مقدمة
بعد مضي نحو ثمانية عشر عام على إنشاء معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني- ماس .
ما يزال المعهد يواجه ذات الأسئلة المتعلقة بالهوية والدور والاستدامة .
ويعود ذلك باعتقادي الى جملة من الاعتبارات يمكن تلخيص أهمها بما يلي :
* نشاة المعهد في إطار عملية التسوية السياسية ، والالتباس الناجم عن ذلك في هوية المعهد ورسالته وطبيعة مهامه . وتعمق هذا الالتباس في ضوء تطورات عملية التسوية السياسية من جهة ، وفي ضوء تطورات النظام السياسي الفلسطيني الناشئ في إطارها من جهة أخرى
* ضعف الطلب الفلسطيني على أبحاث السياسات الاقتصادية بسبب حداثة تجربة الحكم الذاتي الفلسطيني ، وطغيان السياسة على الإدارة .
* ضعف الصلة بين المعرفة المتخصصة وبين عملية صنع القرار الفلسطيني ، بسبب ضعف ثقافة المساءلة والمحاسبة في بيئة العمل الفلسطيني وعدم تجذرها ، وتعطل آلياتها منذ انقسام النظام السياسي الفلسطيني عام 2007 .
* حساسية الدور الوظيفي للمعهد للتمويل ، بسبب الاعتماد على التمويل الخارجي من جهة ، والافتقار إلى موارد مالية مستقرة وكافية ومنتظمة من جهة ثانية، وارتباط التمويل المتاح من المانحين بمشاريع بحثية محددة ، وليس بالموازنة العامة للمعهد من جهة اخرى .
* حساسية أداء المعهد للتغيرات في النظام السياسي الفلسطيني .
* تأثر البنية التنظيمية والوظيفية للمعهد بالتغيرات الادارية.
* محدودية التراكم المعرفي المتخصص لدى المعهد ، بسبب الانتشار الافقي للأبحاث ، وسرعة د وران الكادر البحثي المنتظم .
ويمكن تمييز ثلاثة مراحل رئيسة في تطور المعهد :-
المرحلة الأولى : مرحلة النشأة (أيلول / سبتمبر / 1994 – النصف الأول من 1997 )
نشا المعهد في إطار عملية التسوية السياسية الفلسطينية – الاسرائيلية التي أسفرت عن توقيع اتفاق إعلان المبادىء الفلسطيني – الاسرائيلي حول الحكم الذاتي الانتقالي عام 1993 ، عندما كان مكتب الطواقم الفنية والاستشارية المرتبط بالفريق الفلسطيني لمؤتمر السلام منهمكاً في التحضير للانتقال إلى مرحلة الحكم الذاتي . بمعنى ان إنشاء المعهد جاء استجابة للحاجة إلى معهد أبحاث ينخرط في إنتاج الأبحاث الاقتصادية التطبيقية ، ويطلع بمهمة توفير تحليلات علمية للسياسات والاستراتيجيات ذات الأهمية الخاصة لتنمية الاقتصاد الفلسطيني ، (1) في اطار أفق تنظمه عملية التسوية السياسية التفاوضية ، وترسم معالمها الاتفاقات التعاقدية الناجمة عنها كاتفاق باريس (البروتوكول
الاقتصادي ) .
كما أن قرار إنشائه كان يفترض صدوره عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كما ورد في النسخة الأولى من النظام الأساسي الذي أنشئ على أساسه المعهد في ايلول \سبتمبر\ 1994(2) مترافقا مع قراراتها بإنشاء العديد من المؤسسات الفلسطينية الرسمية (سلطة الحكم الذاتي ) ، والمؤسسات المتخصصة الاخرى التي لها صفة مؤسسات الدولة . بمعنى أنها مؤسسات عامة لكنها ليست حكومية ، وتتمتع باستقلال إداري ومالي كامل (3)، حرصا على موضوعية دورها المهني مثل( الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني ، وماس ، والمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية واعادة الإعمار / بكدار / ) ، المفترض بهم الاطلاع بمهام تخصصية محددة .
