في الذكرى الثامنة والعشرين لرحيل حفظي مسعود ملحيس في ٢٥/١١/٢٠٢٠ ، تستعيد عائلته سيرته ومسيرته الحافلة بالعطاء بإلقاء الضوء على محطات حياة أحد رجالات مدينة نابلس الأوفياء .
ولد حفظي ملحيس في الثالث من نيسان ١٩٢٢ في حارة العقبة بمدينة نابلس ، والده مسعود ملحيس كان يمتلك ورشة لصناعة الأثاث في مركز المدينة الشرقي ، ووالدته بهية البشتاوي من مدينة يافا . هو الرابع في الترتيب بين سبعة أبناء ، تكبره ثلاث شقيقات : محفوظة توفيت في عمر الرابعة ، وعدلة ومحفوظة ، ويصغره ثلاثة ، شقيقان رامز وعدنان الذي توفي في الثالثة عشرة من عمره ، والشقيقة الصغرى هيفاء .
انتظر والداه قدومه سبعة عشر عاما ، فحظي بدلال ورعاية استثنائية . غير انه سرعان ما اضطر لمغادرة الطفولة عند وفاة والده عام ١٩٣٥ . فباعتباره الابن الأكبر ، تحول الطفل في الثالثة عشرة من عمره إلى رجل الأسرة المفترض ان ينوب عن والده في رعايتها . فاضطر مكرها إلى ترك مقاعد الدراسة في المرحلة الإعدادية رغم تفوقه وشغفه بالتعلم ، ليتولى إدارة الورشة التي كان يمتلكها والده ويعمل بها ابن عمه وزوج شقيقته الكبرى عدلة .
لم يألف حفظي المهنة ، فترك الورشة بعد سنوات قليلة لزوج شقيقته ، واثر العمل بتجارة الأقمشة التي كان يعمل بها اثنان من أعمامه في مدينة حيفا ، فالتجارة أقل شقاء وأوفر مردودا ، ما يفسح له المجال للتعلم الذاتي وتعويض انقطاعه القسري عن التعليم المنتظم .كما ان مدينة حيفا أكثر تطورا ورحابة وازدهارا وجذبا للشباب الطموح .
تزوج حفظي عام ١٩٤٢ من حمامة سليم ملحيس ، وحيدة عمته آمنة . وانتقلا للإقامة في حيفا ، حيث عمل في تجارة الأقمشة بالشراكة مع تاجر سوري من عائلة العلاف ، وإلى جانب عمله التجاري ، أبدى اهتماما بالعمل العام ، فنشط في جمعية التهذيب والمواساة . وحرص أيضا على التعلم الذاتي فكان شغوفا بالمطالعة ، وتفوق على عديد أقرانه المنتظمين في الدراسة وخصوصا في اللغتين العربية والإنجليزية ، كما أسهمت إقامته في مدينة حيفا بتنمية معارفه بالاقتصاد والسياسة .
ولشدة ولعه وإيمانه بأهمية التعليم الأكاديمي الذي حرم منه قسرا ، شجع شقيقه رامز ، الذي امتهن التدريس بعد تخرجه من كلية النجاح الوطنية على تحقيق طموحه بامتهان المحاماة بدراسة القانون . وحث شقيقته الصغرى هيفاء عام١٩٤٦ على الإمساك بالفرصة التي سبق وان حرمت منها شقيقتهم الكبرى عدلة عام ١٩٢٩ ، عند حصولها على بعثة تفوق للدراسة في كلية دار معلمات القدس ، التي كانت تختار أوائل المدن الفلسطينية لإعدادهن لمهنة التربية والتعليم ، بسبب رفض والدها ، آنذاك ، اغترابها وابتعادها عن الأسرة .
لم يمنع انتماء حفظي ملحيس لأسرة محافظة ، ولمدينته العريقة نابلس المتشبثة بتقاليد صارمة يمليها المجتمع الذكوري المهيمن من دعم شقيقته الصغرى هيفاء لاستكمال تعليمها ، الذي يقتضي منها العيش في القدس بعيدا عن الأسرة وهي ما تزال في الخامسة عشرة من عمرها . فقد كان يرى في التعليم السلاح الأمضى لمواجهة تحديات الحياة ، وكان شديد الإيمان بتساوي حق الإناث مع الذكور في امتلاكه ، كما كان يثق بقدرة المرأة على تحمل المسؤولية تماما كالرجال ، اذ عايش بنفسه تجربة أمه الأرملة الشابة في رعاية وتنشئة الأسرة وإدارة شؤونها بكفاءة لافتة -رغم محدودية الموارد – بعد الرحيل المبكر لرفيق عمرها .
