في الذكرى الحادية عشرة لرحيل العم الحبيب رامز مسعود ملحيس في 25/11/2010، تستعيد عائلته سيرته ومسيرته الحافلة بالعطاء، بإلقاء الضوء على أهم محطات حياته.
ولد رامز ملحيس في21/9/1925 بمدينة نابلس، توفي والده قبل أن يبلغ العاشرة من عمره. عاش مع أسرته بنابلس وتعلم في مدارسها، ونال شهادة الاجتياز للتعليم العالي الفلسطيني -المترك-عام 1944 بتفوق، فعين مدرساً في كلية النجاح الوطنية. غير أن رغبته في امتهان المحاماة دفعته عام1945 للالتحاق بمعهد القانون في القدس والعمل بالتوازي مع الدراسة في محاكم وزارة العدل. لكن حلمه سرعان ما تلاشى، إذ لم يكد أن ينهي السنة الدراسية الثالثة حتى أغلق المعهد أبوابه مع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1948. ولم تفلح كل محاولاته للالتحاق بكليات حقوق أخرى في أي من جامعات الدول العربية المجاورة لاستكمال دراسته، بسبب عدم اعتراف تلك الجامعات بسنوات الدراسة التي قضاها في معهد القانون الذي تم إغلاقه.
لم يستسلم رامز ملحيس لمعاكسة الأقدار له، ولم تنل من عزيمته ضخامة الكارثة باحتلال الجزء الأكبر من وطنه وتشريد غالبية أبناء شعبه عام 1948. بل زادته النكبة إصرارا على تحدي الصعوبات. فسافر في مطلع العام1949 إلى المملكة العربية السعودية التي فتحت آنذاك أبوابها للعمالة الفلسطينية، ووجد فرصة للعمل في شركة أرامكو بالظهران. وشاءت الظروف أن يعمل مع مهندس كيماوي أمريكي لاحظ ميوله الهندسية ونصحه بدراسة الهندسة في الولايات المتحدة الأمريكية. فسافر في نهاية العام 1951 إلى ولاية لويزيانا الأمريكية للدراسة. واحتار في اختيار مادة التخصص، إذ لم ينس سنوات دراسته الثلاث السابقة في القانون، ولم يستطع أن يتجاهل في الوقت ذاته ملاحظة المهندس الأمريكي في أرامكو حول ميوله الهندسية ونصيحته له بدراسة الهندسة. ولحسم أمره قرر التقدم لامتحان تحديد الميول الدراسية الذي كانت تجريه الجامعة. وأظهرت نتيجة الامتحان أن ميوله الهندسية تطغى على ميوله لامتهان المحاماة، فاتخذ قراره بدراسة الهندسة الكيماوية، والتحق بكلية الهندسة في “جامعة لويزيانا”.
خلال دراسته الجامعية تفوق رامز ملحيس وتصدر اسمه لائحة الشرف طيلة سنوات دراسته حتى تخرجه من الجامعة بمرتبة الشرف الأولى عام1955.ليكون بذلك من أوائل المهندسين الكيماويين العرب الذين تخرجوا من الولايات المتحدة الأمريكية، وقال عميد كلية الهندسة في جامعة لويزيانا “بأنه سيكون له شأن مهم في الصناعة النفطية “. وفور تخرجه وجد فرصة للعمل في إحدى كبريات الشركات الصناعية النفطية الأمريكية، وتميز في مجال عمله ما أهله للحصول على عضوية مجموعة المهندسين الحرفيين الأمريكيين عام1958، ونال أيضا العديد من شهادات التميز والتقدير. ولم يمنعه نجاحه في العمل الهندسي من السعي لتنمية معارفه العلمية في مجالات أخرى، فتلقى تدريباً في حقل الطيران، وحصل على عضوية الشرف في عدد من الجامعات الأمريكية لتميزه في مجالات الهندسة والرياضيات والكيمياء.
عاد رامز ملحيس في مطلع العام 1959 إلى وطنه في زيارة خاصة للعائلة، وتعرف أثناءها على رفيقة عمره عائدة زكي الشاكر، ابنة يافا والطالبة بالسنة الثالثة في علم النفس والاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة، فاتفقا على الارتباط والسفر واستكمال دراستها الجامعية بالولايات المتحدة الأمريكية. وفور انتهاء إجازته عاد إلى عمله وشرع بإجراءات تأمين القبول لخطيبته في الجامعة كي يتسنى استكمال ترتيبات الاستقدام. وتصادف ذلك مع تلقيه رسالة من السيد سعد التل، المسؤول الأردني المكلف بمشروع إنشاء مصفاة البترول الأردنية، تتضمن عرضا للعمل في المشروع والتعاون مع الشركة الاستشارية والإشراف على الأمور الفنية / كانت المصفاة، آنذاك، في مرحلة التأسيس الذي يتولاه كادر فني بريطاني/، ليكون رامز ملحيس، بذلك، المهندس العربي الوحيد الذي يشرف على تركيب المصفاة منذ البداية، وليشارك في وضع الأسس والقواعد المتعلقة بالشؤون الفنية للشركة.
ورغم الامتيازات وإغراءات العمل في الولايات المتحدة الأمريكية، لم يستطع رامز ملحيس رفض تلبية احتياج وطنه لمعارفه العلمية وخبراته العملية، فعاد الى الأردن والتحق في مطلع أيار 1960 بالعمل في مصفاة البترول الأردنية التي كانت قيد الإنشاء، فساهم في تأسيس المصفاة وفق المواصفات والمعايير المهنية وضوابط السلامة المتبعة في كبريات الشركات الأمريكية التي عمل بها، وسعى جاهدا لتوفير بيئة العمل المواتية التي تضمن للعاملين حسن الأداء.
