قد يكون من المبكر توصيف الهبة الفلسطينية الراهنة بانتفاضة أو ثورة. لكن المؤكد أنه تشكل بداية لمرحلة نوعية جديدة تختلف عن كل ما سبقها، وتمتلك مقومات التطور إلى ثورة واعدة بالتغيير.
فالثورات تحدث – كما تقول أستاذة التاريخ بجامعة إنديانا، ريبيكا إل سبانج – في لحظة تاريخية، عندما تتلاقى الاهتمامات المتباينة لعدد من المجموعات المختلفة، وتلتحم معًا لمدة من الزمن تطول أم تقصر. وهذا التلاقي والالتحام لا يخطط له مسبقا. وعندما يحدث مصادفة، يسميه المؤرخون «حادثا طارئا»، رغم انه ينبني على أحداث أخرى بطريقة تجعل منع حدوثه متعذرا. ويصبح من غير الممكن التحكم بتطوراته. فلا يعود ما بعده كما كان قبله.
وتدلل شواهد التاريخ أن الأحداث الثورية التي تؤدي إلى تحولات جوهرية، لا تصنعها خطة استراتيجية. وأنها غالبا ما تفاجئ الناس. الثوار وأعداء الثورة على حد سواء.
وأغلب الظن أن هذا ما يحدث الآن في فلسطين. فالهبة الشعبية الفلسطينية الحالية التي ينخرط فيها كل الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وفي مناطق اللجوء، وتشمل كامل أرض
فلسطين التاريخية وقد تمتد – عند استمرارها – إلى عموم المنطقة والإقليم حيث تتوفر كل عوامل التفجر. لم يخطط لها المقدسيون ولا فلسطينيو العام 1948 ولا فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبالتأكيد أنها لم تكن في حسبان أي من القوى والفصائل والتنظيمات والأحزاب والحركات الفلسطينية، لاستغراقها جميعا في صراعاتها البينية على سلطة يقرر المستعمر الصهيوني حدود دورها. ولانشغال قادتها بالتنافس الانتخابي على مقاعد في الكنيست الاسرائيلي خلال الجولات الانتخابية المتتالية. وعلى مقاعد المجلس التشريعي لسلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة بالانتخابات التي تقرر إجراؤها أواخر أيار الجاري الذي استحق اجراؤها قبل أكثر من عقد، وتم إلغاؤها، في نهاية نيسان الماضي بذريعة منع إسرائيل إجرائها في القدس. ثم انشغال الطبقة السياسية الفلسطينية في اعقاب التأجيل بالمماحكات والاتهامات المتبادلة.
ولم تحظ قضية حي الشيخ جراح الملتهبة، ولا الاعتداءات المتكررة للمستوطنين والجنود الاسرائيليين على المصلين الفلسطينيين في كنيسة القيامة في سبت النور، وعلى المصلين خلال شهر رمضان في المسجد الأقصى، باهتمام الطبقة السياسية الفلسطينية التي انشغل أقطابها بالتنافس الاستقطابي عبر كيل الاتهامات لبعضهم، رغم انعدام التمايز بينهم في الرؤى والبرامج.
فجاءت الهبة الشعبية التي فجرتها إرهاصات وتراكمات قرن كامل، لتفاجئ الجميع، الفلسطينيين، والاسرائيليين، والعرب، والعالم. وبات من المتعذر التحكم بتطوراتها في ظل التحام الغاضبين من مختلف أماكن التواجد الفلسطيني، وجاهزية القوى الاسرائيلية والفلسطينية المتنفذة لتوظيف اللحظة كل لخدمة مآربه.