ولم يأت صدور قرار إنشاء معهد ماس عن رئيس مجلس المحافظين في بكدار ، نيابة عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية – كما ورد في قرار إنشاء المعهد – مصادفة ، فقد يكون ذلك للتأكيد على وظيفة المعهد المتصلة باحتياجات عملية التسوية السياسية خلال مرحلة الحكم الذاتي، والإعداد للمفاوضات الاقتصادية الخاصة بالوضع الدائم . ولإزالة اي التباس قد ينشأ بشان علاقته بمنظمة التحرير الفلسطينية ، كإطار تمثيلي فلسطيني جامع تحكمه أهداف ومواثيق مغايرة .
وأسندت إدارة المعهد للدكتور نبيل قسيس ، وحددت رسالة المعهد بدعم صانعي السياسات الفلسطينية والمؤسسات والمنظمات التي تعمل في مجال التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار ، من خلال توفير خيارات السياسات والاستراتيجيات المدروسة بعمق ، والتي من شأنها تعزيز عملية صنع القرار الفلسطيني خلال المرحلة الانتقالية والتأسيس للحل النهائي (4 ).
كما حددت أهداف المعهد على النحو التالي : (5)
أ. إنتاج البحوث التحليلية ذات النوعية المتميزة حول بدائل وخيارات السياسات الاقتصادية التي من شأنها تحسين عملية اتخاذ القرار لدى صانعي القرار الفلسطيني .
ب. تزويد المعنيين بالتحليل والمشورة المتخصصة حول أوجه السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية القصيرة والبعيدة المدى.
ج. العمل كحلقة وصل بين البحث الأكاديمي والسياسات العامة ، وكمنبر للنقاش العام حول
قضايا السياسات الاقتصادية ، من خلال نشر نتائج البحوث ووسائل أخرى.
د. اجتذاب الفلسطينيين المؤهلين وغيرهم من الاقتصاديين وعلماء الاجتماع العرب والأجانب للبحث في قضايا التنمية الاقتصادية في فلسطين.
وتم توفير التمويل لإنشاء المعهد وتمويل أنشطته البحثية الأولى بشكل رئيس من صندوق المعونة الفنية الذي أنشأه المانحون لدى المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية وإعادة الاعمار / بكدار / بإشراف البنك الدولي ، ومن بعض المنح المباشرة المتأتية من معهد التنمية الاقتصادية لدى البنك الدولي ،الاتحاد الاوروبي ، الصندوق الكندي ، مركز بحوث التنمية الاقتصادية الكندي ، مؤسسة فورد الامريكية، وكالةالتعاون والتنمية النرويجية، الوكالة السويدية للتنمية الدولية ، مؤسسة فريدريش ايبرت الالمانية، وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي . (6)
وحدد المعهد برنامج الأبحاث الذي تم تصميمه لكي يعالج عدداً من قضايا السياسات البالغة الأهمية على المدى القصير والمتوسط من المرحلة الانتقالية، وبحيث تُستخدم أوراق البحث الناتجة في بلورة السياسات ، كما ينتِج تحاليل للخيارات التي من الممكن استخدامها في المفاوضات الاقتصادية الجارية ، آنذاك ، وفي مفاوضات الوضع الدائم لاحقاً (7) .
وتم التركيز على أربعة مجالات بحثية هي:
سياسات التجارة
سياسات المالية العامة
السياسات النقدية
سياسات العمل والموارد البشرية
مع إبقاء المجال مفتوحاً لمواضيع أخرى ، إذا برزت الحاجة إليها أثناء المرحلة الانتقالية .
