ترجمة غير رسمية لمقال رأي لأنشيل بفيفر نشر بالأمس/ 11/11/2021 في صحيفة هآرتس الاسرائيلية.
في إطار اهتمامي بترجمة عديد المقالات التي تتناول أسباب تراجع تأييد يهود الولايات المتحدة الاميركية لإسرائيل، وجدت من الضروري ترجمة مقال رأي لأنشيل بفيفر نشر بالأمس/ 11/11/2021/ في صحيفة هآرتس الاسرائيلية، لأنه يفتح نافذة جديدة لفهم أوسع لأسبابها التراجع، إذ يسلط الضوء على تطور تاريخ العلاقات بين الجاليتين اليهوديتين الأكبر والأنجح في كل من إسرائيل والولايات المتحدة الاميركية ومستقبلها، من خلال تناوله لكتاب جوشوا كوهين المعنون /نتانياهو /
أهمية تناول أنشيل لكتاب كوهين – الذي يستعرض فيه تاريخ عائلة نتانياهو وتأثيره في التكوين السياسي لبيبي نتانياهو ودوره، بداية في توثيق العلاقات بين يهود الولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل، وتسخيرها لخدمة طموحه السياسي واسهامه لاحقا في تدهورها – تكمن بتسليط الضوء على طبيعة العلاقات بين يهود إسرائيل واليهود الامريكيين، واحتكامها للاختلاف في مقاربة كل منهما لحل المسألة اليهودية. حيث أثبت اليهود الأمريكيون أنه في أرض الحرية لم تكن هناك حاجة لوطن يهودي. فيما رأى اليهود الإسرائيليون أنهم في وطنهم اليهودي فقط يمكنهم أن يكونوا أحرار حقا.
يؤكد الكاتب أن تواري تأثير هذا الاختلاف على علاقاتهما خلال النصف قرن الماضي كان استثنائيا ومؤقتا، وتعود أسبابه إلى انتصار إسرائيل الساحق والسريع على الدول العربية في حرب حزيران عام 1967 – وهو ما سبق أن أشار إليه ايضا توماس فريدمان في كتابه “من بيروت إلى القدس”. واصفا نتائج “حرب الأيام الستة ” بالقول، ” مثل أبناء جيلي، فقد أسرت مخيلتي وجعلتني أشعر بالاختلاف تجاه نفسي كيهودي… ومثل ذلك تغيرا جذريا، فتحول الفخر الصهيوني إلى مادة إيمانية لمعظم اليهود الأمريكيين”- كما سبقت الإشارة في ترجمة المقال السابق.
يرى أنشيل أن الخلافات بين يهود الولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل أعمق بكثير من الاختلاف بشأن سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين أو المواقف تجاه التعددية الدينية. وأنها تتصل أساسا بحقيقة أنهم لم يعودوا يشتركون في نفس التاريخ. فحتى ذكرى الهولوكوست فقدت قوتها الموحدة، حيث تستخدمها إسرائيل على الدوام وترى كل الأحداث من خلال منظور الاضطهاد اليهودي لتبرير سياساتها الحالية. فيما تحاول الجالية اليهودية الامريكية وضعها في سياق أوسع من القيم باعتبارها جزء من سردية أوسع للشؤون العالمية.
وخلافا لما قد يعتقده بعض الاسرائيليين حول دور نتانياهو بإفساد العلاقات بين إسرائيل ويهود الولايات المتحدة الاميركية. فإن دور نتانياهو لم يكن سوى محفزا، عندما استعاض عن التحالف مع يهود الولايات المتحدة بالتحالف مع دونالد ترامب والمسيحيين الإنجيليين للإبقاء على موقعه كرئيس لوزراء إسرائيل.
