص مع العام. عبر الجمع بين اليوميات التي توثقمسارعلاجه وأحداث أيامه، وبين التفاعل النشط مع التطورات السياسية الجارية الفلسطينية والعربية والدولية.
ولإدراكه بأن الحاضر ليس سوى حلقة وسطى بين الماضي والمستقبل. ومعرفته بأن حقائقه القائمة قد تشكلت نتيجة تفاعل منظومةمتكاملة. فقد سعى جاهدا للتعرف على بنية هذه المنظومة، والبحث عن أسبابِ وعوامل وظروف تشكلها، ومكنوناتها الفكرية، وتركيبةالقوى الرئيسية فيها. وأهدافها، وتشابكات مصالحها، وصيغ وآليات تفاعلها داخليا وخارجيا.
واستعان بالتاريخ المدون ووثائقه، وسلط الضوء على الدور الرئيسي الذي لعبته القوى الاستعمارية الغربية بعد انتصارها في الحربالكونية الأولى في تشكيل وقائع الحاضر الفلسطيني والعربي. وهو الانتصار الذي أسهمت به وسرعته الثورة العربية الكبرى، بتحالفقادتها مع بريطانيا ضد ظلم الحكم العثماني، الذي استفحل بعد انقلاب تركيا على دولة الخلافة. دون أن يمنعها ذلك من التنكر لتعهداتهالقادة الثورة ببلوغ الاستقلال. واتفاقها مع الفرنسيين بالاستحواذ على إرث الإمبراطورية العثمانية وتقاسمه. وتوافقهم سويا في سايكس – بيكو عام 1916 على إعادة هندسة المنطقة العربية – الإسلامية الممتدة، والحيلولة دون نشوء إقليم وازن فيها، يمكنه مستقبلا مناستعادة السيطرة على عموم المنطقة. بتقسيمها وفقا لأسس قومية وعرقية وإثنية: تركية وفارسية وعربية وتجاوز الأكراد. ومنع نشوءإقليم عربي واحد على وجه الخصوص، عبر تفتيت الجغرافيا العربية إلى كيانات قطرية متنافسة، وزرع الكيان الاستيطاني الغربيالصهيوني في فلسطين، التي تشكل مركز الوصل والفصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري بين مشرق الأمة ومغربها. واستحضرفي يومياته نصوص الوثائق ذات العلاقة.
وتابع عبد الرحمن البيطار رصد تداعيات انتصار معسكر الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، الذي وفر الفرصة لتوطيد الاحتلالالفرنسي في دول المغرب العربي، والإيطالي في ليبيا، والبريطاني في مصر والسودان، واليمن، وعمان، والبحرين. ومكن بريطانياوفرنسا، أيضا، من احتلال المشرق العربي وتقسيمه، وتقاسم النفوذ فيه، والغدر بالثورة العربية الكبرى، واختزال الدولة العربية فيبلاد الحجاز. وإخضاع قادتها واستيعابهم في تسيير الأقطار العربية المستحدثة، شريطة الالتزام بتنفيذ مخططاتهم.
ولم يغفل دور العوامل الذاتية في هزيمة الثورة العربية الكبرى، وإعادة هندسة المشرق العربي وفقا للمخططات الاستعمارية. وتحميلقادتها مسؤولية موازية في الإخفاق بإنجاز الاستقلال القومي ومنع إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، رغم ضخامة التضحيات التيقدمتها الشعوب العربية والشعب الفلسطيني. فأسهب في رصد التطورات معززة بالوثائق، والتي يمكن في ضوئها استخلاص الأسبابالرئيسية للهزيمة، وإيجازها بأربعة أسباب رئيسية:
1- عدم استرشاد قادة الثورة العربية الكبرى برؤية قومية عربية جامعة، أسوة بالقوى الإقليمية التركية والفارسية. وافتقارها إلىمشروع عربي تحرري قادرعلى جمع شتات الأمة، وتحقيق استقلالها في لحظة مصيرية، تعاد فيها هندسة المنطقة بأسرها.
2- افتقار قادة الثورة إلى فهم صحيح لمحورية موقع فلسطين في إنجاز الاستقلال العربي، وجاهزيتهم لمقايضة استقلال فلسطينباستقلال الأقطار العربية.