وكان اختيار مواضيع البحث في ذلك الوقت مرتكزاً إلى حقيقة أن الجهات المستفيدة في السلطة لا تعرف بعد ما الذي ستحتاجه، وبالتالي كانت الأبحاث جميعها استباقية لتحديد الحاجة من منطلق توقع فريق أخصّائيي “ماس” ، بما ستحتاج إليه المؤسسات الرسمية المستحدثة في اطار السلطة الفلسطينية الناشئة من عون فني (8)
لم يواجه المعهد في تلك المرحلة المبكرة من إنشائه مشكلات تتعلق بهويته ورسالته وأهدافه وتمويله . فباستثناء الجدل في مجلس الأمناء حول صفة التسجيل القانونية للمعهد في القدس ، ولاحقا في مناطق السلطة الفلسطينية ، وحرص الأعضاء المؤسسين على الاستقلالية الكاملة للمعهد عن السلطة الفلسطينية ، والبحث عن مخارج عدة في ظل القصور القانوني الناجم عن خصوصية المرحلة الانتقالية ، والافتقار إلى قوانين تنظم أوضاع المؤسسات المماثلة للمعهد (9).
فقد توفر للمعهد خلال الفترة الأولى منذ تأسيسه في العام 1994 وحتى النصف الأول من العام 1997 تمويل كاف لانشطته (10) ، فاق حتى قدرته الاستيعابية ، آنذاك، ما حدا بمجلس الأمناء إلى استخدام الفائض المالي المتاح كنواة لوقفية أنشأها في مطلع العام 1997 (11) .
كما تمكن المعهد خلال تلك المرحلة ، أيضا ، من استقطاب كفاءات بحثية فلسطينية ودولية مرموقة . وحدد أولوياته البحثية بوضوح ، كما حدد أطر الدراسات البحثية في برامج العمل التنفيذية ، وأصدر مجموعة من الأبحاث وأوراق النقاش ، يتصل معظمها باستشراف بدائل السياسات الاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية ، وخيارات تنظيم العلاقات الاقتصادية الفلسطينية – الاسرائيلية في مجالات التجارة والعمل والمال والنقد في ضوء بروتوكول باريس الاقتصادي . إضافة إلى أبحاث تتعلق بمشكلات الفقر والتنمية في ظل محددات المرحلة الانتقالية ، وبعض القراءات التحليلية الأولية للنشرات الإحصائية التي بدأ الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني بإصدارها تباعا . إلى جانب تقارير المراقبة نصف السنوية حول الأداء الاقتصادي الفلسطيني.
واتسم أداء المعهد خلال تلك المرحلة بالمهنية العلمية والجودة العالية وأكسبه ذلك تميزا وثقة ومصداقية على الصعيدين الفلسطيني والدولي .
المرحلة الثانية : ( النصف الثاني من العام 1997 – مطلع العام 2005 )
شهد المعهد خلال هذه المرحلة تغييرات مهمة على صعيد السياسة ترافقت مع تغيير على صعيد الإدارة بعد شغور موقع المدير العام الذي تولى مسؤولية وزارية في السلطة . ما اقتضى إسناد مجلس الأمناء إدارة المعهد إلى د . غانية ملحيس في اكتوبر 1998 ، التي استمرت في إدارة المعهد حتى مطلع نيسان 2004 ، موعد انتهاء الفترتين القانونيتين المنصوص عليهما كحد أقصى للمدير العام في النظام الداخلي المعتمد للمعهد ،
وكانت عملية التسوية السياسية ، قد بدأت تشهد تعثرا مع اغتيال اليمين الاسرائيلي لرئيس الوزراء الاسرائيلي إسحق رابين في أواخر العام 1995 ، وما اعقبه من نجاح اليمين الاسرائيلي المتطرف في الانتخابات التي اعقبت عملية الاغتيال وتوليه السلطة في اسرائيل في منتصف العام 1996 ، والتوقف عن تنفيذ الالتزامات التعاقدية والوفاء باستحقاقات عملية التسوية السياسية
