كل الأسئلة المطروحة من قبل الكتاب والمثقفين والنشطاء الفلسطينيين حول انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني غدا هواجس تراود كل فلسطيني في الوطن والشتات ، وتثير مخاوف جدية يفرضها المكان الذي يعقد فيه المجلس وغموض البرامج وطرق التحضير وإجراءاته وحالة الانقسام والتردي الذي تعيشه الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بكل مكوناتها الفصائلية وأطرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنقابية الخ…
لكننا ، أيضا ، يجب أن نقر أننا أمام مأزق حقيقي ربما الأخطر منذ النكبة الاولى ، وأننا جميعا نعيش حالة جمود يحصرنا في دائرة الشلل الذي يقتصر على الاعتراض دون التطور إلى فعل جدي مؤثر يحول دون انقطاع المراحل من جهة ، ويمنع من جهة أخرى استمرار التكلس في مرحلة العجز الذي استدام كثيرا ما بات يهدد جديا بالانقطاع ، وتقويض المنجزات المهمة التي أحرزها شعبنا الفلسطيني داخل الوطن وفِي الشتات بتضحياتهم الجسيمة طوال ستة عقود .
ولأن النقد الذاتي استحقاق ضروري للبدء في التغيير ، فلا بد أن نشير أولا إلى قصورنا الكبير نحن النخب ، الذين سبق ونجحنا في منع انعقاد المجلس الوطني لذات الأسباب التي نسوقها الان ، دون أن نبذل جهدا جديا في الإعداد للمجلس المرغوب الذي يشكل انعقاده استحقاقا وطنيا ضروريا لحماية الوجود الفلسطيني داخل الوطن وفي ومخيمات الشتات على السواء ، وللحفاظ على التماسك المجتمعي ، ولحماية وحدة الهوية الوطنية، والحفاظ على التماثل بين الشعب والقضية والوطن ، عبر برنامج وطني تحرري جامع وتجديد شرعية أطره التمثيلية الفلسطينية الجامعة على كافة المستويات .
ومع اقتناعي أن الوضع القائم لا يبشر بأننا جميعا قد بلغنا النضج الكافي لإنجاز المطلوب منا ، وأننا جميعا في مأزق حقيقي ، من يغامر منا بالمضي في المجهول ، ومن يعترض منا ولا يقدم البدائل الحقيقية للحفاظ على المكتسبات ودرء المخاطر .
عندما وقعت البيان الماضي مع المئات للضغط من أجل تأجيل انعقاد دورة المجلس الوطني في السابق لذات التحفظات القائمة على انعقاده حاليا ، وجدت في التأجيل انجازا يفتح الباب للتغيير والإعداد الجدي للمجلس المستحق .
لكنني الان ، وبعد مرور الوقت دون أي فعل جدي للتغيير ، وتقصير كبير في توفير موجباته ، فإننا نتحمّل مسوولية مضاعفة عن الشلل كضاغطين من اجل التأجيل ، إذ لا نستطيع تحصين أنفسنا بمواصلة الاعتراض رغم وجاهة الأسباب . حيث صناعة التغيير لا تنحصر بتسجيل المواقف ، وإنما أساسا بإعادة التفكير في منهج العمل منطلقين من مجموعة من الحقائق أبرزها :-
– أولا : أن الحفاظ على الإطار الفلسطيني الجامع / منظمة التحرير الفلسطينية / الوطن المعنوي لكل الفلسطينيين في غياب إمكانية تحقيق المواطنة الكاملة في الوطن القابع تحت استعمار استيطاني إجلائي – إحلالي تحالفت القوى الدولية المتنفذة على استمرار تغييبه ، يفترض أن يشكل الأولوية الأولى ، ما يعني ضرورة الحفاظ على القوة التمثيلية لهذا الإطار الجامع، التي تقتضي توفر النصاب في الأطر القيادية كاللجنة التنفيذية ، الذي بات مهددا بشكل جدي.
ثانيا : أن الوطن / معنويا كما في حالة منظمة التحرير الفلسطينية، أم حقيقيا كما هو حال سائر الأوطان/كيان مستقل بذاته عن النظام السياسي الذي يحكمه ، وأن السعي لتغيير النظام لايجب أن يهدد بتقويض سلامة الوطن .
ثالثا : أن أنظمة الحكم في دول العالم الثالث عموما ، وفِي بلادنا العربية المنكوبة بقادتها خصوصا ، تحاول التماهي مع الوطن الى درجة التوحد لضمان هيمنتها وبقائها في السلطة، ورفع كلفة تغييرها إلى درجة تهدد وحدة الوطن والشعب والمستقبل .
وقد نجحت الأنظمة التي تولت الحكم في بلادنا بإقناع الغالبية الساحقة بأن تغيير النظام يتهدد. الدولة والشعب والوطن ، ما أدى الى اغتراب الشعوب في أوطانها ، وأقصى غالبية الجماهير عن دائرة الفعل والتأثير في صنع مستقبلها وتقرير مصيرها . ولعل هذا هو السبب الرئيس في نكوص الربيع العربي ، فعندما ثار ت الشعوب على الأنظمة وأرادت تغييرها سلميا ، لم تتورع الأنظمة عن ربط مصير الوطن والشعب بمصيرها ، وفتحت الباب أمام القوى الخارجية الطامعة التي التقطت الفرصة لهدم الأوطان وتشريد الشعوب مع استبدال الأنظمة باخرى ربما أكثر خنوعا.
