ليس أصعب على النفس من الحديث عن غياب الصديقة المتميزة راوية الشوا ، فحضورها في حياتنا ما يزال طاغيا رغم مرور عام على رحيلها، وطلتها الفرحة والبسمة التي لم تفارقها حتى في أحلك اللحظات تدفعك للاعتقاد بأنها على سفر سيعقبه لقاء قريب .
راوية … النموذج المتفرد للسيدة الارستقراطية سليلة العائلة الوطنية العريقة ، العاشقة للحياة والحالمة بعيشها في وطن سيد حر تضافر الكون على اغتياله واقتلاع أهله من ديارهم وتشتيتهم في بقاع الأرض .
لم يغرها تعدد الخيارات أمامها ، ورغم كونها الأنثى في أسرة متعددة الذكور ، ورغم مسؤولياتها الأسرية الكبيرة كزوجة شريكة وسيدة أعمال وأم لأربع فتيات . لم تعف نفسها من مسؤولية ممارسة المواطنة الحقة ، فآثرت العودة مع أسرتها من الكويت في عز الفورة النفطية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي إلى قطاع غزة ، والبقاء مع أبناء شعبها في القطاع الأسير .
واكتسبت مقدرة والدها الزعيم الوطني رشاد الشوا على المواءمة المثلى بين متطلبات القيادة والالتحام العضوي بالجماهير ، والسعي ما أمكن لتعزيز صمودهم وتقوية مناعتهم وتأمين احتياجاتهم والدفاع عن حقوقهم محليا وخارجيا . وتحملت بعد رحيله مسؤولية الحفاظ على إرثه الثري قيادة وعطاء .
راوية الإنسانة المتميزة ، اختزال فريد لمجموعة نساء متميزات في امرأة واحدة ، الزوجة الشريكة ، والأم الحاضرة والمسؤؤولة ، وسيدة الأعمال الناجحة ، وسيدة المجتمع الأنيقة المرموقة ، والمثقفة المنتمية لوطنها وشعبها الواعية لوحدة وتداخل قضايا الحرية والتحرّر واتّصال جوانبها الوطنيّة بأبعادها كافّة ، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، وصاحبة الرأي والمواقف السياسية الشجاعة ، المجاهرة بالحق بجرأة لافتة عصية على الخضوع والتطويع .
نذرت حياتها للقضية الفلسطينية ، وتبنت قضايا الفقراء والدفاع عن المظلومين . وجعلت الكتابة الصحفية والكلمة الحرة المسؤولة أداة للتعبير والتوعية بالأخطاء والمخاطر .
آمنت بأن المسؤولية تكليف لا تشريف ، فتصدت لتحملها وخاضت الانتخابات لعضوية المجلس التشريعي كمرشحة مستقلة ، وراهنت على ما راكمنه من رصيد وطني وشعبي وكسبت الرهان مرتين متتاليتين . وعاشت مع شعبها المناضل الصامد كل حروبه . وعندما كنا نهاتفها للاطمئنان عليها ، وخصوصا عندما طالعتنا صور منزلها الجميل المدمر. الذي حرصت على تصميم كل زاوية فيه وشكل تحفة فنية ومعمارية لم تهنأ بها بعد . جاء صوتها الحزين على الخسائر الجمعية
لأهل القطاع ، وحرصت على أن تشد أزرنا لدرجة أنستنا من منا تحت القصف
وبقيت على يقينها بحتمية تفوق قوة الحق على حق القوة ، متمسكة بالبقاء ، مخلصة للمبادئ والقضايا التي آمنت بها ، وواصلت التصدي بصلابة للفساد والفاسدين ، واستمر انحيازها للوطن والحرية وحقوق المواطنين ، وأدارت خلافاتها بوعي ورقي ، ما أكسبها احترام الخصوم والأصدقاء على السواء .
راوية الشوا ، قامة وطنية ، وقيمة ثقافية واجتماعية كبيرة ، وتجسيدا للكبرياء الفلسطيني ، شكلت على الدوام قاسما وطنيا مشتركا أعلى ، وحظيت باحترام الأطياف السياسية كافة ، وتمتعت بمصداقية عالية ، وكسبت ثقة الأجيال المخضرمة والفتية ، والفقراء والأغنياء على السواء .
لروحها الرحمة والسكينة ، وستبقى ذكراها العطرة ومسيرتها الثرية علامة فارقة ، ومصدر إلهام للأجيال الفلسطينية المتتابعة .