لقد استدعى اليمين الصهيوني العنصري الفاشي الذي يتزعمه نتانياهو الشعب الفلسطيني عنوة للهبة. لاعتقاده بتوفر فرصة تاريخية مواتية – قد يتعذر تكرارها مستقبلا وينبغي عدم تفويتها – لتصفية القضية الفلسطينية واستكمال اجتثاث باقي الشعب الفلسطيني من أرض وطنه ودفعه خارجها، دون خوف من عقاب. مدفوعا برؤية استعمارية استعلائية عنصرية قصيرة النظر، وبجنون العظمة، وبطموحات شخصية للبقاء في الحكم، وبقراءة عاجزة عن فهم اتجاه تطور حركة التاريخ الإنساني، وتحليل قاصر لمعطيات اللحظة الراهنة والبناء عليها، وأبرزها: –
حالة الضعف والانقسام والتشظي الفلسطيني غير المسبوق، والتكلس والعجز في دوائر صنع القرار، وفقدان الثقة الشعبية بالطبقة السياسية الفلسطينية السائدة.
انهيار النظام العربي وتفكك دوله المركزية، وانشغال دول وشعوب الإقليم بالحروب البينية والأهلية، وبالصراعات الاجتماعية والطبقية التي أججتها تداعيات سياسات مواجهة جائحة الكورونا.
تغير قواعد التحالفات في عصر العولمة النيوليبرالية المتوحشة والحداثة السائلة. وقد أشار المفكر البولندي زيغمونت باومان في كتابه “الأخلاق في عصر الحداثة السائلة” إلى بعض الظواهر المرافقة للنيوليبرالية وتسيد معيار الربح السريع. وأهمها: تغير القيم، والهويات، وتسيل الحدود السياسية، وتراجع أهمية وتأثير الحواجز التقليدية. الذي عكستها بوضوح في منطقتنا العربية ظاهرة تكرار استدعاء الولايات المتحدة الأمريكية لنشر قواعدها العسكرية في دول المنطقة على نفقة الدول المضيفة. ودخول بعض الأنظمة العربية بتحالف علني مع إسرائيل للاحتماء بها من أخطار أشقائهم العرب والمسلمين المستحدثة. وإبرام اتفاقات سلام معها في ذروة عدوانيتا وعنصريتها، برعاية أمريكية / اتفاقات أبراهام /، دون اشتراط وفاء إسرائيل بالالتزامات التي تضمنتها مبادرة السلام العربية التي أقرها النظام العربي في قمة بيروت عام 2002. والاستقواء بهذه الاتفاقات لزيادة الضغوط السياسية والمالية على الشعب الفلسطيني، وتمويل انقسام نظامه السياسي الفلسطيني لتكريس الانفصال وتوظيفه لتطويع أطرافه، ودفعهم للتسليم بشروط التسوية السياسية الاسرائيلية -الأمريكية، التي تمتضمين تفاصيلها في صفقة القرن، ومرتكزها مقايضة الاحتياجات المعيشية لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة بالحقوق الوطنية والتاريخية لعموم الشعب الفلسطيني.
الاطمئنان إلى استمرار الدعم الاميركي اللامحدود بعد إعلان ادارة الرئيس بايدن أن أولوياتها الخارجية لا تشم لملف الشرق الأوسط وتسوية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، كما تراهن الطبقة السياسية الفلسطينية المتهاوية. وتأكيد التزامها بإرث الرئيس السابق ترامب لجهة الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل خلاف القرارات الشرعية الدولية. والإبقاء على مقر السفارة الأمريكية فيها. والتوجه لتوسيع اتفاقات أبراهام لتشمل دولا عربية وإسلامية جديدة، والالتزام بمواصلة توفير الحماية الأمريكية لاستثناء إسرائيل من الخضوع للقوانين والاتفاقات والقرارات الدولية، بما فيها القوانين والاتفاقات المتصلة بحقوق الإنسان. ومنع المحكمة الجنائية الدولية من ممارسة ولايتها الإقليمية على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 / الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة / للتحقيق في شبهات ارتكاب اسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. والاستمرار في توفير الحصانة لمرتكبيها للإفلات من الملاحقة والمساءلة القضائية.