وتسريع الانشطة الاستيطانية ما أدى إلى احتداد التوتر في العلاقات الفلسطينية – الاسرائيلية الذي بلغ اوجه في انتفاضة النفق في أيلول / سبتمبر / العام 1996 ، ردا على تصعيد السياسات العدوانية الاسرائيلية واحكام الحصار الاسرائيلي وفرض الإغلاق الداخلي والخارجي على الفلسطينيين ، وتقييد حركة الاشخاص والسلع . وصولا إلى اتضاح حقيقة انسداد آفاق التسوية السياسية بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد حول الوضع النهائي ، واندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول /سبتمبر / العام 2000 اثر اقتحام شارون للمسجد الأقصى ، وتصعيد العدوان العسكري الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني ، وإعادة اجتياح مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني في مطلع العام 2002 ، وبذلك إلغاء الالتزامات الاسرائيلية في اتفاق التسوية السياسية مع الإبقاء على السلطة الفلسطينية وإلزامها بالوفاء بالاستحقاقات أحادية الجانب ، وتداعيات ذلك على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية ، وتدهور الظروف المعيشية وتفاقم ظاهرتي الفقر والبطالة الفلسطينية بشكل غير مسبوق .
وادى ذلك إلى حدوث تغيير جوهري في دور المانحين الدوليين وأولوياتهم ، وتحولهم من الهدف المعلن للتمويل ” للاستثمار في السلام ” عبر بناء مرتكزاته المادية والمؤسسية وتحسين الظروف المعيشية للسكان الفلسطينيين – لكسب التأييد الشعبي لاتفاقات التسوية -.
إلى توفير التمويل الدولي للحفاظ على استمرار عملية التسوية السياسية ومنع انهيارها ، خصوصا بعد أن ازداد التشكك الشعبي الفلسطيني بجدواها .
فعمد المانحون الدوليون إلى إعادة توجيه موارد العون لتخفيف وطأة السياسات والممارسات الاسرائيلية عوضا عن تمويل الاحتياجات التنموية الفلسطينية ، وعوضا عن الضغط على اسرائيل لوقف سياساتها واجراءاتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني ، أولى المانحون الاهتمام في تقديم العون المالي للشعب الفلسطيني لتعويض بعض الأضرار الناجمة عن الحصار والإغلاق الاسرائيلي ، وأعطوا الأولوية لتقديم المساعدات الاجتماعية والإغاثية وتمويل برامج التشغيل الطارئ ، ولتغطية العجز في الموازنة . وتراجع التمويل الدولي للمشاريع ذات الطابع التنموي عموما ، ولتمويل الأنشطة البحثية خصوصا .
و يمكن تلخيص أهم المشكلات والتحديات التي واجهها المعهد خلال تلك المرحلة بما يلي :-
اولا : انخفاض حاد في حجم التمويل الدولي للمعهد . فقد انخفض حجم التمويل المقدم للمعهد من نحو 700.000$ في العام 1995، وحوالي مليون دولار في العام 1996 ، الى أقل من 300.000$ في العام 1997 وحوالي 325.000$ في العام 1998 ( 12) .
وعجز المعهد نتيجة لذلك عن تغطية نفقاته التشغيلية ، رغم انخفاضها عن الموازنة التقديرية المخفضة ، وانخفاض النفقات الفعلية بشكل متتال من 704.664 $ العام 1996 الى638.410$ في العام 1997والى 528.152$في العام 1998 .(13) ما اضطر مجلس الامناء في اجتماعه السابع في تشرين الأول\اكتوبر \ العام 1998 إلى سحب معظم الوقفية التي أنشأها لتغطية جزء من العجز التشغيلي(14) .
وترافق تراجع التمويل الدولي للمؤسسات الفلسطينية مع تنامي المشروطية السياسية للممولين ، بما في ذلك التمويل الذي تقدمه المؤسسات الدولية غير الحكومية ، خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 ، وتعميم صفة الارهاب على التصدي الفلسطيني للممارسات العدوانية لسلطات الاحتلال الاسرائيلي . ما زاد من المصاعب التمويلية للمعهد .