وعندما تعرض الأردن للضغوط التي أعقبت هزيمة حزيران1967، وقيام المملكة المتحدة بسحب كامل الكادر الإنجليزي العامل في مصفاة البترول الأردنية، تولى رامز ملحيس مسؤوليته كمدير فني لمصفاة البترول الأردنية، ليكون بذلك أول مدير عربي يستلم هذه المسؤولية، واستطاع الحفاظ على استمرار العمل بسلاسة فائقة، وسعى لاستقطاب خيرة الكفاءات العربية وتمكن من قيادة المسيرة الصناعية للمصفاة باقتدار، ونجح في توسعتها. وواصل مهامه كمدير فني قرابة أربعة عقود متصلة، وباتت مصفاة البترول الأردنية أحد أهم الشركات العربية العاملة في المجال النفطي.
وإلى جانب مهامه في إدارة المصفاة، ساهم رامز ملحيس في تأسيس العديد من الصناعات الكيماوية الرائدة في الأردن، والتي شملت صناعة البوليمرات الخاصة بصناعات الدهانات ذات الأساسين المائي والزيتي، وصناعة البتروكيماويات التي تنتج الحبيبات البلاستيكية والملدنات والبوليستر والمذيبات وغيرها، إضافة الى صناعة المستلزمات الطبية المختصة بإنتاج عبوات المواد الغذائية والمستلزمات الطبية التي تتطلب درجة عالية من التعقيم والجودة.
وعند بلوغه سن التقاعد في العام 1985، طلب منه مجلس الإدارة الاستمرار استثنائيا في إدارة المصفاة. وعندما اطمأن إلى إمكانية الانتقال السلس للإدارة، قام بإحالة نفسه على التقاعد في 30/4/1990، غير أنه واصل عضويته في مجلس إدارة المصفاة حتى استقالته في 30/4/1998
خلال سنوات عمله في إدارة مصفاة البترول الأردنية، ساهم رامز ملحيس في بناء علاقات تعاون مهني مع العديد من الدول العربية النفطية، وكانت له مساهمات فاعلة في إنشاء وتطوير مشاريع مصافي البترول المختلفة وتوسعاتها، والمصانع المرتبطة بالمشتقات النفطية على مستوى الوطن العربي. وتدرب تحت إشرافه في إدارة المصافي مئات المهندسين الذين عملوا كمهندسين محترفين وكمدراء لمصافي البترول الناشئة في العديد من الدول العربية النفطية. وأسهم بدور مهم في تطوير وتوثيق التعاون الصناعي النفطي على المستويين العربي والدولي. كما اهتم بنشر وتعميم المعرفة عبر مساهماته بتقديم الأوراق العلمية في العديد من المؤتمرات النفطية المحلية والعربية والدولية في مجال الطاقة والصناعات النفطية ومشتقاتها، وشارك بخبراته المتنوعة في عدد كبير من اللجان الفنية المتخصصة، وحاضر في المجالات الصناعية والنفطية في المنتديات الأردنية والعربية والدولية.
وبعد تقاعده من الوظيفة العامة، واصل رامز ملحيس نشاطه الاقتصادي، وكان من أوائل الذين أنشأوا المجمعات التجارية في الأردن، فأنشأ “مركز دانا ” في شارع المدينة المنورة.
وفي رثائه، وصف رئيس غرفة صناعة عمان الراحل رامز ملحيس “بأنه رمز من رموز الاقتصاد الوطني وقطاعي الصناعة والطاقة في الأردن، قضى عمره في خدمه وطنه الغالي بكل تفان وإخلاص ومهنية عالية عز نظيرها، وعمل بصمت ورفعة.”
عرف رامز مسعود ملحيس بانتمائه الوطني وإخلاصه وتفانيه ومهنيته العالية ودأبه ومتابعته الحثيثة ودقته اللافتة وصرامته وإدارته الرصينة واستقامته وصدقه ونزاهته وشجاعته المسؤولة وخلقه الرفيع ودماثته وحكمته وتواضعه الجم.
لرامز مسعود ملحيس وشريكة حياته عائدة زكي الشاكر خمسة أبناء: شادن حاصلة على شهادة ماجستير في الهندسة المعمارية من بريطانيا، وشذا حاصلة على دكتوراه في الهندسة المعمارية من بريطانيا، ورائد حاصل على شهادة بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة اليرموك، وخالد حاصل على بكالوريوس إدارة اعمال من قبرص، ودانا حاصلة على ماجستير في إدارة الأعمال من الولايات المتحدة الامريكية. ويعملون جميعا في مواقع أكاديمية وصناعية وتجارية مختلفة. وله من الأحفاد19، ثمانية ذكور، وإحدى عشر إناث. عشرة من الأحفاد أنهوا دراستهم الجامعية وبعضهم حاصل على الماجستير، وتسعة ما يزالون في مراحل التعليم الجامعي والمدرسي.
رحل رامز ملحيس عن دنيانا في الخامس والعشرين من تشرين الثاني عام 2010 بمدينة عمان، في الذكرى الثامنة عشر لوفاة شقيقه الأكبر حفظي ملحيس الذي تم تناول سيرته ومسيرته في العام السابق في الذكرى الثامنة والعشرين لرحيله.
رحم الله العم الحبيب والإنسان النموذج وأسكنه فسيح جناته.