عنوان المقال
” أكثر بكثير من نتنياهو “
لطالما كانت العلاقة بين أكبر وأنجح مجتمعين يهوديين في التاريخ، أمريكا وإسرائيل، مختلة. نتنياهو كان مجرد حافزا لا هوادة فيه لاغترابهم
أنشيل بفيفر
هآرتس
11/11/2021
فاجأني جوشوا كوهين مرتين: كانت المرة الأولى عندما التقينا، بناء على طلبه، ذات مساء في نهاية كانون الثاني (يناير) 2020، في القدس. أراد أن يخبرني عن اكتشافه في أوراق صديقه الراحل البروفيسور هارولد بلوم، الرجل العظيم في الكتابة الأمريكية، لمراسلاتبين بلوم وبنزيون نتنياهو والد بنيامين نتانياهو. ولم يكن متأكدا مما يجب فعله، ولم أكن أنا كذلك.
في بحثي في كتابة السيرة الذاتية لبنيامين نتنياهو، قضيت بطبيعة الحال الكثير من الوقت في محاولة لمعرفة المزيد من التفاصيل عن حياة والده بنزيون نتانياهو كأكاديمي محبط.
كانت دراسته عن اليهود في إسبانيا في العصور الوسطى جزءًا لا يتجزأ من كتابه القاتم الشامل عن التاريخ اليهودي: اليهود يحاربون معاداة السامية في كل مكان وزمان. كان يعتقد أنه لم يتلق الاعتراف الذي يستحقه كمؤرخ، وأن الاستياء – جزئيًا على الأقل – حوّل ابنه الأوسط إلى الرجل الذي أصبح عليه. لكن حقيقة أن نتنياهو كان على علاقة من نوع ما بأكثر نقاد الأدب اليهودي شهرة في عصره كانت مفاجأة. ما كنت أعرفه القليل عن هارولد بلوم لم يحملني على الاعتقاد بأن عوالمهم ستتقاطع يوما ما.
لا أتذكر الكثير من لقائي مع جوشوا كوهين، بصرف النظر عن التذكر الغامض أننا في مرحلة ما كنا نشرب الكثير من الويسكي، وعدنا إلى منزلي للتوفير في فاتورة الحانة. ولم أفكر كثيرا في الأمر مرة أخرى حيث انحدر العالم بسرعة إلى مستنقع الوباء، وشعرت وكأن الليالي المخمورة مع الكتاب ذكريات من حياة أخرى.
جاءت المفاجأة الثانية بعد عام بالضبط، عندما اتصل بي ناشر أمريكي يسألني عما إذا كنت أرغب في رؤية نسخة أولى من رواية جوشوا كوهين: “نتنياهو: سرد لحلقة صغيرة ومهملة في نهاية المطاف في تاريخ عائلة مشهورة جدًا “. لأكون صادقا، ما زلت مندهشا من أن أيشخص تمكن من كتابة ونشر كتاب في عام الوباء.
عندها، قرأت وأعدت قراءة “The Netanyahus”، وراجعته في مجلة أدبية يهودية صغيرة، وقرأت عددًا لا يحصى من المراجعات والمقابلات الأخرى مع كوهين، بما في ذلك واحدة قدمها لصحيفة هآرتس الأسبوع الماضي بمناسبة إطلاق الطبعة العبرية، لكن الرواية ما تزال تلح علي.
في هذه المرحلة، يجب أن أقول، بالنسبة لأولئك منكم الذين لم يهتموا بالشؤون الأدبية، أن”نتانياهو ” هي رواية قصيرة ومثيرة للشغب، تركز على المؤرخ روبن بلوم، الذي كان في شتاء عام 1959 العضو اليهودي الوحيد في هيئة التدريس في كلية كوربين الخيالية. اضطربت حياة بلوم وعائلته الصغيرة لفترة ما بعد الظهر والمساء الكارثية بسبب وصول بنزيون، / كوهين يذكر اسمه / تسيلا وأبناؤهم الثلاثة يوني وبيبي وإيدو.
بنزيون عاطل عن العمل ويحاول العثور على كلية توظفه. تم إعلام بلوم من قبل كوربين، بصفته المحاضر اليهودي الوحيد لمرافقته في أنحاء الحرم الجامعي. وبدلا من ذلك، وجد نفسه محتكرا تماما من قبل الرجل الأكبر سنا. غير أنني لا أقوم هنا بمراجعة الكتاب، لذلك سأقول فقط أنه أكثر الكتب تسلية وأمتع الأشياء التي قرأتها أثناء الوباء.
