الاغتيال مصطلح يستعمل لوصف عملية قتل منظمة ومتعمدة تستهدف شخصية ذات تأثير فكري أو سياسي أو عسكري أو حقوقي أو إعلامي .وتكون أسباب عملية الاغتيال عادة سياسية أو اقتصادية أو اخفاء جريمة و تستهدف شخصاً معيناً يعتبره منظمواعملية الاغتيال خطراعليهم أو عائقاً أمامهم .
فإذا كانت المطالبة بالتحقيق بصفقة اللقاحات المنتهية الصلاحية جريمة تستحق اعتقال واغتيال الناشط السياسي الشهيد نزار بنات، فلماذا إذن شكلت الحكومة الفلسطينية لجنة للتحقيق في الصفقة ؟
قد لا يتفق كثيرون مع أسلوب الناشط السياسي نزار بنات في نقده للسلطة الفلسطينية. وكان يمكن للقانون أن يأخذ مجراه بحق نزار بنات إذا ثبت ارتكابه مخالفة أو جنحة أو جريمة القذف والتشهير بحق مسؤولين ، بعد تبرئتهم قضائيا من التهمة التي وجهها إليهم .
وتجدر الإشارة إلى أنها ليست المرة الأولى التي يواجه فيها الناشط السياسي نزار بنات الاعتقال والتهديد . فعلى مدى السنوات السابقة جرى اعتقاله لأكثر من ثماني مرات ، وكان يطلق سراحه دون التحقيق القضائي في ادعاءاته بحق المسؤولين . أملأ في أن يكون تكرارالاعتقال والتعذيب والتهديد كافيا كي يكف عن إزعاج السياسيين الفاسدين.
لكن المناضل نزار بنات نذر نفسه للدفاع ، بأسلوبه الخاص ، عن حق شعبه في العيش الحر الآمن الكريم في وطنه ، بعد أن لم ينصفه القانون بإيلاء اهتمام للنظر في شكاويه المتكررة اتجاه فساد المسؤولين الفلسطينيين وتجاوزهم للقانون . والمعروف أنه في ظل غياب سيادة القانون سوف تسود شريعة الغاب .
وللحقيقة فإن نزار بنات ليس الوحيد الذي يعتقد باستشراء الفساد ، فبحسب استطلاع للرأي أجراه الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان).
يشكو معظم الشعب الفلسطيني من أن حجم الفساد في السلطة الفلسطينية بشقيها في الضفة الغربية وقطاع غزة ما يزال كبيراً وفي ارتفاع . وقال “الائتلاف”، أيضا ، أن”الفلسطينيين غير مقتنعين بجدية جهود مكافحة الفساد، ويشـككون باستقلالية هيئة مكافحته، ويعتقدون بتأثرها بالسلطة التنفيذية”.
وبحسب الاستطلاع الذي أُجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن 80 % من الفلسطينيين يعتبرون أن جهود مكافحة الفساد غير كافية، ويرى 46 %منهم أن أداء هيئة مكافحة الفساد في الضفة “فعّال إلى متوسط الفعالية”، في حين أشار 84 %منهم إلى أن دور نيابة مكافحة الفساد في قطاع غزة يقع بين “متوسط وضعيف الفعالية”.
وبسبب خضوع الضفة الغربية وقطاع غزة إلى سلطتين مختلفتين، أظهر استطلاع الرأي تبايناً في النتائج والمشكلات في كلا المنطقتين، ففي حين يرى 67 %ممن استطلعت آراؤهم في الضفة الغربية أن مستوى الفساد ارتفع العام الماضي، فإن 33% في قطاع غزة يعتقدون أن مستوى الفساد ارتفع العام الماضي .
ويشير 58 في المئة من الفلسطينيين إلى أن مستوى حجم الفساد في مؤسسات السلطة ما يزال كبيراً، لاسيما بين الموظفين فيها في الفئات العليا.
وعن صور الفساد، أفاد استطلاع الرأي بأن “الواسطة والمحسوبية” هما أكثر أشكاله انتشاراً في فلسطين، تلاهما “اختلاس الأموال العامة” و”إساءة استعمال السلطة” و”الرشوة” و”جريمة غسل الأموال” و”المتاجرة بالنفوذ”.
كما لفت 69 في المئة ممن استطلعت آراؤهم إلى أنهم يعتقدون “بوجود فساد في المحاكم والنيابة العامة”، وترتفع تلك النسبة إلى 76 في المئة بالضفة الغربية مقارنة بـ 58 في المئة في قطاع غزة، وأبدى 79 في المئة عدم رضاهم عن عقوبات مرتكبي جرائم الفساد، مشيرين إلى أنها “غير رادعة”.
مشكلة المسؤولين الفاسدين الفلسطينيين ليست مع نزار بنات والعديد من النشطاء الفلسطينيين الذين سبق تصفيتهم ، حتى تنتهي باغتيالهم وتغيبهم . وانما مع عموم الشعب الفلسطيني .
واذا كان الشعب الفلسطيني قد قرر إمهال الفاسدين وتاجيل ملاحقتهم ومحاسبتهم لاعتقاده بأن الأولوية الأولى للصراع مع العدو الوجودي ، فقد اوشك صبره على النفاذ وبات يرى في استشراء الفساد وتجاوز مرتكبيه كل الحدود خطرا يوازي خطر الاستعمار الاستيطاني الصهيوني العنصري ومعززا له .