فمنذ العام 2000 ، كان عديد المانحين الدوليين قد توقفوا كليا عن تقديم التمويل للمعهد ، مثل الاتحاد الأوروبي ،المؤسسة السويدية للتعاون الدولي ،أميد ايست ، البنك الدولي ، الصندوق الكندي ، والوكالة النرويجية للتعاون والتنمية .
وفي مطلع العام 2002 ، بدأت كافة المؤسسات الامريكيه ، بما في ذلك المؤسسات غير الحكومية ، وبعض المؤسسات الغربية تشترط لاسهامها في تمويل المؤسسات الفلسطينية ، توقيع الجهات المستفيدة على وثائق تحظر التعامل مع أي جهة او أفراد ينتمون إلى جهات تدرجها الإدارة الامريكية – لأسباب سياسية – على قوائم الجهات المحظورة بتهمة الارهاب .
ثانيا : انتهاء تفرغ الكفاءات البحثية المؤهلة التي سبق أن قدمت من الخارج للعمل في المعهد ، وعودتهم لمواقع عملهم في الخارج . ورغم استمرار تواصل بعضهم مع المعهد ، الا أن انتهاء تفرغهم قد أفقد المعهد ، بالإضافة لانتاجهم البحثي الذي يتيحه تفرغهم ، فرصة التفاعل الضروري بين الكفاءات البحثية الوافدة وما تمتلكه من معارف نظرية اكتسبتها عبر مواقعها في المؤسسات الأكاديمية الأجنبية المرموقة ، وبين الكفاءات البحثية المحلية التي لا توازيها في التكوين الأكاديمي والخبرة البحثية ، لكنها تتفوق عليها بالمعرفة الدقيقة بالواقع .
وخسر المعهد بذلك فرصة حقيقية لتطوير قدراته البحثية النوعية في مجال البحث التطبيقي ، خصوصا بالنظر إلى قصر الفترة الزمنية لتفاعل المعرفة النظرية للباحثين الوافدين مع الخبرات العملية للباحثين المحليين .
ثالثا : تراجع الطلب على أبحاث السياسات التي ينتجها المعهد، بسبب تعثر المفاوضات
الاقتصادية وتراجع مجمل عملية التسوية السياسية . وانشغال المؤسسات الرسمية الفلسطينية المعنية بالشأن الاقتصادي بعملية الادارة والتسيير اليومي . والاستغراق في محاولة مواجهة تداعيات السياسات والممارسات الاسرائيلية على حياة الشعب الفلسطيني من جهة ، واللجوء للمجتمع الدولي والمانحين لطلب تمويل الإنفاق الجاري / الرواتب خصوصا / والإنفاق الطارئ (المساعدات الاجتماعية وبرامج التشغيل الطارئ) من جهة اخرى . وقد فرض انشغال المؤسسات الفلسطينية الرسمية بالتعامل مع القضايا الحياتية الطارئة نفسه على أولويات وبرامج عمل السلطة . وتأثر بالتالي نمط الطلب على الخدمات البحثية الاستشارية الاقتصادية ، التي باتت تركز على المعالجة الطارئة لمشكلات اقتصادية بنيوية تتصل بالفقر والبطالة ناجمة عن التشوهات الهيكلية التي افرزها الاحتلال الاسرائيلي الطويل وسياساته الاستئصالية – الإحلالية ، وعمقها الاصطدام الفلسطيني بشروطه التعجيزية للتسوية السياسية .