الركون إلى تفاقم عجز المجتمع الدولي وانعدام قدرته على التأثير في ظل الهيمنة الامريكية وتنامي سيطرة اليمين العنصري في الدول المركزية في أوروبا وأمريكا اللاتينية والهند الخ …، وانشغال باقي الدول بصراعاتها البينية وأزماتها الداخلية التي أججتها جائحة الكورونا وتداعيات سياسات مواجهتها على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
فشجع، ذلك، نتانياهو الطامح للإفلات من الملاحقة القضائية على تهم الفساد الموجهة إليه، عبر البقاء في الحكم. وحفزه على الدفع بتحديد موعد نهائي للمحكمة في الثاني من أيار لإصدار قرار إخلاء حي الشيخ جراح من سكانها لفلسطينيين، ثم أجل الموعد ثلاثة أيام لقمع الاحتجاجات الشعبية، غير آبه بالتحذيرات والمناشدات الدولية.
ولزيادة الضغط على الفلسطينيين وترهيبهم، أعطى الأمر للجيش الاسرائيلي بحماية مسيرة حاشدة لعشرات آلاف المستوطنين المتطرفين في العاشر من أيار /الذي يوافق 28 رمضان/، تنطلق من القدس الغربية، وتصل الى منطقة الحرم القدسي الشريف الذي يؤمه عشرات آلاف المصلين في العشر الأواخر من رمضان، لإثبات السيادة الاسرائيلية والاحتفال بذكرى توحيد القدس. وبالتوازي مع ذلك أغلق باب العامود لمنع المصلين الفلسطينيين من التواجد في الحرم القدس بحجة الوقاية من فايروس كوفيد 19. ولم يلتفت إلى مخاطر تأجيج وتديين الصراع، ولم يأبه بتحذيرات أجهزته الأمنية والتنبيهات الامريكية والدولية. ولم يأخذ على محمل الجد تحذيرات حماس، وبدى وكأنه يستدرجها إلى مواجهة تتيح له البقاء في السلطة.
ولم يدر بخلده أن سلوكه الأرعن، واستبسال العائلات الفلسطينية المهددة بالاقتلاع من مساكنها في مواجهة عمليات الإخلاء، واستعداد المقدسيين وعموم الفلسطينيين للتضحية بالذات في ميدان الاستشهاد دفاعا عن وجودهم ومقدساتهم، سيسهم في تسريع استدعاء الذاكرة الجمعية الفلسطينية لوقائع النكبة الفلسطينية عام 1948. بعد ان أسهمت في إحيائها سياساته وسلوكياته المتواصلة باستكمال تهويد الجليل والنقب ومحاولاته المستميتة بالاستحواذ على ما تبقى من ممتلكات مواطنيه الفلسطينيين في يافا وحيفا وسائر المدن والقرى الفلسطينية المختلطة ، وفي ضواحي القدس ومدن وقرى الضفة الغربية والأغوار لتسريع عملية التطهير العرقي في كامل فلسطين التاريخية ،واستكمال استبدال فلسطين بإسرائيل ، واستبدال شعبها العربي الفلسطيني بالمستوطنين اليهود ومن يتم تهويدهم ، الذين تتمكن الحركة الصهيونية من استقطابهم من مختلف انحاء العالم ودفعهم للهجرة إلى فلسطين .
فتفاجأ ونظامه ومستوطنيه وحلفائهم العرب والدوليين بتدافع الشعب الفلسطيني، الذي انخرطت مكوناته تباعا في هبة شعبية شاملة للكل الفلسطيني داخل الوطن وخارجه للدفاع عن وجودهم وبقائهم الجماعي المهدد، والذي ما تزال حلقاته تتابع للقرن الثاني على التوالي.
وفاجأتهم، كذلك، جاهزية حماس لتوظيف الفرصة وإثبات قدرتها وأهليتها للقيادة وملء الفراغ السياسي الذي تسببفيه جمود السلطة وتفتت حزبها الرئيسي، وغيابها عن المشهد الفلسطيني المتفجر في حي الشيخ جراح والمسجد الأقصى وباب العامود، واستمرار تمسكها بالتنسيق الأمني الذي بات عموم الشعب الفلسطيني يسمه بالخيانة. إذ لم يستطع ان يمنع مصادرة الأراضي الفلسطينية واقتلاع الأشجار واتلاف المحصولات. ولم يوقف الاجتياحات المتكررة للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية. ولم يحم الأطفال والنساء الفلسطينيات من اعتداءات المستوطنين المتواصلة واعتقالات الجيش الاسرائيلي. ولم ينجح في إطلاق أي من الأسرى الفلسطينيين حتى الأطفال والنساء الذين يتم حبسهم إداريا لفترات طويلة تمتد لسنوات، أو أولئك الذين انتهت مدة محكوميتهم. وانحصرت فاعلية التنسيق الأمني في منح التسهيلات للمتنفذين في السلطة، وتحويل ضريبة المقاصة لتمويل نفقات السلطة بعد اقتطاع إسرائيل ما تقرر حظره ومصادرته، لمنع سقوطها بسبب حاجته لدورها كوكيل محلي مكلف بكبح المقاومة وملاحقة الناشطين الفلسطينيين.
