تكمن أهمية المقال في أنه يسلط الضوء على نضال بدو فلسطين المنسيين في القرى غير المعترف بشرعيتها من قبل الدولة الصهيونية، باعتباره جزء لا يتجزأ من نضال الشعب الفلسطيني في الشيخ جراح وكافة مدن وقرى ومخيمات فلسطين الانتدابية، ضد ذات العدو الذي يشن حروب الإبادة والتطهير العرقي لاستئصال الشعب الفلسطيني من كامل أرض وطنه.
وتزداد أهميته لنشره باللغة الانجليزية في صحيفة الاندبندنت البريطانية واسعة الانتشار، ليعيد طرح القضية الفلسطينية كقضية شعب تعرض لظلم تاريخي وما يزال يواجه – للعقد الثامن على التوالي- حروب الإبادة والتطهير العرقي التي يواصل شنها جيش المستعمرة الصهيونية والصندوق القومي اليهودي.
عنوان المقال
” الاحتجاجات في منطقة النقب بجنوب إسرائيل قوبلت بوحشية “
ريا السناح *
20/1/2022
أمطرت الشرطة الإسرائيلية المدججة بالسلاح الحشود بالغاز المسيل للدموع الذي أطلقته طائرات بدون طيار، وأطلقت على المتظاهرين عيارات معدنية مغلفة بالمطاط
https://www.independent.co.uk/voices/palestine-israel-negev-protests-afforestation-b1997014.html
يوم الخميس الماضي، تجمع الآلاف في منطقة (النقب) جنوب إسرائيل، للاحتجاج على تجريد مجتمعات البدو الفلسطينيين من أراضيهم – وكان رد الدولة الإسرائيلية وحشيًا. إذ أمطرت الشرطة الإسرائيلية المدججة بالأسلحة الحشود بالغاز المسيل للدموع الذي أطلقته طائرات بدون طيار، وفتحت النار وأطلقت عليهم عيارات معدنية مغلفة بالمطاط. وأصيب ثلاثة اشخاص في الوجه بشكل مباشر واحتاجوا الى عمليات جراحية. وأصيب أحدهم “طالب الصعايدة ” بنزيف داخلي.
جاءت المظاهرة بعد ثلاثة أيام من النضال المستمر بقيادة سكان قرية سعوة الذين قاوموا مبادرة تشجير ينفذها الصندوق القومي اليهودي – هيئة شبه حكومية – بدعم من السلطات الإسرائيلية.
لم تكن هذه ببساطة مبادرة “خضراء”، فعملية التشجير ترمي إلى نزع الملكية والتهجير.
في مواصلة للخطاب الاستعماري الاستيطاني الذي طالما كان أحد سمات الاستيطان الصهيوني في فلسطين، يزعم الصندوق القومي اليهودي والمسؤولون الإسرائيليون أن البدو ليس لهم حق الملكية الخاصة، وأن الأرض هي أراضي دولة.
للتشجير تاريخ طويل في فلسطين كأداة سياسية للسلطات الإسرائيلية تُستخدم لإخفاء تاريخ الوجود الفلسطيني، من خلال زرع الغابات على أنقاض القرى الفلسطينية التي دمرت أثناء النكبة. كما أنها كانت آلية للاستيلاء على الأرض ومنع النازحين من العودة. تشكل الأرض المستهدفة أرضًا زراعية قيمة. وبالتالي، فإن ما يحدث هو هجوم على مصادر عيش الناس، وينظر إليه على أنه مقدمة لتهجيرهم.
في النقب على وجه التحديد، يعتبر التشجير أحد الطرق التي سعت بها إسرائيل لتهجير البدو الفلسطينيين، وإنهاء وجودهم في غالبية الأرض.