أريد أن أكتب هنا عن سبب اعتقادي أن للكتاب معنى أعمق بكثير، وهو معنى لست متأكدا من أن كوهين قصده، على الرغم من أنني أعتقد أنه فعل ذلك.
في حين أن ” نتانياهو ” في الكتاب يعتمد بشكل وثيق على نظرائه “غير الخياليين” في بعض الحالات تقريبًا بشكل غريب، فإن روبن بلوم الخيالي، وهو مؤرخ متواضع إلى حد ما متخصص، لا يشبه حتى شكليا النجم الأكاديمي الواقعي هارولد بلوم.
لست متأكدًا من أسباب إبقاء كوهين على بعد هذه المسافة عن الأصل، ولكن أحد الاختلافات الرئيسية بينهما هو أنه على عكس بلوم – الذي يبدو بكل المقاييس أنه يمجد في يهوديته واستمتع بوضع النصوص اليهودية القديمة في صميم كتابه الأدبي – يصر بلوم على إخبارنا في الصفحة الأولى من “نتنياهو ” أنه بينما أنه “مؤرخ يهودي”، فإنه ليس “مؤرخ لليهود”.
يجبر كوهين مؤرخا يهرب من التاريخ اليهودي على قضاء بضع ساعات غير مريحة ومؤلمة مع مؤرخ يحاول إجبار التاريخ اليهودي على السردية السياسية التي تخدم مصلحته الذاتية. هذا أكثر بكثير من الطريقة التي نشأ بها المراهق بيبي بين مسقط رأسه في القدس والإقامة المتكررة لعائلته في الولايات المتحدة.
الأستاذان هما تمثيل مشفر للطائفتين اليهوديتين الكبيرتين في فترة ما بعد الحرب، والنقطة التاريخية عندما التقيا، كانت عندما شرعت هاتان الجاليتان بالنمو فرادى. كان اليهود الأمريكيون قد بدأوا للتو في الشعور بأنهم جزء لا يتجزأ من الحياة الأمريكية، وربما كانوا ولمجتمع في الشتات يمكن أن يتخلص من لعنة الأقلية الأبدية المضطهدة. وكان اليهود الإسرائيليون – بعد عقد من حصولهم على الاستقلال – ما يزالون يعتادون على السيادة اليهودية.
فجأة، بعد 2000 عام من المنفى والاضطهاد، أصبح اليهود قصة نجاح، ولكن ليس نجاح واحد فقط. وإنما قصتان منفصلتان تتناقض نجاحاتهما وتتعارض مع بعضها البعض:
أثبت اليهود الأمريكيون أخيرا أنه في أرض الحرية، لم تكن هناك حاجة لوطن يهودي.
وكان اليهود الإسرائيليون يثبتون أنه في وطنهم فقط يمكن لليهود أن يكونوا أحرارا حقا.
في ذلك الوقت، في عام 1959، بالكاد كان هناك اتصال بين اليهود الأمريكيين والإسرائيليين. كان هناك عدد قليل من الرحلات الجوية المباشرة، وقليل من السياحة أو الهجرة في كلتا الحالتين. في سعي يهود امريكا من أجل قبول واستيعاب الطبقة الوسطى في صهيون الجديدة، بالكاد ظهرت إسرائيل على رادارهم. الصحوة الصهيونية لليهود الأمريكيين التي جاءت بعد انتصار حرب الأيام الستة، كانت ما تزال بعيدة بضع سنوات.
بالنسبة للإسرائيليين، كانت أمريكا ما تزال بعيدة جدا عن الظهور في حياتهم. كان الاتحاد السوفيتي الداعم الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل في عام 1948، وظل بالنسبة للكثيرين نجما بارزا، بينما بحلول أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، أصبحت فرنسا أقرب شيء إلى حليف غربي.