وشهد ، أيضا، مقدرة عمته آمنة التي تزوج ابنتها ، فلفتته جرأتها وشجاعتها وتمردها على أعراف ذلك الزمان في مجتمع قروي يسيطر عليه الذكور ، ورفضها الانصياع لرغبة أشقائها بتزويجها بعد وفاة زوجها سليم وهي في العشرين من عمرها ، وأعجبه إصرارها على التمسك بحقها في تربية طفلتها الوحيدة حمامة واستثمار وإدارة وتنمية ما ورثتاه من أراض زراعية باستقلالية تامة .
عمل حفظي ملحيس بتجارة الأقمشة في مدينة حيفا بضع سنوات ، أنجب خلالها ثلاثة أبناء – عدنان وغسان ورغد -، غير انه اضطر إلى ترك المدينة بعد استيلاء الغزاة المستوطنين الصهاينة عليها وإنشاء الكيان الصهيوني عام 1948 على 78% من إجمالي مساحة فلسطين وطرد غالبية أبناء الشعب الفلسطيني خارجها . فعاد مع أسرته إلى مدينة نابلس ، ليبدأ من جديد بتأسيس محل لتجارة الأقمشة في الخان التجاري بالمدينة ، بالشراكة مع صديقه عبد اللطيف الشاهد .
وحفزته الأحداث الجسيمة التي شهدها وطنه على الانخراط بالسياسة ، فالتحق بحزب البعث العربي الاشتراكي ، التنظيم الذي استقطب ، آنذاك، مع حركة القوميين العرب ، غالبية الشباب الفلسطيني المتعطش لتحرير فلسطين من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني .
غير ان الأراضي الفلسطينية التي بقيت خارج الاحتلال الصهيوني عام ١٩٤٨ واكتظت باللاجئين ، قد ضاقتا بسكانهما بفعل التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للنكبة وانعكاساتها التدميرية على الحياة المعيشية لعموم الشعب الفلسطيني ، بفقدان الأرض والممتلكات والموارد والأشغال ، وانقطاع التواصل مع المركز الفلسطيني الذي أقيم فوقه الكيان الصهيوني . وهو الجزء الأكبر والأغنى والأكثر تطورا . فعجزتا عن توفير الاحتياجات الأساسية وفرص العمل لسكانهما واللاجئين إليهما .
وعليه ، وجد حفظي ملحيس نفسه بين عشرات آلاف الشباب الفلسطيني الساعين للسفر للخارج بحثا عن فرص عمل ، لتأمين دخل كاف لتلبية احتياجات أسرته بعد ان اصبح أبا لسبعة أبناء ثامنهم يوشك على القدوم ، فإيرادات محل تجارة الأقمشة الذي يديره مع شريكه في مدينة نابلس لم تعد كافية ، ما دفعه للإبقاء على الشراكة واتخاذ قرار بالسفر الى الولايات المتحدة الامريكية – التي شكلت انذاك مركز الجذب الأكبر لشباب العالم الباحثين عن فرص أفضل – فوصل إلى ولاية أوهايو في مطلع العام 1955 ، حيث وجد فرصة للعمل في شركة لصناعة الأنابيب بدخل معقول يتيح له إمكانية تحويل جزء مهم من مرتبه للأسرة ، ويفسح المجال أمامه أيضا لتنمية مهاراته ولتطوير معارفه العلمية واللغوية.
