ترجمة لمقال مهم للكاتب الشجاع جدعون ليفي نشره اليوم الخميس في صحيفة هآرتس الإسرائيلية باللغة الإنجليزية. وتكمن أهمية المقال في أن ليفي يحمل مرآة عاكسة لوجه إسرائيل الحقيقي القبيح، الذي تتكاتف جميع التيارات الإسرائيلية من اليسار واليمين لإخفاء بشاعته وعنصريته. مستظلين تارة بمشاركة فلسطينية هامشية في الكنيست الإسرائيلي، وتارة أخرى بورقة التوت التي يمنحها لهم منصور عباس بانضمامه للائتلاف الحكومي الذي يسيطر عليه اليمين الاستيطاني العنصري ويرأسه زعيمهم.
وتتضافر، أيضا، جهود جميع القوى الاستعمارية والعنصرية في العالم لنفي حقيقة المستعمرة الصهيونية، متوارين خلف عملية تسوية سياسية أنهاها رعاتها الأمريكيون والأوروبيون منذ إعلان إسرائيل وفاتها في ربيع العام 2002 بعد انتهاء مهمتها. وما يزال النظام السياسي الفلسطيني وحده يتعلق بتلابيبها، ويوهم النفس بإمكانية إحيائها على يد الرئيس الأمريكي بايدن، الذي لم يقو على الوفاء بوعوده لناخبيه بإعادة فتح القنصلية الامريكية في القدس الشرقية. بل وحتى على إعادة فتح الممثلية الفلسطينية في عاصمته – واشنطن. ولا على رفع اسم منظمة التحرير الفلسطينية من قائمة الاٍرهاب، حيث يعترف بشرعيتها، فقط، للحاجة إليها كممثل للشعب الفلسطيني للتوقيع على صك الاستسلام، فيحسبه بات وشيكا بفعل الإشارات التي ترسلها الطبقة السياسية الفلسطينية المتهالكة، والتي لم تعد تمثل الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها.
أهمية مقال جدعون ليفي تكمن في: –
أولا: أنه مباشر وشديد الوضوح في تحديد المنهج العلمي للحكم على طبيعة إسرائيل، يمكن الاسترشاد به من كل من يرغب في الفهم، من الإسرائيليين والفلسطينيين خصوصا، والعرب والعالم عموما. إذ حدد معيارا واضحا قابلا للقياس، فطرح الأسئلة الصحيحة التي تتيح الإجابة عليها فقط بنعم أم لا. المجال للوصول إلى استخلاص قاطع لا مجال للشك بموثوقيته حول طبيعة المستعمرة الصهيونية.
ثانيا: أنه يؤشر بوضوح إلى أن إسرائيل هي الدافع الأكبر للدعوات اللاسامية في العالم اليوم. وقد سبق أن تنبهت لذلك سبع منظمات يهودية صهيونية موالية لإسرائيل، فأرسلت قبل أسبوع رسالة للحكومة الإسرائيلية تحذرها من مغبة مواصلة هجمات جيشها ومستوطنيها على الشعب الفلسطيني، وتداعيات ذلك الخطيرة على يهود أمريكا.
ثالثا: أنه يواجه الجميع بحقيقة صارخة يتعذر عليهم إمكانية مواصلة التهرب من مواجهتها، وهي أن فلسطين/إسرائيل من بحرها إلى نهرها لم تنقسم إلا لأقل من عقدين (1948-1967). وأنها منذ نحو ستة عقود خاضعة بكاملها لاستعمار استيطاني صهيوني عنصري إجلائي – إحلالي.
رابعا: أنه يواجه الفلسطينيين بأسئلة ما يزالون جميعا يتهربون من الإجابة الواضحة عليها. يتصل كلها بانعدام جدوى سياساتهم وسلوكياتهم اتجاه المستعمرة الصهيونية، الواضحة في سياساتها وسلوكياتها الهادفة إلى استبدال كل فلسطين بدولة إسرائيل اليهودية، واستبدال كامل شعبها الفلسطيني الأصيل بالمستوطنين اليهود الأجانب. فيواجههم، بذلك، بعقم خياراتهم:
– سواء المتصلة منها بوهم إمكانية التأثير على السياسات والاستراتيجيات الاستعمارية الصهيونية عبر مشاركة هامشية في الكنيست ، أو عبر انضمام منصور عباس إلى الائتلاف الحاكم الذي لا يعترف حتى بشرعية وجوده. فيمنحون إسرائيل، بذلك، الغطاء الذي تحتاجه إسرائيل للترويج لديموقراطيتها الفريدة في الشرق الأوسط.