3- ضعف القدرة الذاتية العربية بسبب تخلف البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والمؤسسية العربية الموروثة عنالحكم العثماني الطويل.
4- وثوق قادة الثورة العربية الكبرى بالوعود البريطانية، واعتمادهم عليها عسكريا واقتصاديا، وتعويلهم على العون الذي تقدمه لبلوغالاستقلال.
وبالتوازي، رصد في يومياته تطور الحركة الصهيونية، ونجاحها في بناء تحالف استراتيجي مع القوى الدولية المنتصرة، ما مكنها منتنفيذ مخططاتها بإنشاء كيان استيطاني يهودي في فلسطين فوق أنقاض الشعب الفلسطيني. واستعرض الوقائع والوثائق التي تؤشرلنجاح الحركة الصهيونية في تنفيذ مشروعها الخاص بإقامة مركز مسيطر لها في فلسطين، خلال نصف قرن من العمل الدؤوب فيتوفير مرتكزاته الديموغرافية، وارساء وتطوير بناه الذاتية الاقتصادية، والاجتماعية، والمؤسسية، والعسكرية.
ويمكن استخلاص أهم عوامل نجاح الحركة الصهيونية وتلخيصها بخمسة:
1- امتلاك قادة الحركة الصهيونية رؤية فكرية، وأهدافا واضحة ومحددة، ومشروعا وبرامج تنفيذية لتحقيقها.
2- إدراكهم الواعي لأهمية اللحظة التاريخية التي يشهد العالم فيها تحولات جوهرية تتيحها الحرب الكونية الأولى، وتوفر الفرصالمواتية لخلق وقائع جديدة، وتغيير حقائق تاريخية قائمة.
3- فهمهم الدقيق للبيئة الدولية وقواها الرئيسية الفاعلة، وللتقاطعات الممكنة بين أهداف المشروع الصهيوني الخاص بإنشاء دولةيهودية في فلسطين، وبين أهداف المشروع الاستعماري العام للقوى الغربية المركزية الساعية للاستيلاء على إرث الإمبراطوريةالعثمانية وتقاسمه. وإدراكهم لجدوى إدماج المشروعين معا، على أساس تبادل المنافع والخدمات.
4- جاهزيتهم التنظيمية والمؤسسية والإعلامية لحشد وتوظيف الإمكانات الاقتصادية والمالية الوفيرة ليهود أوروبا. وانتزاع حققيادتهم، بذريعة امتلاك القدرة على حمايتهم من التهديدات العنصرية والفاشية الناجمة عن تنامي المد القومي في اوروبا واستهدافاليهود والأعراق غير الآرية. وتوظيفه للضغط على القوى الأوروبية الوازنة للاعتراف بأهلية الحركة الصهيونية التمثيلية الحصريةلليهود لمقدرتها في الإسهام الفاعل بحل المسألة اليهودية المتفاقمة في أوروبا، وجاهزيتها للتعاون الوثيق مع القوى الأوروبيةلتصديرها خارج أوروبا. مقابل إشراكها في صياغة معالم النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الأولى، وإضفاء الشرعية علىمشروعها الخاص بإنشاء دولة لليهود في فلسطين، وإدماج تنفيذه في البرامج التنفيذية للقوى الدولية الفاعلة.
5- مهارتهم في توظيف تقاطع المصالح بين المشروع الصهيوني الخاص، وبين المشروع الإمبريالي العام في المنطقة، واستثمار هذاالتقاطع في توظيف وظيفي متبادل، يمكن الحركة الصهيونية من إقامة مركز مسيطر لها في فلسطين، وإسهام القوى الدولية المتنفذة في تكلفة بناء وتطوير وتعزيز القدرات الذاتية للكيان الصهيوني المستحدث: الاقتصادية والديموغرافية والعسكرية والمؤسسية، بدعوىتأهيله لأداء الدور الوظيفي المسند إليه في المشروع الإمبريالي العام. ثم توظيف قوته الذاتية في تعزيز موقع الحركة الصهيونيةالتفاوضي مع حلفائها الذين تحتاجهم للحماية الوجودية، والتأسيس، بذلك، لبناء شراكة مجدية ودائمة مع الحلفاء، ورفع كلفة إخلالهمبالشراكة عند افتراق مصالح المشروعين الخاص والعام.