قرية سعوة هي واحدة من ست وثلاثين قرية بدوية فلسطينية في النقب ترفض إسرائيل الاعتراف بها. ويعيش في هذه القرى حوالي مئة ألف (100.000) يمثلون ثلث سكان المنطقة الفلسطينيين البالغ عددهم نحو ثلاثمائة ألف (300.000) نسمة. تعتبر إسرائيل هذه القرى “غير شرعية” وتحرمها من الوصول إلى البنية التحتية الأساسية والخدمات. كل هذه القرى معدة للإبادة وتهجير سكانها، وهذا هو السبب في أن أولئك الذين احتشدوا واحتجوا يرون أن الهجوم على سعوة أوسع بكثير من مصير قرية بعينها. ولهذا السبب بدأت المواجهات بين السكان المحليين والصندوق القومي اليهودي وقوات الشرطة المسلحة، لكنها اكتسبت زخما مع انضمام المزيد من سكان المنطقة الى المحتجين.
في مظاهرة الأسبوع الماضي، كان المتظاهرون في المقام الأول من الشباب ـ وهو ما لا شك فيه انعكاس لحقيقة أن أكثر من50% من السكان البدو الفلسطينيين في النقب، هم دون السابعة عشرة من العمر. وكان هناك أيضاً وجود قوي جداً للمرأة وهي سمة باتت تتنامى بشكل متزايد في النضال الفلسطيني ككل.
وكان هناك تصميم وجاهزية كبيرة للدفاع عن النفس والمواجهة، على الرغم من الإدراك للعواقب الوخيمة التي قد تنجم عن هذه الحشود، وبالرغم من القوة الوحشية التي تستخدمها القوات الإسرائيلية، والموجات المتتالية من الغارات والاعتقالات الرامية لسحق الروح المعنوية للمحتجين.
فمنذ العاشر من يناير /كانون الثاني / الحالي وحتى التاسع عشر منه، قُبض على حوالي 150 فلسطينيا، 40% منهم قاصرون، وما يزال 17 منهم رهن الاعتقال. واحتجزت أجهزة الأمن الإسرائيلية خمسة متظاهرين، وحرموا من التمثيل القانوني. فالاعتقالات الجماعية استراتيجية مألوفة تستخدمها السلطات الإسرائيلية كآلية تأديبية ضد أولئك الذين يجرؤون على الاحتجاج على تجريدهم من ممتلكاتهم.
أدت أحداث النقب إلى اندلاع موجات من المظاهرات في مختلف مناطق التجمع الفلسطيني. بالنسبة للفلسطينيين، فإن النضال في قرية سعوة وفي النقب بشكل عام، ليس صراعا محليا. ولكنه صراع مألوف عموما ضد السياسات المتواصلة لنزع الملكية والتهجير. وقد أثبت مستوى العنف المستخدم لقمع الاحتجاجات، أنه عمليا وبغض النظر عن وضع المواطنة (الفلسطينيون في النقب هم مواطنون إسرائيليون)، فإن الفلسطينيين في كل مكان يواجهون هجمات قوات الأمن الإسرائيلية.
هذه الديناميكيات المتشابكة للوحدة في المقاومة والقمع هي روح مايو/ أيار / 2021 – عندما انتفض الفلسطينيون في كل مكان ضد التهجير الذي حدث في حي الشيخ جراح بالقدس.
تظهر الأحداث الجارية أن الشعلة التي اشتعلت في تلك الأيام لم تنطفئ – بما في ذلك في النقب -، وهي منطقة حاولت إسرائيل جاهدة فصلها سياسياً عن الحشود الفلسطينية الأوسع نطاقاً. الاحتجاجات الحالية ضد نزع الملكية والتهجير تشير إلى أن السيطرة المطلقة لإسرائيل ما هي إلا وهم. السبيل الوحيد المتاح لدينا هنا هو الاستمرار في بناء قاعدة للعمل بشكل جماعي.
لسنوات، عملت إسرائيل على سحق التنظيم على مستوى القاعدة. وبالتالي، فإن الطريقة الوحيدة للمضي قدمًا هي بناء هياكل منفصلة عن المؤسسة السياسية تعمل لصالحنا.
بالنهاية، لا يمكن فصل النقب عن بقية فلسطين، إذا أردنا تحقيق أي تغيير ذي مغزى وتأمين كرامتنا والاعتراف بمجتمعاتنا المحلية وأراضهم.
*ريا السناح باحثة وناشطة فلسطينية من قرية اللقية في النقب