– أم عبر استمرار تواصل النظام السياسي الفلسطيني مع إسرائيل ، غير المشروط بوقفها حرب الإبادة والتطهير العرقي والزحف الاستيطاني. والذي تحرص إسرائيل على استمرار قنوات التواصل معه لحاجتها الماسة لدوره الوظيفي كوكيل أمني، لا يتورع لابيد عن المجاهرة بضرورته الحيوية لأمن إسرائيل، وينشط وزراء المستعمرة الصهيونية لدى المانحين الدوليين للاستمرار في تمويله.
تجدر الإشارة إلى أن جدعون ليفي ليس نصيرا للفلسطينيين كما يحلو للكثيرين الترويج له، وإنما هو إسرائيلي عاقل، وجد نفسه على أرض فلسطين بعد أن اقتلع الغرب الاستعماري الأوروبي مواطنيهم اليهود من أوطانهم الأصلية بفعل تنامي العنصرية التي لا تقبل التنوع الديني والإثني، فسعوا للتخلص منهم وزجوا بهم في فلسطين لإنشاء كيان استعماري استيطاني وظيفي لخدمة أهدافه ومصالحه الاستراتيجية في المنطقة العربية – الإسلامية الممتدة. عبر إقامة قاعدة استعمارية استيطانية أجنبية تستظل بالدين اليهودي وتختلق لأتباعه سمة قومية. وتستعين بالأساطير الدينية لتبرير إنشائه فوق أنقاض شعبها الفلسطيني الأصيل. فاصطدم – كما الكثير من يهود إسرائيل -بعدم اختفاء الشعب الفلسطيني، وبإصراره على المقاومة والبقاء في وطنه، وبعودة لاجئيه.
لكن ليفي تميز عن الغالبية الساحقة من يهود إسرائيل، بإدراكه لاتجاه تطور حركة التاريخ الإنساني، وخوفه من المصير الذي تأخذه إليه دولته ومعه عموم يهود إسرائيل ويهود العالم. فيحاول استشراف الفرص لحل الصراع الوجودي، بتلمس السبل الممكنة لاستمرار العيش في موطنه الجديد عبر الوفاء بشروط استحقاقه. ويطلق بمقاله صرخة استغاثة – عبر المطالبة بالإجابة الصريحة على الاسئلة المطروحة، والحكم في ضوئها على موثوقية تقرير منظمة العفو الدولية -، رغم يقينه بعجز المنظمة الدولية والمنظمات الحقوقية المرموقة الأخرى عن الفعل الآن. لكنه يؤمن بتأثير تراكم الإدانات الدولية المتنامية لإسرائيل، ويستشرف دور الجيل الفلسطيني الفتي الصامد والمقاوم في الشيخ جراح والنقب وبيتا وسائر أرجاء فلسطين المحتلة، في تسريع مفاعيل هذا التراكم.
عنوان المقال:
” قل لي ما هو غير صحيح في تقرير منظمة العفو الدولية عن إسرائيل”
جدعون ليفي
هآرتس 3/2/2022
عندما يهدأ الصراخ وتختفي اللعنات – منظمة العفو معادية للسامية، والتقرير مليء بالأكاذيب، والمنهجية سخيفة – يجب على المرء أن يسأل: ما هو، على وجه التحديد، غير صحيح في تقرير المنظمة حول الفصل العنصري؟
– ألم تؤسس إسرائيل على سياسة صريحة للحفاظ على الهيمنة الديموغرافية اليهودية ، مع تقليص عدد الفلسطينيين داخل حدودها ؟ نعم أم لا؟ صحيح أم خطأ؟
– هل هذه السياسة غير موجودة حتى يومنا هذا؟ نعم أم لا؟ صحيح أم خطأ؟
– ألا تحتفظ إسرائيل بنظام قمع وسيطرة على الفلسطينيين في إسرائيل والأراضي المحتلة لصالح اليهود الإسرائيليين؟ نعم أم لا؟ صحيح أم خطأ؟
– ألا تعكس قواعد الاشتباك مع الفلسطينيين سياسة إطلاق النار بهدف القتل ، أو على الأقل التشويه؟ نعم أم لا؟ صحيح أم خطأ؟
– هل إخلاء الفلسطينيين من منازلهم وحرمانهم من تصاريح البناء ليست جزءا من السياسة الإسرائيلية؟ نعم أم لا؟ صحيح أم خطأ؟
– أليس الشيخ جراح أبرتهايد؟
– اليس قانون الدولة القومية فصل عنصري ؟ وحرمان لم شمل الأسرة؟ والقرى غير المعترف بها؟
– وماذا عن “التهويد”؟ هل هناك مجال واحد في إسرائيل أم في المناطق، فيه مساواة حقيقية مطلقة، إلا بالاسم؟
قراءة التقرير تدعو إلى اليأس. فهو كل ما نعرفه، لكنه مكثف. ومع ذلك، لم يشعر أحد باليأس أو الندم في إسرائيل. معظم وسائل الإعلام همشته واتهمته بالتزوير، وجوقة الهاسبارا / الدعاية/ أبعدته.