ولم يغفل عبد الرحمن البيطار دور القصور الذاتي الفلسطيني في الإخفاق، وعجز قادة الحركة الوطنية الفلسطينية عن الارتقاء إلىمستوى المسؤولية التي تفرضها مواجهة المخططات الصهيونية، وفشلها في مواكبة الهبات والثورات وتوظيف الاستعداد العاليللشعب الفلسطيني للتضحية في ميدان الاستشهاد، بفعل سياسي مؤثر.
فرصد سياسات وسلوكيات الحركة الوطنية الفلسطينية منذ وعد بلفور وحتى اليوم، واستعرض التطورات التي شهدتها فلسطين فيالمراحل المفصلية، وتابع تداعياتها على الواقع الفلسطيني عسكريا وسياسيا، وديبلوماسيا، واقتصاديا، واجتماعيا. ولفته تنامي الاختلالالهائل في موازين القوى الشامل، والضعف البنيوي للحركة الوطنية الفلسطينية، وافتقارها لقيادة مؤهلة على صعيد الفكر والرؤى،والتنظيم، والتخطيط، والتنفيذ. وغياب مشروع تحرري نقيض للمشروع الاستيطاني الصهيوني. واستراتيجيات واضحة تضع أهدافامحددة قابلة للتحقق. واستعاضتها عن ذلك بردود أفعال انفعالية، أفقدتها القدرة على التأثير في مسار التطورات.
وفي الجزء الثالث من يومياته المعنون ” بعد سبعون عام على النكبة لا نملك استراتيجية لتحرير فلسطين” المضمن في 435 صفحة، واصل عبد الرحمن البيطار توثيق يومياته على مدى سبعة أشهر ونصف. استعرض فيها التطورات المحلية والعربية والإقليميةوالدولية خلال الحرب العالمية الثانية، التي أتاحت فرصة مواتية لقيام الدولة اليهودية على أرض فلسطين، إذ كانت قد استكملت بناءقدراتها الديموغرافية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، والتنظيمية، والإدارية، والمؤسسية. فمنحها النظام الدولي الذي أنشأته القوىالمنتصرة فيها شرعية الوجود على أرض فلسطين. وتوافق كلا المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي – رغم تنافسهما- على أحقيتها فيالوجود. وأصدر عام 1947 قرار التقسيم رقم 181، الذي منح الدولة اليهودية المستحدثة شرعية وأسس لانضمامها للجمعية العامةللأمم المتحدة.
وقد استخوذ هذا القرارعلى اهتمام مركزي في يوميات عبد الرحمن البيطار في الجزئين الثاني والثالث، باستعراض نصوصه، وبنوده،وفقراته، وخرائطه. وكثف في الجزء الثالث انتقاده لإغفال الفلسطينيين والعرب للقرار التأسيسي الأهم منذ صدوره عام 1947 وحتىيومنا هذا. وافترض- خلافا للكثيرين وأنا منهم – جدية وصدقية وجاهزية النظام الدولي لتنفيذ كامل بنوده. واعتبر الامتناع الفلسطينيوالعربي عن الاعتراف بالقرار بعد النكبة الفلسطينية. وعدم المطالبة لاحقا بتنفيذ الجزئية الخاصة بالدولة العربية والإدارة الدوليةللأماكن المقدسة، ورآه تفويتا لفرصة تاريخية، كان وما يزال عبد الرحمن البيطار يعتبرها ممكنة، لتفكيك المشروع الصهيوني.ويقترح ضرورة استثمار الصلاحيه القانونية للقرار، والاعتراف به للخروج من الواقع الفلسطيني والعربي المتردي.
يكتسب الجزء الثالث من اليوميات أهمية خاصة، لاهتمام عبد الرحمن بتوثيق الأحداث والتطورات الجارية فلسطينيا وعربيا ودوليا،بتركيز على التطورات الجارية في الدول المحيطة بفلسطين وخصوصا في الساحتين الفلسطينية والاردنية، لترابط مجرياتها وتأثيراتهاالمستقبلية، ووقوعهما سويا في دائرة الاستهداف المباشرللإجهاز على القضية الفلسطينية وتصفيتها.