وأسهم انفتاحه على المجتمع الأمريكي المتنوع الأعراق والثقافات في تنمية وعيه السياسي عموما ، وبطبيعة الصراع العربي – الصهيوني وجوهره الفلسطيني – الاسرائيلي وتشابكاته الدولية خصوصا . فأدرك طول أمد حله وموجبات ومستلزمات خوضه وأهمية تنوير الرأي العام العربي والدولي بحقائقه لتفعيل التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة . فنشط في أوساط الجالية العربية وأسس مع مجموعة من نشطائها العرب في أواخر العام ١٩٥٥ أول ناد للمغتربين العرب في ولاية أوهايو الأمريكية ، واستطاع النادي عبر أنشطته الثقافية والاجتماعية الإسهام في جمع شمل الجالية وتعزيز التواصل والتضامن بين أعضائها وتقليص وطأة الاغتراب .
أعاد الحنين للأسرة والوطن حفظي ملحيس إلى مدينته نابلس عام ١٩٥٨ . غير ان كبر حجم الأسرة وضخامة أعباء رعايتها جعلته يفكر بالعودة مجددا للعمل في أمريكا . لكن تضافر ضغوط الأسرة والعائلة الممتدة والوفاة المفاجئة والمبكرة لعمه محمد سعيد دفعاه للعدول عن السفر والسعي لتوسيع وتطوير تجارته في نابلس . فأنشأ محلا مستقلا لتجارة الأقمشة في مركز المدينة ، وسعى جاهدا لتوظيف معارفه المكتسبة في أمريكا للنهوض بمهنة التجارة خصوصًا ، ولتطوير مدينة نابلس عموما ، من خلال المشاركة في الأطر المؤسسية المتاحة . اذ كان يؤمن ان العمل الجماعي المنظم أكثر فاعلية ، وان الإنسان في مواقع المسؤولية أكثر قدرة على التأثير في النهوض بمجتمعه وتسريع تنميته . فخاض انتخابات الغرفة التجارية في نابلس عام ١٩٦١ ، وانتخب عضوا في المجلس الثالث للغرفة للفترة ١٩٦١-١٩٦٥ ، ثم أعيد انتخابه مرة ثانية لعضوية المجلس الرابع للغرفة ١٩٦٥-١٩٧٣( تعطلت الانتخابات المفترض إجراؤها عام ١٩٦٩ بسبب الاحتلال الاسرائيلي الناشىء عام ١٩٦٧ ، اذ تم تمديد المجلس الرابع لفترة اخرى ) .
كما خاض الانتخابات النيابية الأردنية عام ١٩٦٣ ، مخالفا بذلك قرار حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان على خلاف مع الحكومة الأردنية ، ودعى أعضاءه آنذاك إلى مقاطعة الانتخابات تحت طائلة التهديد بالفصل من الحزب ، غير ان ذلك لم يثنه عن قراره بخوضها ، لاعتقاده ان عضوية مجلس النواب تتيح فرصا أفضل لتمثيل المدينة وخدمة أهلها . بالتعبير عن احتياجاتها التنموية وتوظيف كل الإمكانات والفرص المتاحة لتلبيتها ما أمكن . ولاقتناعه بان الشعبوية تخاطب العواطف لكنها لا تؤسس للتغيير المبتغى ، فضلا عن ان ثقته بالحزب وبصدقية شعاراته تراجعت كثيرا في أعقاب انهيار الوحدة بين مصر وسوريا عام ١٩٦١ .
انتخب حفظي ملحيس مع خمسة آخرين لتمثيل محافظة نابلس في المجلس النيابي الأردني الثامن / ٨/٧/١٩٦٣ – ٢٣/١٢/١٩٦٦، ثم أعيد انتخابه ثانية في نيسان ١٩٦٧ لعضوية المجلس التاسع الذي دامت اكثر من عقدين ( تم التمديد للمجلس بداية لدورة اخرى بسبب تعذر إجراء الانتخابات في الضفة الغربية المحتلة ، ثم جرى تعليق وحل المجلس خلال الفترة ١٩٧٤-١٩٨٤ ، وتم إعادة المجلس المنحل في مطلع تموز ١٩٨٤ ، ومدد له سنتين واعتبر المجلس العاشر ، ثم جرت انتخابات للمجلس النيابي الحادي عشر في ٢٨/١١/١٩٨٩ في الضفة الشرقية فقط ، في أعقاب القرار الملكي بفك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية الصادر بتاريخ ٢٨/١١/١٩٨٨).