وزير الدعاية، يائير لبيد، تلا سطوره وواصل هجومه حتى قبل نشر التقرير. وسارع وزير شؤون المغتربين نحمان شاي إلى الحذو حذوه. لم يصدر التقرير الدولي، بعد، وإذا بإسرائيل تندد به فيما تتجاهل الرد على نقطة واحدة يطرحها.
منظمة تلو الأخرى، بعضها مهم وصادق، تسمي إسرائيل دولة فصل عنصري/أبرتهايد/، وإسرائيل تقول: معاداة للسامية.
من فضلك، أثبت أن منظمة العفو الدولية مخطئة: أنه لا يوجد نظامان للعدالة في المناطق، مجموعتان من الحقوق وصيغتان لتوزيع الموارد.
وأن إضفاء الشرعية على إيفاتار، ليس فصلا عنصريا.
وأن يكون اليهود قادرين على استعادة ممتلكاتهم قبل العام 1948 بينما يحرم الفلسطينيون من نفس الحق، ليس فصلا عنصريا.
وأن المستوطنة الخضراء المجاورة لمجتمع البدو بدون كهرباء أو مياه جارية ليست فصلا عنصريا. وأنه لا يوجد تمييز ضد مواطني إسرائيل العرب بشكل منهجي ومؤسساتي.
وأن الخط الاخضر لم يمح.
ما هو غير الصحيح؟
حتى مردخاي كرمنيتسر كان خائفا من التقرير وهاجمه. حجته: التقرير لا يميز بين الأراضي المحتلة وإسرائيل، ويتعامل مع الماضي وكأنه الحاضر.
هذا ما يحدث عندما ينخرط حتى الأكاديميين اليساريين للدفاع عن الدعاية الصهيونية. فكتب في صحيفة هآرتس يوم الأربعاء أن اتهام إسرائيل بارتكاب خطايا في العام 1948، ووصفها بأنها فصل عنصري، يشبه اتهام الولايات المتحدة بالفصل العنصري بسبب ماضي جيم كرو.
الفارق بينهما هو أن العنصرية المؤسسية في الولايات المتحدة قد اختفت تدريجيا، في حين أنها في إسرائيل على قيد الحياة، وتركل بقوة كما كانت على الدوام.
لقد تم طمس الخط الأخضر أيضا. لقد كانت دولة واحدة لفترة طويلة من الوقت وحتى الان. لماذا يجب على منظمة العفو الدولية التمييز بينهما؟
1948 يستمر والنكبة مستمرة. هناك خط مستقيم يربط بين طنطورة وجلجيلية. في طنطورة ذبحوا الفلسطينيين، في جلجيلية تسببوا بوفاة رجل يبلغ من العمر ثمانون عاما. وفي كلتا الحالتين حياة الفلسطينيين لا تساوي شيئا.
لا توجد، بالطبع، دعاية بدون أوسمة لنظام العدالة. كتب كرمنيتسر: “المساهمة المهمة للمستشار القانوني للحكومة والمحاكم -والتي ضد غالبية سياسية كبيرة – منعت حظر المرشحين العرب وقوائم الكنيست …حزب عربي ينضم إلى الائتلاف يجعل على الفور تهمة الفصل العنصري مهينة “.
من الجيد التلويح لمحكمة العدل العليا التي لم تمنع احتلالا واحدا، ولمنصور عباس لإثبات عدم وجود فصل عنصري. أربع وسبعون عاما من الدولة بدون مدينة عربية جديدة، بدون جامعة عربية، أو محطة قطار في مدينة عربية. كل ذلك يهون أمام تبييض الاحتلال العظيم، محكمة العدل العليا، وشريك عربي ثانوي في الائتلاف، وحتى ذلك الشخص يعتبر غير شرعي.
سيستمر العالم في كيل الاتهامات، وستستمر إسرائيل في تجاهلها. سيقول العالم فصل عنصري، وستقول إسرائيل معاداة للسامية. لكن الأدلة ستستمر في التراكم.
ما هو مكتوب في التقرير لا ينبع من معاداة السامية، لكنه سيساعد في تقويتها. إسرائيل هي الدافع الأكبر للدعوات اللاسامية في العالم اليوم.