تملكتني الحيرة كمعظم الفلسطينيين حول ما قصده رئيس الحكومة رامي الحمد الله بتصريحه “إن الحكومة صرفت في الـ 10 سنوات الأخيرة من الخزينة على القطاع ما يقارب 17 مليار دولار” ودون ان يُبين الأهمية النسبية لهذا الإنفاق من مجمل الإنفاق العام الفلسطيني خلال نفس الفترة.
هل يا ترى يعني بقوله ان ذلك كثيرا ام اننا قمنا بواجبنا ولم نعد نقوى على المزيد؟
اليس هذا استحقاق واجب لقطاع غزة الذي دفع أكثر من الجميع على امتداد تاريخ الصراع الثمن الأكبر لمقاومة الغزوة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية الإجلائية – الإحلالية واحتضن اللاجئين إليه من ابناء شعبه بإعداد تفوق ضعفي عدد سكانه؟ وواصل الحفاظ على وحدة الهوية والقضية؟
فما الغريب في تخصيص ٤٠٪ من موازنة السلطة لنحو ٤٠٪ من السكان الذين تجاهر السلطة بتمثيلهم؟
وما صلة تنفيذ استحقاق قطاع غزة من الإنفاق العام الفلسطيني الذي يقطنه أكثر من ٢ مليون فلسطيني بالاقتطاعات التعسفية من رواتب موظفيها العموميين حصريا، الذين أمروا رسميا بالاستنكاف عن العمل خلال العقد المنصرم؟
لماذا يقحم موظفو الخدمة المدنية في قطاع غزة في الصراع بين طرفي النظام السياسي الفلسطيني؟ ولماذا يعاقبون وحدهم على عجز الكل الفلسطيني عن الارتقاء الى مستوى المسؤولية التاريخية في لحظة سياسية فارقة تستهدف فيها وحدة الوطن والشعب والقضية؟
لماذا يحمل موظفو الخدمة المدنية من قطاع غزة وحدهم (الاقتطاعات شملت ايضا موظفين من قطاع غزة يمارسون عملهم في الضفة الغربية) مسؤولية تمويل عجز الموازنة العامة؟
ولماذا أصلا يصنف العاملون الفلسطينيون في الوظيفة العمومية على أساس مسقط رأسهم؟
تصريح رئيس الحكومة يفتح الباب لتساؤلات مشروعة تحتاج منه الى اجابات واضحة: –
أولى هذه التساؤلات: كيف يتم توجيه الإنفاق العام الفلسطيني وما هي أولوياته؟
أليس الإنفاق العام اداة لتقليص التفاوت التنموي الجهوي والمناطقية والطبقي؟
وإذا كان كذلك بالنسبة للحكومة الفلسطينية، الم تظهر الإحصاءات الرسمية الفلسطينية ان قطاع غزة هو الأكثر اكتظاظا بالسكان في العالم والأقل نموا والأعلى بطالة والأشد فقرا من ساير المناطق الفلسطينية؟
ما يقتضي تخصيص النسبة الأكبر من الإنفاق العام فيه لعبور الفجوة الواسعة – القائمة قبل اختطاف القطاع وانقسام النظام السياسي وتفاقمت بشدة بعده – ما يستدعي رعاية أكبر
وثاني هذه التساؤلات: أليس النظام الضريبي اداة لإعادة توزيع الدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية؟ وإذا كان كذلك، فهل رواتب الموظفين الذين تعرضوا للاقتطاعات اعلى من مثيلاتها لباقي الموظفين؟
ثم الا تقتطع الحكومة ضريبة دخل الموظفين من المصدر؟ اي ان المعاقبين بالاقتطاعات لم يتهربوا من الوفاء بالتزاماتهم القانونية، فلماذا إذن تتم معاقبتهم؟
اما التساؤل الثالث فيتصل بما إذا كان رئيس الحكومة يحاول إبلاغنا بأننا ربما مقبلون على طلاق باين غير رجعي بين طرفي النظام السياسي الفلسطيني ما يستوجب الحساب، حتى بعد ان قبلت حركة حماس الدخول الى بيت الطاعة وتنازلت عن الحق الفلسطيني في٧٨٪ من ارض الوطن ووافقت على دولة فلسطينية في نحو خمسه، وحتى بافتراض ذلك، فهل يجوز ان يعاقب ابناء الشعب الفلسطيني المحتجزون قسرا لديها؟
ورابع التساؤلات يتصل بما إذا كان تزامن الإجراءات العقابية الفئوية لأبناء قطاع غزة عن ذنب اقترفوه التزاما بتعليمات رسمية موثقة لمعاقبيهم، يأتي مصادفة مع المحاولات الجارية لحل الصراع “الفلسطيني – الإسرائيلي” في إطار عملية كبرى لإعادة تشكيل خريطة المنطقة جغرافيا وديموغرافيا بما يلغي هويتها الحضارية الجامعة ويستعيض عنها بهويات عرقية وإثنية ودينية وطائفية ومذهبية تكرس الكيان الاستعماري الغربي الاستيطاني الصهيوني العنصري في فلسطين وتضمن هيمنته؟
سيدي رئيس الحكومة، قطاع غزة هو المحافظة الفلسطينية الجنوبية للدولة الفلسطينية التي تستهدفون أقامتها على خمس مساحة الوطن، والانفاق عليه استحقاق يتوجب الوفاء به، وهو بالغ الضالة قياسا باحتياجاته الهائلة، وفِي المتناول من الموارد الفلسطينية المتاحة عند اعادة ترتيب الاولويات وفقا لمقتضيات المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.