خلال عضويته في غرفة تجارة نابلس وتمثيله لمحافظة نابلس في مجلس النواب الأردني ، نشط حفظي ملحيس مع زملاىه في تنظيم مهنة التجارة والصناعة إداريا وتشريعيا ، وفي توثيق علاقات غرفة نابلس مع الغرف الرديفة في المدن الاخرى ، وشارك في اجتماعات الاتحاد العام للغرف التجارية الأردنية والاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية ، وفي اجتماعات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ، وكان من أشد المتحمسين لإنشاء السوق العربية المشتركة لإيمانه بان تنمية وتوسيع التجارة العربية البينية يشكل مدخلا رئيسا لدفع عجلة التنمية الاقتصادية في كافة البلاد العربية ولتحقيق التكامل الاقتصادي العربي الذي يؤسس للوحدة الاقتصادية .
كما أبدى اهتماما خاصا بتطوير قطاعي الصحة والتعليم في محافظة نابلس فدعا الى إنشاء المراكز الصحية والمدارس الأساسية في قرى محافظة نابلس ، والى دعم المستشفيات الحكومية وتوسيع طاقتها الاستيعابية وتطوير خدماتها وتجهيزاتها ، ونشط في السعي لإنشاء وتوسعة المدارس الحكومية وتعزيز كفاءة خدماتها التربوية والتعليمية ، ودافع بشراسة عن حقوق المعلمين الممارسين للمهنة عند إخفاقه في منع صدور مشروع قانون عن مجلس النواب الأردني عام 1966 بإنهاء خدمات المعلمين غير المتحصلين على شهادة التعليم من دور المعلمين ، والتعاقد المؤقت مع بعضهم حتى تتوفر البدائل . فبذل جهودا حثيثة لمحاولة استدراك ذلك في مجلس الأعيان ، وأعد بالتعاون مع ممثلي المعلمين المتضررين في الضفتين وعددهم بالآلاف، مذكرة تفسيرية لشرح تداعيات القرار على شريحة واسعة من المعلمين المؤهلين الذين أدوا مهنتهم التعليمية بكفاءة . وبينوا ، أيضا ، عدم أحقية سريان القرار بأثر رجعي على المعلمين المعينين ، وبضرورة حصر شرط الحصول على إجازة التعليم من دور المعلمين بالمعينين الجدد ، كما طالبوا بتوفير الفرص لتطوير كفاءة الكادر التعليمي عبر الدورات المتخصصة . ما حدى بمجلس الأعيان إلى رد مشروع القانون لمجلس النواب وتعديله بإيقاف تنفيذه بأثر رجعي . ونشط أيضا في الدعوة لتحويل كلية النجاح الوطنية إلى جامعة .
كما اهتم أيضا بتنمية وتطوير قطاع الإسكان لدعم الطبقات الوسطى والفقيرة ، وشارك في تأسيس مؤسسة الإسكان الاردنية لتحقيق ذلك .
وكممثل منتخب لمحافظة نابلس شارك في الاجتماع التأسيسي للمجلس الوطني الفلسطيني الأول الذي انعقد بمدينة القدس عام 1964 .
ورغم الصدمة والإرباك الذي أحدثه الاحتلال الاسرائيلي لبقية أجزاء وطنه عام ١٩٦٧ ، الا ان حفظي ملحيس وزملاءه في الغرفة والبلدية وأعضاء البرلمان والاتحادات الشعبية والنقابية ، كرسوا كل جهدهم للحفاظ على التماسك الوطني والمجتمعي ، وشكلوا فرقا لإغاثة المنكوبين ، ودعوا المواطنين الى التكاتف والتكافل لتعزيز الصمود الوطني والبقاء في ارض الوطن وعدم تكرار مأساة اللجوء لعام 1948 . والتعاون لتوفير موجبات الصمود الاقتصادية والاجتماعية .
ونشط في الدعوة لمقاطعة المنتجات الاسرائيلية وإعطاء الاولوية للمنتجات المحلية في تلبية الاحتياجات الاستهلاكية . وأقرن الدعوة للمقاطعة بالفعل ، فبادر إلى إغلاق محله التجاري عندما نفذت البضائع وأحكمت سلطات الاحتلال إغلاق منافذ الاستيراد المباشر أمام التجار الفلسطينيين ، واستمر إغلاق محله ثلاث سنوات متصلة ، قبل ان يعاود ابنه مروان مكرها إعادة فتحه ، عملا بقاعدة ان الضرورات تبيح المحظورات ، وباعتبار ان الصمود في أرض الوطن يمثل أولوية قصوى .