وهو الامر الذي لم يكن المعهد مؤهل بعد لتقديمه ، بسبب حداثة نشأته ، وافتقاره إلى المعرفة والخبرة التراكمية التي تمكنه من النهوض بتلك المهمة الملحة للعون الطوارىء دون الإخلال بمستلزمات وشروط التنمية ، وافتقاره كذلك للكادرالبحثي المؤهل القادر على تقديم الخدمة المهنية الموثوقة السريعة لمعالجة مشكلات طارئة ، دون الاضرار بعملية الاصلاح الهيكلي الضروري لعموم الاقتصاد الفلسطيني . ما انعكس بالسلب على المعهد ، واتهام بعض المسؤولين في السلطة لأبحاثه بالمغالاة الأكاديمية.
رابعا : تنافس مؤسسات السلطة التنفيذية والتشريعية مع المعهد على التمويل الدولي المخصص للعون الفني ، وتوافق رغبات الطرفين / السلطة والممولين / بالتعاون المباشر . حيث بدا العديد من مؤسسات السلطة ينشئ إدارات بحثية تابعة لها ، تستحوذ على التمويل الدولي المحدود المتاح للعون الفني . وسعت مؤسسات السلطة التنفيذية والتشريعية ، أيضًا، للاستعانة بمؤسسات القطاع الخاص والأفراد لتنفيذ جزء من الأبحاث المفترض بالمعهد الموهل علميا لإنجازها ، وذلك لرغبتها في التأثير على المخرجات البحثية التي تتوافق مع رغباتها من جهة، ولضعف الشفافية قياسا بتلك التي يستوجبها تعامل تلك المؤسسات مع مؤسسة عامة لها استقلالية إدارية ومالية كالمعهد وقواعد مهنية في تحكيم أبحاثها ، وتخضع لمرجعية مجلس أمناء مستقل عن السلطة من جهة اخرى .(15)
خامسا : محدودية تفاعل مجلس الأمناء مع الإدارة التنفيذية للمعهد في مواجهة مشكلة قصور التمويل لتغطية النفقات الأساسية .
فلم يتمكن المعهد مثلا من الحصول على اي جزء من مخصصات العون الفني الدولي المرصودة للمجلس التشريعي والبالغ قيمتها نحو 8 مليون دولار سنويا ، ولا المخصصات المرصودة لوزارة الاقتصاد والتجارة مثلا والبالغ قيمتها نحو 2 مليون دولار ، رغم أن جزءا أساسيا من البرنامج البحثي للمعهد موجه لتقديم المشورة الفنية للجان المجلس التشريعي المتخصصة ، وخصوصا لجنة الموازنة ، واللجنة الاقتصادية ، واللجنة الاجتماعية . كما ان جزءا كبيرا من الدراسات البحثية للمعهد موجه لاستشراف بدائل السياسات الاقتصادية والمالية القادرة على تعزيز القدرة الذاتية الفلسطينية ، ولاستشراف فرص تحسين الاستثمار ، والنهوض بالصناعات الوطنية وتوسيع القدرة الاستيعابية لسوق العمل المحلية ، واستشراف امكانات وافاق تطوير العلاقات التجارية الفلسطينية مع الدول العربية والإسلامية والاتحاد الاوروبي الخ لتقليص التبعية التجارية لإسرائيل …. وهو ما يفترض انه يشكل صلب عمل المجلس التشريعي ووزارتي الاقتصاد والمالية . وذلك على الرغم من مشاركة كل من رئيس المجلس التشريعي ، ووزير الاقتصاد والتجارة ووزير المالية ، في عضوية مجلس أمناء المعهد ، آنذاك ، وكان لزاما على إدارة المعهد البحث عن موارد أخرى لتمويل الإنفاق على دراساته وأبحاثه المتخصصة الموجهة لذات الجهات التي تحصل على التمويل الدولي الوفير للعون الفني لترشيد قدرتها على اتخاذ القرار ، من خارج المبالغ المرصودة في موازنات تلك الجهات لهذا الغرض .