فيما أسهم إطلاق حماس – رغم التفاهمات الخاصة بالتهدئة التي ترعاها وتمول استدامتها بعض الدول العربية بموافقة إسرائيل – صاروخا تحذيريا لنصرة القدس، أثبت جدواه بوقف مسيرة المستوطنين وتعطيل إخلاء العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح.
ولم يدر بخلد نتانياهو الذي يتزعم اليمين المتطرف ويقود الشعب الاسرائيلي نحو المجهول، أنه بغروره وحساباته الخاطئة، إنما يسهم في استقدام اللحظة التاريخية التي تحدثت عنها أستاذة التاريخ الأمريكية كما سبقت الإشارة، لجهة تلاقي الاهتمامات المتباينة لكافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل بثقلهم الديموغرافي الموازن والمتجه نحو التفوق بفعل ارتفاع معدلات النمو السكاني الفلسطيني وتراجع معدلات الهجرة اليهودية الى اسرائيل. ما سهل التحام الفلسطينيين معا، ومع النصف الفلسطيني الآخر في مناطق اللجوء حيث غالبيتهم الساحقة في الدول المحيطة بفلسطين يواجهون مخاطر الإبادة والاقتلاع والتهميش وتوقف خدمات الاونروا، وينتظرون خلاصهم بممارسة حقهم بالعودة إلى وطنهم. فأجهض برعونته نتائج الجهود التي بذلتها إسرائيل وحلفائها الاستعماريين على مدى 73 عام لتفريقهم.
وأكثر ما فاجأ نتانياهو والطبقة السياسية الاسرائيلية وعموم يهود إسرائيل ، انبعاث طائر الفنيق الفلسطيني الذي استكان داخل أراضي العام 1948 و ظنوا ومعهم بعض الفلسطينيين وكل العرب والعالم ، انه انقرض وتبدل وتأسرل وتم تطويعه عبر حكم عسكري فاشي ، عزل فلسطينيي 1948 عن أشقائهم الفلسطينيين ومحيطهم العربي وعن العالم أجمع ، وتم التنكر لهويتهم الوطنية الفلسطينية فسموا “بعرب إسرائيل ” ، وأخضعوا لقوانين الحكم العسكري فور إنشاء دولة إسرائيل قبل 73 عام ، الذي استدام قرابة عقدين تم خلالهما الاستفراد بهم ، فصودرت أراضيهم وممتلكاتهم، ومنعوا من العودة إلى قراهم الأصلية التي تم تدميرها / 530 / وأنشأت المراكز الاستيطانية اليهودية فوق أنقاضها. وحصروهم في مناطق مغلقة تزداد محدوديتها عبر الزمن، وحاصروهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيًا، ولم يرفع الحكم العسكري عنهم إلا عام 1966 عند استكمال جهوزية إسرائيل لاحتلال باقي الوطن الفلسطيني مع أراض عربية أخرى عام 1967. وهيء للجميع أن فلسطينيي العام 1948 قد تم إخضاعهم واستيعابهم وتطويعهم بمنحهم جنسية المستعمر، وتقسيمهم طائفيا، وتجنيد قلة منهم في جيش العدو، وتمثيلهم صوريا في الكنيست الاسرائيلي لإضفاء الطابع الديموقراطي على المستعمرة الصهيونية، التي بلورت منظومة قانونية عنصرية (62 قانون) تمس مختلف جوانب حياة الفلسطينيين وتحتجز نموهم وتعيق تطورهم وتحصر نشاطهم في المجالات الخدمية التي يحتاجها المستعمر. ثم استثنوهم عام 2018 بموجب قانون القومية العنصري من حق تقرير المصير الذيقصروه على المستوطنين اليهود فقط. مطمئنين إلى صمت العالم، وخنوع القيادة الفلسطينية التي ارتضت في اتفاقيات أوسلو أسرلة فلسطينيي الداخل / نحو 2 مليون /عندما اعترفت رسميا بدولة إسرائيل في حدود العام 1948، واعتبرتهم بذلك مواطنين اسرائيليين يخضعون للسيادة الاسرائيلية.