لم يأل حفظي ملحيس جهدا الا وبذله للحفاظ على العلاقات الاقتصادية والتجارية للضفة الغربية بعمقها العربي ، فوظف عضويته في الغرفة التجارية وفي مجلس النواب لتحقيق ذلك ، ومن أجل ذلك زار العديد من الدول العربية ، وشارك بفاعلية في اجتماعات مؤسسات العمل الاقتصادي العربي المشترك مطالبا بالتعاون لدعم صمود الشعب الفلسطيني ، بالإبقاء على انفتاح الأسواق العربية أمام المنتجات الوطنية الفلسطينية وخصوصا الزراعية والصناعية التي تستخدم المدخلات الوطنية لحماية استمرار البنى والهياكل الإنتاجية والاقتصادية الوطنية الفلسطينية القائمة ، ولمواجهة سياسات الاحتلال الاسراييلي الهادفة إلى قطع روابط الاقتصاد الفلسطيني بعمقه العربي وربطه وإخضاعه للاقتصاد الاسراييلي . واجتهد في استشراف وبلورة السبل والوسائل وتوفير الضمانات الضرورية ، عبر شهادات المنشأ التي تصدرها غرف التجارة والصناعة الفلسطينية وفق ضوابط صارمة ، للمواءمة المثلى بين هدف مقاطعة المنتجات الاسرائيلية ومنع تسربها للأسواق العربية ، وبين هدف استمرار انفتاح الأسواق العربية للصادرات الفلسطينية وخصوصا فوائض الانتاج الزراعي / الخضراوات والفاكهة والحمضيات والزيتون وزيت الزيتون / والمنتجات الصناعية التي تستخدم المدخلات الوطنية ، لأهمية ذلك في دعم صمود الشعب الفلسطيني وضمان بقائه في أرض وطنه .
ولم يثنه حل وتعليق المجلس النيابي عن مواصلة الجهد لخدمة مدينته نابلس وعموم شعبه الفلسطيني ، فانضم إلى عضوية اللجنة الملكية لشؤون القدس ، والى المجلس الاستشاري الأردني ، واللجنة الأردنية – الفلسطينية المشتركة .
وعلى الصعيد الخاص ساهم في منتصف سبعينيات القرن الماضي مع شقيقه رامز وابن عمه كمال في تاسيس مصنع للمنتجات البلاستيكية في مدينة الإسكندرية ، وتولى إدارته حتى العام ١٩٨٤ ، ليعود إلى الاردن بعد صدور القرار الملكي في السابع من كانون الثاني عام١٩٨٤ بدعوة مجلس الأمة التاسع المنحل للانعقاد ، ليواصل مع زملائه النواب تمثيل محافظة نابلس في المجلس ، الذي واصل عمله وجرى التمديد له مجددًا في الثاني والعشرين من تشرين الاول عام١٩٨٧ لسنتين أخريين ، واعتباره المجلس العاشر ، فاستمر حتى الثامن من تشرين الثاني١٩٨٩ ، عندما جرت أول انتخابات نيابية تقتصر على الضفة الشرقية في أعقاب صدور قرار فك الإرتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية بتاريخ ٣١/٧/١٩٨٨ .
اعتزل حفظي ملحيس العمل العام والخاص بعد تعرضه للمرض أواخر العام ١٩٨٩، ورحل عن دنيانا في مدينة عمان في الخامس والعشرين من تشرين الثاني عام١٩٩٢ .
وتقديرا لجهوده الوطنية وخدماته المتميزة ، أطلقت أمانة عمان اسم حفظي ملحيس على الشارع الذي يقع فيه منزله بحي الجاردنز في العاصمة عمان .