وفي ضوء التطورات السياسية غير المواتية ، والصعوبات التمويلية والمشروطية السياسية لبعض المانحين الدوليين ، وتغير حاجات وأولويات مؤسسات السلطة الفلسطينية ، واهتمامها بالتسيير والمدى القصير على حساب التغيير البنيوي ، وانخفاض طلبها على أبحاث السياسات ، وانسداد اّفاق التسوية السياسية . عمد المعهد إلى انتهاج ما يلي :
اولا: مواصلة الجهود التي كان المعهد قد بدأها للتسجيل لدى وزارة التعليم العالي الفلسطيني أسوة بالجامعات ، ونجاحه في ذلك بتاريخ 22/6/1999 ، حيث سجل المعهد كأحد مراكز البحث العلمي، تحت رقم ( 1/م.ب.ع/99 ) بالاستناد إلى قانون التعليم العالي رقم 11 لسنة 1998 .
وقد أسهم ، ذلك، في حسم هوية المعهد كمؤسسة بحثية وطنية فلسطينية ، وحرره بذلك من قيود الإنشاء ، ومن التجاذبات ومحاولات الاحتواء العديدة من قبل مؤسسات السلطة ، ومن قيود الدور الوظيفي المحدد بتوفير المشورة الفنية المتخصصة المتعلقة بمسار التسوية السياسية.
غير ان هذا التسجيل لم يمكن المعهد من الاستفادة من موارد الدعم الرسمي المتاحة لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي كما كان متوقعا . ولم يتمكن المعهد الا في شهر كانون الثاني \يناير\ 2004 من الحصول على قرار من مجلس الوزراء بمنحه الأولوية في التعاقد لتنفيذ الأبحاث لصالح الوزارات والدوائر الحكومية التي تقرر تنفيذها بالتعاقد خارج أطرها البحثية الداخلية . وبتخصيص منحة سنوية غير مشروطة لتغطية المصاريف الأساسية وإدراجها في الموازنة العامة للسلطة في بند خاص ، ومعاملته ، بذلك ، أسوة بمؤسسات التعليم العالي . وتكليف وزير المالية بالاطلاع على احتياجات المعهد الأساسية ، وتقديم توصية لمجلس الوزراء لاتخاذ قرار بتقديم منحة طارئة لتغطية مصاريف المعهد الاساسية لعام 2004 . (16) . وقد احتاج المعهد إلى 10 سنوات منذ تسجيله ، وخمس سنوات منذ اتخاذ قرار مجلس الوزراء لإدخاله حيز التنفيذ العملي وبشكل جزئي ، فبعد جهود مضنية تمكن المعهد في العام 2009 من الحصول على 100.000$ فقط ، كدعم من الموازنة العامة للسلطة . وحصل على منحة مماثلة في العام 2011 ، رغم ان المصاريف الأساسية للمعهد قدرت عند اتخاذ قرار مجلس الوزراء في كانون الثاني 2004 قرارا بتغطيتها من الموازنة العامة ب 250.000$ سنويا . (17) .
كما لم تلتزم السلطة ، أيضا ، طوال تلك الفترة بتنفيذ قرار مجلس الوزراء القاضي بإعطاء الأولوية للتعاقد مع المعهد في تقديم الخدمات البحثية التي تحتاجها الجهات الحكومية الاقتصادية والاجتماعية المتخصصة .
ثانيا :إعادة صياغة الأولويات البحثية للمعهد والتحول من المشاريع البحثية الفردية إلى البرامج البحثية المتكاملة ، وإعطاء الأولوية في تلك البرامج للمشكلات المتصلة بالواقع الفلسطيني ، والتركيز على الهوامش المتاحة تحت واقع الاحتلال لتعزيز القدرة الذاتية للاقتصاد الفلسطيني وتوسيع طاقاته الانتاجية والتشغيلية المحلية ، بمعزل عن التطورات في مسيرة التسوية السياسية ، ودون اغفال تداعيات تدهورها .
