محزن رحيل سهام ابو غزالة إحدى رائدات العمل التطوعي الفلسطيني وسط هذه الظلمة الحالكة التي يمر بها وطننا . فما أحوجنا اليوم إلى قادةينتمون للوطن ويفتدونه ، ويخدمون الشعب بإخلاص وترفع .
كانت سهام أبو غزالة تعمل بصمت لافت ، وتتوارى خلف فريق عمل تقوده بكفاءة وتفان . وتستحضر في المعارض التي تجوب بها العالم فلسطينالوطن والشعب . وتحرص على أن تبدأ صالات العرض باستحضار تاريخ فلسطين وجغرافيتها في جداريات تختزل فيها حكايا الوطن والشعب . وترفقها بعرض لمنتجات الفكر وأفضل ما تضمنته الكتب التي تثري الوعي المعرفي للأجيال المتتابعة حول فلسطين الوطن والشعب والقضية .
في المعارض الدورية التي دأبت سهام مع ثلة من رائدات العمل التطوعي على تنظيمها ،كن يستعدن بشغف حكايات المدن والقرى والبادية الفلسطينية ، ويروونها على أثواب يعهدن للنساء الفلسطينيات توثيق خصوصية رموزها وتمايز ألوانها ومدلولاتها . فكل غرزة تبوح بشوق وحنين وذكرى للحياة الجميلة التي كانت ، قبل ان يسطوا الغزاة المستعمرون الصهاينة على فلسطين ويفتكوا بأهلها قتلا وتشريدا . فتحفظن عبر الأثواب ذاكرة المكان الذي تمسلبه، والزمان الذي عاشه الأجداد والجدات وما اعتادوه في الأعراس والأعياد ومواسم الزرع والحصاد . ويحفظن بذلك التراث من الاندثار ، ويبعثونه حيافي عقول وقلوب الأجيال الفلسطينية الفتية التي تم اقتلاعها وحرمانها من نعمة ومتعة التواصل مع ماضيها العائلي والحضاري . ويوفرن في الوقت ذاتهلعديد النساء الفلسطينيات في مواطن اللجوء عملا كريما ودخلا يسهم في إعالة أسرهن . ومن عائدات بيع منتجاتهن في المعارض التي تجوب العالم ،يدعمن صمود مؤسسات القدس التعليمية والصحية ، ويسهمن في رعاية عديد الأسر الفلسطينية في مخيمات الوطن والشتات .
تأسرك سهام أبو غزالة بهدوئها وكبريائها وتفانيها وحزنها الدفين وهي تروي حكايات الوطن والشعب الذي تواطأ الكون بأسره لطمسها. وتذهلك بمقدرتها – رغم ذلك – على الاحتفاظ بشغف عيش مباهج الحياة الفلسطينية التي كانت . فتراها تحفظ الأهازيج والأغاني الوطنية والتراثية ، وتشترك مع الصبايا والشباب في الدبكات الشعبية التي كانت تتخلل المعارض فتنثر الفرح والبهجة . وتستكمل استحضار فلسطين باستدعاء المطبخالفلسطيني الحافل بأقراص الزيت والزعتر والميرمية والعكوب إن كان موسمه والفتوت والمفتول والمسخن والمقلوبة . فتحيي الوطن الذي تم تغييبه، وتحفز الأجيال الفتية على استحضاره والعيش فيه أينما حلوا . وترقب بحب وأمل تعلقهم بالأرض التي حرموا منها ، وإصرارهم على التمسك بحقهم في تحرير وطنهم والعودة إليه وتقرير المصير الفلسطيني الجمعي على أرضه .
وبحضورها الأنيق وابتسامتها الدافئة التي لا تفارقها ، حتى وهي تواري دمعة غاضبة لسلوك لا ترتضيه . وعتاب هامس يحفزه القلق على مستقبلالمركز الذي كان لها وزميلاتها الرائدات شرف المبادرة لإنشائه في الكويت ، وحافظن عليه بعد الاجتياح العراقي للكويت ، وأعدن إحياءه في الأردن .
ولأجل استمراريته والحفاظ عليه ،تكبدت سهام أبو غزالة عناء العيش في مكانين للمواءمة بين رعاية أسرتها ورفيق عمرها الذي أقعده المرض فيالكويت ، وبين متابعة وإدارة مركز التراث في عمان ، وظلت تسابق الزمن لتوفير مقومات استمرار المركز وتنميته وتطوره بالتنظيم والمتابعة والتحديث والمأسسة .
لروح الراحلة الكبيرة الرحمة والسكينة ، ولذكراها العطرة الخلود ، ولأبنائها وشقيقتها إلهام وأشقائها المهندس وائل والشيخ حازم وأسرهم ، ولعمومعائلة أبو غزالة الكريمة ، ولأصدقائها الكثر وعموم الشعب الفلسطيني الذي أمضت العمر في خدمة قضيته العادلة أحر التعازي .