لحفظي وحمامة ملحيس اثني عشر ولدا ، ستة ذكور و ست إناث ، (اثنان من الأبناء المرحومين عدنان ومروان عملوا معه في التجارة ، قبل ان يهاجر عدنان الى الولايات المتحدة الامريكية عام١٩٦٩ . وتخرج غسان ونعمان من كلية الهندسة في جامعة الإسكندرية ، ووضاح من كلية الطب في صوفيا وتخصص في الطب الطبيعي والتأهيل في فرنسا وأسامة في طب الأسنان وتخصص في جراحة الوجه والفكين من كلية الطب في صوفيا ببلغاريا ،
أما الإناث فالبنت الكبرى رغد حصلت على بكالوريوس في الأدب الإنجليزي من الجامعة الأمريكية في بيروت ، وغانية على دكتوراه في السياسة والاقتصاد من جامعة صوفيا ، ونجوى على بكالوريوس محاسبة من بيروت ، وسناء تزوجت في سن مبكرة بعد التوجيهي وتفرغت للأسرة، ووفاء على بكالوريوس في الحاسوب من الجامعة الأردنية ،وبيان على بكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة اليرموك) . وله من الأحفاد ٤٦ ، نصفهم ذكور ونصفهم الآخر إناث ، أنهى ٤٢ منهم تحصيلهم الجامعي ، بعضهم حاصل على شهادات الماجستير والدكتوراه ، وما يزال أربعة منهم في مراحل الدراسة الجامعية والمدرسية .
كان حفظي ملحيس مثالا متميزا في الانتماء الوطني والقومي ، معتدا بحضارته الأصيلة الثرية بتعدد الأعراق والإثنيات وتنوع الأديان والمعتقدات ، فخورا بتفاعلها المثمر الذي تجسده فلسطين مهد الرسالات السماوية عموما ، ومدينته نابلس خصوصا ، على مر الأزمان .
كان مؤمنا بسماحة الإسلام ومرتكزاته في عدم تفريق الخالق بين أحد من رسله ، وفي المساواة بين الأعراق والأجناس والأديان والأشخاص ، وقصر المفاضلة بين الناس على السلوكيات .
كان عصاميا منفتحا واسع الأفق ، يحترم الأعراف والتقاليد لكنه ينحاز للمبادئ عند اصطدامها بالموروث السلبي منها ، يؤمن بأهمية التجديد والريادة عندما يسترشد السلوك بالقيم والقواعد الوطنية والدينية والأخلاقية ، لا يؤخذ بالمظاهر التي تميز بين الناس على أساس الانتماء الديني والاجتماعي والطبقي ، بل يولي الأولوية لجوهر الانسان وفكره وسلوكه . كان شجاعا عنيدا في الدفاع الحق مهما قل مناصريه ، قاطعا في إقران القول بالعمل .
عرف حفظي ملحيس بين اقرانه بحكمته ودماثته وحسن معشره وتواضعه واستقامته وترفعه عن الصغائر وتواضعه وابتسامته الدائمة وأناقته اللافتة . واشتهر بحرصه الدائم على مشاركة الجميع أفراحهم وأتراحهم . وكان صديقا ودودا عابرا للأجيال والأجناس والأديان والطوائف والطبقات .
وكان حفظي ملحيس مثالا للابن البار ، والزوج المحب المؤمن بالشراكة الكاملة مع رفيقة دربه ، والأب الحنون العصري الذي يرشد ويوجه ولا يتحكم بخيارات أبنائه. ولا يفرق في قواعد التربية وإتاحة الفرص والمعاملة بين الذكور والإناث ، فعندما واجهت ابنته الكبرى رغد خطر انقطاعها عن الجامعة بعد إنهائها السنة الأولى في كلية بير زيت واحتمال إغلاقها في أعقاب الاحتلال عام 1967 ، شجعها على استعجال السفر قبل إغلاق المنافذ الحدودية لاستكمال دراستها في الجامعة الامريكية ببيروت ، ولم تثنه مخاطر تكرار انقطاع التواصل كما حدث مع فلسطينيي العام 1948 . فقد كان شديد الإيمان بان الأبوة مسؤولية ، وان العلم أفضل سلاح لتمكين الأبناء من مواجهة تحديات الحياة . فغالب دموعه التي غلبته وهو يودع ابنته الأثيرة الكبرى رغد ، بعد نحو ثلاثة أسابيع من الاحتلال ، واثقا بصواب تفوق قرار العقل على العاطفة .
رحم الله الأب المثالي والإنسان النموذج وأسكنه فسيح جناته