ويتفاعل مع هذه التطورات بعرض مقالات لكتاب ومفكرين مرموقين يشغلهم الهم الوطني والقومي، يتناولون فيها الأزمات البنيويةالمتلاحقة فيهما، ويحاولون تفسير أسبابها المتصلة بمناهج وسياسات وسلوكيات تراكمت مفاعيلها عبر عقود، فقوضت قدراتهما الذاتية،وعمقت حالة الارتهان المعيشي والاقتصادي والمالي للخارج، وأضرت بالتوازن المجتمعي الضروري لحفظ الاستقرار الداخلي،واضعفت، بذلك، مناعتهما في مواجهة الضغوط السياسية الخارجية.
ويهتم في الآن ذاته بمتابعة ورصد التطورات الجارية في الكيان الصهيوني، ويلاحظ تفاقم أزماته الداخلية.
وقد حرص عبد الرحمن على التفاعل والاشتباك مع متابعي يومياته في حوار فكري، بغية بلورة قواسم مشتركة تؤسس للخروج منحالة الاستعصاء الوطني والقومي، في بيئة إقليمية ودولية متحركة ومفتوحة النهايات، تحمل مخاطرمستقبلية هائلة. وتوفر، أيضا،فرصا مهمة لمن يحسن فهمها وتوظيفها.
أختتم مقالي بشكر عبد الرحمن البيطار على هذا الجهد المتميز بحثا وتمحيصا ومثابرة وجرأة، وطرح الاسئلة الصعبة، وتقديم الأفكاروالمقترحات التي قد نتوافق أو نختلف معها. وإسهامه في توفير صيغ مكتوبة، تؤسس مع الجهود الجادة التي يبذلها ناشطون ومفكرونآخرون، فلسطينيون وعرب، لإطلاق حوار فكري جاد ومسؤول، يشترك فيه جميع المهتمين بالمصير الوطني والقومي، لمناقشة قضايامركزية، تتبلور حولها توافقات، وتسهم في التأسيس للنهوض.
وأقترح في هذا الإطار، تركيز الجهد قبل تلبية الدعوات المتنامية لإطلاق المناقشات حول الاستراتيجيات الواجب المسارعة فيبلورتها، بالبدء أولا بالتوافق على مصطلحات ومعايير مفاهيمية تأسيسية للاسترشاد بها وأهمها:
أولا: التوافق حول تعريف واضح ومحدد لطبيعة المشروع الصهيوني. هل هو مشروع استعماري استيطاني يهودي في فلسطين قائمبذاته، كالنماذج الاستعمارية الاستيطانية في امريكا وكندا ونيوزيلاندا وجنوب إفريقيا؟
أم أنه بالإضافة لذلك، يشكل جزءا من مشروع عام للقوى الدولية المتنفذة الساعية لإخضاع عموم المنطقة العربية – الإسلامية الممتدة،وعرقلة تطورها، وتعطيل فرص نهوضها ومنعها من استعادة التعاون والتكامل بين شعوبها الأصيلة لامتلاك القوة والمناعة لبلوغتطلعاتها الفردية والجمعية في الاستقلال والحرية؟
ثانيا: التوافق على تعريف واضح للرؤية التحررية، بمعنى الأهداف وشكل المستقبل المرجو بلوغه في نهاية المطاف لشعوب المنطقةفرادى وللأمة مجتمعة، وتحديد منطلقاتها الفكرية والقيمية.
ثالثا: التوافق على مفهوم الشرعية الدولية. وضرورة التمييز:
- بين الاتفاقات والمواثيق الدولية الملزمة المتصلة بحقوق الإنسان المتساوية، والحقوق الوطنية والتاريخية غير القابلة للتصرف للشعوب في أوطانها، وحقها المتساوي في العيش الحر الكريم وتقرير المصير، وتجريم الإبادة الجماعية و التطهير العرقي – الخ ….
- وبين القرارات الصادرة عن النظام الدولي، المرتبطة بموازين القوى المتغيرة. التي لا تكتسب صفة إلزامية عند تعارضها مع المبادئ والمواثيق الدولية المتصلة بالحقوق.