كانت عائلة نتنياهو جزءا من الطبقة العليا الإسرائيلية الصغيرة التي كان لها صلات بالولايات المتحدة وأمضت وقتا في الولايات المتحدة. على عكس معظم أشقاء بنزيون الذين استقروا في أمريكا للأبد، فإن يوني وبيبي وإيدو، ووالديهم من بعدهم، سيعودون إلى ديارهم في القدس.
تفاعلهم القصير والحاد في بلوم بمنتجع كوربيندال الثلجي هو مقدمة لعلاقة نتنياهو الابن مع يهود الولايات المتحدة، والعلاقات بين اليهود الأمريكيين وإسرائيل على نطاق أوسع.
سوف يستخدم نتنياهو، على مر السنين، التأييد والتملق لليهود الأمريكيين لبناء مسيرته السياسية الخاصة وقاعدته. وليخونهم عندما ثبت له أن القاعدة بالنسبة للأغلبية الساحقة اليهودية الليبرالية قومية للغاية حيث هم في الولايات المتحدة الاميركية. فاستعاض عنهم بدونالد ترامب وبالمسيحيين الإنجيليين. إنها مقدمة لعلاقة مختلة بالكامل بين أكبر وأنجح جاليتين يهوديين في التاريخ. مما لا شك ان نتنياهو فعل أكثر من أي فرد آخر لتفريقهما، لكن هذا كان سيحدث على أية حال. بيبي نتانياهو كان المحفز فقط.
يخفي السياسيون والأجداد اليهود اليوم الفجوة التي يبدو أنها تنفتح بين الجاليتين اليهوديتين في إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية، دون أن يدركوا أن هذا هو الوضع الطبيعي للأمور. إذا كان هناك أي شيء، فقد كانت الفترة منذ عام 1967 وحتى وقت قريب نسبيا، التي شعر فيها اليهود الأمريكيون والإسرائيليون بألفة مع بعضهم البعض، حالة شاذة.
الصدام الخيالي الذي يصفه كوهين بين المؤرخين، أحدهما الذي سعى ليكون جزءا من سردية أوسع للشؤون العالمية، والآخر الذي رأى كل الأحداث من خلال منظور الاضطهاد اليهودي. يبقى أمرا لا مفر منه اليوم. إنه أعمق بكثير من الخلافات حول سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين أو المواقف تجاه التعددية الدينية.
يتعين على اليهود الأمريكيين والإسرائيليين التعود على حقيقة أنهم لم يعودوا يشتركون في نفس التاريخ. حتى ذكرى الهولوكوست فقدت قوتها الموحدة، حيث تستخدمها إحدى الجاليات اليهودية
/ إسرائيل / على الدوام كحدث فريد يبرر السياسة الحالية ، فيما تحاول الجالية الأخرى وضعها في سياق أوسع من القيم والدروس العالمية.
كوهين، وهو يهودي أمريكي لا يتحدث العبرية بطلاقة فحسب، بل يتناول عمليا إسرائيل ويخبرنا أن المستقبل الوحيد لهذه العلاقة هو إيجاد طريقة للعيش مع هذه التناقضات، والاعتراف بالحقيقة التي لا مفر منها، وهي أنه، حتى لو كنا شعبا يهوديا واحدا، لم نعد نتشارك نفس الماضي.
أنشل بفيفر يهودي ولد في مانشستر في المملكة المتحدة. هاجرت عائلته إلى إسرائيل عام 1981. وأدى خدمته الوطنية في جيش الدفاع الإسرائيلي في لواء غولاني. وهو صحفي كتب لمجموعة متنوعة من الصحف بما في ذلك The Guardian وThe New York Times وThe Washington Post وThe Times. عموده في هآرتس، “القدس وبابل”، كان عبارة عن سلسلة من المقالات التي غطت قضايا تتعلق بإسرائيل والهوية اليهودية. وحصل على جائزة بناي بريث عن “تقدير التميز في ربورتاج الشتات”. مكن جواز سفره البريطاني صحيفة “هآرتس” من إرساله لتغطية أحداث في البلدان التي تحجم عن السماح بدخول الإسرائيليين، مثل الثورة المصرية عام 2011. ويكيبيديا