وزاد اطمئنان الطبقة السياسية الاسرائيلية المسيطرة بعد تنامي العنف داخل المجتمع الفلسطيني وتزايد الصراعات العشائرية والقبلية التي اججتها وسلحتها إسرائيل، والاختراق السياسي لقياداتهم المهيمنة على فلسطينيي 1948، وانشقاق القائمة المشتركة. وضللهم أيضا نجاح نتانياهو في استقطاب القائمة الموحدة التي تمثل الحركة الإسلامية / الشق الجنوبي/. واخطأوا في فهمهم لدلالات ضعف إقبال الجماهير الفلسطينية على المشاركة بانتخابات الكنيست فيالجولة الأخيرة، فاستهانوا بقدرات فلسطينيي الداخل الذين يشكلون خمس سكان الدولة، وبتداعيات تفجر غضبهم.
ولم يقدروا، أيضا، تداعيات تبدد أحلام سكان الضفة الغربية وقطاع بالاستقلال والدولة، بعد تقويض فرص قيامها بفصل قطاع غزة واحكام محاصرته، وبتسريع التوسع الاستيطاني الاسرائيلي في القدس والضفة الغربية، وتقاعس المجتمع الدولي في تنفيذ قرارته، وتخلي النظام العربي عن مسؤولياته اتجاه القضية الفلسطينية. فتلاقت اهتماماتهم مع اهتمامات باقي مكونات الشعب الفلسطيني، وتأهبوا لالتحام بشعبهم والالتحاق بالهبة.
كما لم يقدروا مخاطر استمرار العبث بمصير اللاجئين الفلسطينيين / حوالي 7 مليون / ، بداية باستهداف مخيماتهم بالتصفية في الحروب ، ثم استثناءهم من أولويات اتفاق أوسلو ، ثم الضغط لتصفية الأونروا وقطع التمويل عنها قبل حل قضيتهم ، وتكثيف الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على الدول المضيفة لاجتثاث المخيمات واستيعاب اللاجئين ، والتواطؤ مع بعض الحكومات العربية والأجنبية لإعادة توزيعهم ، لتصفية قضيتهم ، فجاءت الهبة لتعيد الأمللهم ، وتدفقوا على الساحات والميادين والحدود مع فلسطين لدعم الهبة .