وعليه ، فان الشعب الفلسطيني يفترض به أن يكون يقظا عند ممارسة حقه في محاسبة نظامه وتغييره ، بالفصل التام بينه وبين الإطار المؤسسي الجامع / منظمة التحرير الفلسطينية/ بالحفاظ عليها كوطن معنوي جامع وتطويرها وتجديد شرعيتها .
فمنظمة التحرير إطار تمثيلي جامع قبل فتح والفصائل وحماس ، ويفترض بها أن تبقى وطنا معنويا لجميع أبناء الشعب الفلسطيني إلى حين تحرير الوطن الفلسطيني من الاستعمار الصهيوني وبلوغ الحرية والعودة وتقرير المصير
رابعا : أن الحفاظ على الآلية الديموقراطية النظامية ، وليس الاستثنايية ، لتجديد شرعية الأطر القيادية ينطوي على أهمية قصوى ، لأن مواصلة استخدام المواد الاستثنائية المتاحة نظاميا لاستكمال عضوية اللجنة التنفيذية ينطوي على خطورة لأنه يجعل العضوية لا تنتهي الا بالوفاة ، ولأنه يتيح الفرصة لاصحاب المصالح في الفصائل التوافق فيما بينهم على تجديد شرعياتهم بأنفسهم ، وهو الأمر الذي أدى إلى انحسار الفصائل كافة ، وانفضاض الجماهير من حولها ، ولم يعد خافيا على أحد ان غالبية الفصائل الفلسطينية بلا قواعد جماهيرية وازنة تبرر وجودها في الأطر القيادية الفلسطينية.
خانسا : أن أي أشخاص قد يصلون الى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، رغم أهمية معيار الأهلية الوطنية والكفاءة السياسية والمهنية والنزاهة ، يجب أن لا يحظوا بذات القدر الاهتمام والأولوية التي يستدعيها بناء وتطوير الأطر المؤسسية .
فتجديد القيادة المفترض إنجازه دوريا بمعايير كفاءة الاداء وانجاز الأهداف بالسرعة والكلفة المناسبة وطنيا
فيما بناء الأطر والمؤسسات التمثيلية الفلسطينية واكتسابها شرعية وطنية وعربية وإقليمية ودولية ، عملية تاريخية طويلة ومعقدة ومكلفة سياسيا وبشريا في ضوء التآمر الكوني على فلسطين وطنا وشعبا ومحاولة استبدالهما بدولة استعمارية استيطانية وظيفية ، ويحتاج إلى تضحيات جسيمة وتوفر ظروف محلية وعربية وإقليمية ودولية مواتية .
سادسا : الانطلاق من حقيقة أن الجديد يولد من رحم القديم ، إلا أنه ليس تكرارا له ، وإنما. ترتهن ملامحه بمجموعة من الاعتبارات والظروف الذاتية والموضوعية .
والانطلاق ايضا من أن صراعا حتميا بين القديم المتمسك بالبقاء والجديد المتحفز لاستعجال المخاض ، لا يغير من حقيقة اتجاه حركة التاريخ لصالح الجديد .
سابعا : الثقة بأن الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده هو الوحيد صاحب الولاية في منح الشرعية لقادته ، وهي شرعية مشروطة بإنجازات ترتبط بالمشروع الوطني التحرري ، ومحدودة زمنيا رغم طول بعضها .
وعليه ، لا يجب الفزع ، فعلى امتداد أكثر من قرن من الصراع مع المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني الاستيطاني العنصري ، أثبت الشعب الفلسطيني قدرته على ممارسة ولايته في تفويض القادة الذين يعتقد بأهليتهم في قيادة المرحلة ، وفِي سحبها منهم عندما يعجزون .
وكانت الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني في الحرية والعودة وتقرير المصير على الدوام بوصلته في منح التفويض او سحبه . وكان قادرًا على منح الفرص والحكم على النتائج في مدى القدرة على الاقتراب من بلوغ الحقوق او تهديدها .
وأخيرا وليس آخراً ، أن الصراعات الوجودية كالصراع العربي- الصهيوني الذي يعتقد البعض بإمكانية تسويته وإنهائه ، يبقى متعذرا ما لم يتم هزيمة الصهيونية باعتبارها نقيض وجودي لفلسطين وشعبها .
أخلص مما سبق إلى القول بأن انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني مما يحيط به من محاذير ومخاوف جدية تتعلق بمكان الانعقاد والتوافقات بين أصحاب المصالح ومراكز القوى ، لا يقل خطورة عن عدم انعقاده ، الذي يهدد شرعية المنظمة وينذر بانقطاع المراحل ، ما يهدد بتقويض جل ما حققته الحركة الوطنية الفلسطينية من منجزات يتوجب حمايتها ، وأهمها الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية كإطار رسمي تمثيلي جامع معترف به فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا .
وأن أي تخوف من اتفاق لتمرير صفقة لا يقبلها الشعب الفلسطيني وارد ، لكن يتوجب الثقة بأنها لن تمر وإنما سترفع كلفة إسقاطه ، والمثال الأقرب هو اتفاق أيار عام ١٩٨٣لبنان الذي وقعه الرئيس اللبناني أمين جميل تحت الضغط الإسرائيلي -الأمريكي
وعليه ، يتوجب الحذر واليقظة والحرص على ان يكون انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني فرصة للنهوض وليس فخا للسقوط .