وعليه ، فان الهبة الفلسطينية الراهنة التي حفزها نضوج الوعي الجمعي الفلسطيني في ضوء ما تراكم من خبرات حسية دفعت المكونات الفلسطينية كافة ثمنا غاليا لاستخلاص دروسها وعبرها ، حول أسباب إخفاق مقارباتهم للتحرر على مدى نحو قرن ، وباتوا جميعا على يقين كامل بأن المعضلة لا تكمن فقط في الاجتهادات والمناهج الخاطئة التي امتهنوها والبدائل المختلفة التي اختبروها جميعا، وما يزال البعض الفلسطيني الغافل يلوم منتجيها على سوء خياراتهم وحساباتهم الخاطئة ، التي تعود جميعها الى انعدام الإدراك لطبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري ، الذي يربط استمرار وجوده ومستقبله بنفي الوجود الفلسطيني وتغييبه كليا . ما يحصر الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي في دائرة الصراع الوجودي الذي يقتضي حسمه لصالح الشعب الفلسطيني مقاربات مختلفة. مدركة لطول أمد الصراع، ولقوانين إدارته، وللحاجة الماسة إلى بلورة رؤية واضحة للمستقبل الفلسطيني المأمول بلوغه. ترتكز على فهم عميق لتعذر إعادة عجلة التاريخ للوراء، وتنطلق من ذلك لصوغ مشروع نهضوي إنساني تحرري نقيض للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري ومؤهل لهزيمته. يسعى لكسر الدائرة التي أحكم تقاطع المشروع الاستعماري العام للقوى الإمبريالية المتنفذة مع المشروع الخاص للحركة الصهيونية انغلاقها على مدار أكثر من قرن، واستهدف عبر تجنيد ضحايا العنصرية الأوروبية والسعي لحل المسألة اليهودية في بلادهم بتصديرها لبلادنا. وتزوير التاريخ واختلاق الأساطير الدينية حول الوعد الإلهي لشعب الله المختار ، وتوظيف المخاوف الوجودية للناجين من المذابح اليهودية في اوروبا، بدعوى إنقاذهم عبر الزج بهم في فلسطين ،وتجنيدهم لتنفيذ المشروع الاستعماري ا لعام والخاص ، ووفروا بذلك مستلزمات احتجازهم في صراع وجودي مستمر مع ضحاياهم الفلسطينيين الجدد، بتكرار جرائم الإبادة والتطهير العرقي بحقهم، ما يبقي على حاجة الضحايا اليهود لحماية جلاديهم، ويؤمن بذلك استمرار انخراطهم بالدور الوظيفي المسند إليهم كوكيل استعماري في المنطقة .
مرتكزات الرؤية المستقبلية والبرنامج النهضوي التحرري المؤهل لهزيمة المشروع الاستعماري الصهيوني العنصري تقع خارج نطاق اهتمام هذا المقال على ان يتم الاهتمام بذلك لاحقا في مقالات أخرى.
وما يعنينا في هذا المقال حصريا ، التأكيد على أن الهبة الشعبية الفلسطينية الراهنة ، لن تكون كسابقاتها من الهبات والانتفاضات المتتالية التي عرفتها فلسطين على مدى أكثر من قرن ، بدءا بهبة العام 1920 ، وثورة يافا عام 1921 ، وهبّة البراق عام 1929 ، وثورة القسّام 1930- 1935 ، والإضراب الأطول في التاريخ عام 1936 ، والثّورة 1937-1939، والمقاومة الباسلة في أربعينيّات القرن الماضي ، وإرهاصات العمل الفدائيّ في الخمسينيّات ، وانطلاق الثورة المعاصرة عام 1965 ،ومعركة الكرامة عام 1968 ، وهبّة يوم الأرض عام 1976 ، والمواجهات البطوليّة في جنوب لبنان خلال النصف الثاني من عقد السبعينيّات ، والصّمود الأسطوريّ في حرب لبنان عام 1982 ، وانتفاضة الحجارة 1987 – 1993 ، وانتفاضة النفق عام1996 ، وانتفاضة الأقصى 2000- 2005 ، والصّمود الأسطوريّ لسكّان قطاع غزة في مواجهة حروب الإبادة في الأعوام 2006 ، 2008-2009 ، 2012 و2014 ، وانتفاضة السكاكين التي بدأت إرهاصاتها في تموز 2014 وتجددت في تشرين الأول / أكتوبر/ 2015 وتواصلت حتى منتصف العام 2016 .
وأنها تشكل بداية لمرحلة نوعية جديدة، و لا نغالي القول بأنها تحمل بذور التحول باستمرارها وتنظيمها وعدم السماح لاحد بامتطائها وحرف مسارها كما حدث سابقا، والدفع باتجاه تطورها إلى ثورة قادرة على إحداث تغييرات استراتيجية عميقة في المشهد الفلسطيني والاسرائيلي وربما العربي والإقليمي، لتتوفر الفرص المواتية لاستنهاضه .
ويحتاج ذلك لدراسة عميقة لتداعيات الهبة، وتحليل معمق لدلالاتها، ولشروط وموجبات نموها وتطورها الى ثورة تصنع التغيير الاستراتيجي المأمول. وهذا ما سنحاول تناوله في المقالات القادمة.