وتركيز الجهد البحثي للمعهد في المراجعة النقدية للسياسات والممارسات الاقتصادية
الفلسطينية ، وبيان تداعيات النهج الرسمي الذي فرضه اتفاق اوسلو والقائم على الفصل بين السياسة والاقتصاد في العلاقات الفلسطينية – الاسرائيلية ، ورصد انعكاساته على الاداء الاقتصادي والواقع المعيشي الفلسطيني ، وعلى البنية الاقتصادية الوطنية .
واجتهد المعهد في إنتاج الأبحاث للتعريف ببدائل السياسات الاقتصادية القادرة على تعزيز المناعة الفلسطينية ، وفي الدعوة لانتهاج السياسات والبدائل الاقتصادية الهادفة الى تقليص التبعية للاقتصاد الاسرائيلي وفك الارتهان المعيشي الفلسطيني للسياسات والممارسات الاسرائيلية .
ولم يكتف المعهد بالمؤشرات الاقتصادية التقليدية التي يتبعها البنك الدولي في الدول المستقلة لقياس الأداء الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني ، فاضاف إليها مؤشرات جديدة تتعلق بالواقع الفلسطيني وتقيس المتغيرات وفقا لعلاقتها بتطور مؤشرات القدرة الذاتية الفلسطينية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي .
ثالثا : تكثيف الجهود التمويلية والسعي لتنويعها وزيادة المكون الفلسطيني والعربي في تمويل المعهد ، إلى جانب المصادر الدولية الممكنة . فقد أسهم اندلاع انتفاضة الأقصى في أعقاب فشل مفاوضات كامب ديفيد حول الوضع النهائي أواخر العام 2000 ، والتفاف الشارع العربي حولها واضطرار النظام العربي إلى عقد قمة استثنائية بعد بضعة شهور على اندلاعها ، لدعمها أسفرت عن تخصيص مبلغ مليار دولار لدعم صمود الشعب الفلسطيني وتعزيز مرتكزاته الاقتصادية ، ومكن ذلك المعهد من استقطاب تمويل من صندوق الأقصى الذي يشرف على توجيه الدعم ويديره البنك الإسلامي للتنمية ، والتعاقد معه لتنفيذ البرنامج البحثي الخاص بتعزيز القدرة الذاتية للاقتصاد الفلسطيني بقيمة 280 ألف دولار امريكي .
كما حصل على تمويل من الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي ، ومن بعض المؤسسات الفلسطينية كمؤسسة التعاون ، والبنك العربي لتنفيذ بعض الأبحاث ، إلى جانب تمويل محدود من بعض مؤسسات القطاع الخاص والأفراد.
ونجح المعهد ،بذلك ، من تحسين موقفه التفاوضي مع المانحين الدوليين ، وتمكن من توجيه التمويل المتاح من مؤسستي فورد ، وفريدريش ايبرت لتنفيذ بعض الدراسات القطاعية المكملة للبرنامج البحثي الخاص بتعزيز القدرة الذاتية ، وفي توجيه التمويل المتاح من المركز الدولي لبحوث التنمية الكندي لبرنامج المراجعة النقدية لمنظومة القوانين الاقتصادية الفلسطينية وتقديم العون الفني للمجلس التشريعي .
وترافق التنوع في مصادر التمويل ، والتحول نحو البرامج البحثية المتكاملة، مع التشدد في الانفاق . ومحاولة حصره في نطاق ما يتحقق من تمويل ، والذي استقر حجمه عند حدود 600.000$ خلال سنوات تلك الفترة 2000و2001و2002و2003و2004 ،(20) . والعمل بشكل متواز على بناء وتنمية وقفية كي تسهم عوائدها في تمويل الموازنة الأساسية للمعهد لضمان استدامته .
ونجح المعهد في توفير التمويل لإنفاقه التشغيلي . واستطاع ، أيضا ، تحقيق وفورات محدودة مكنته من شراء قطعة أرض (21) ، واستقطب بعض التبرعات من الأفراد والقطاع الخاص من أجل إنشاء مقر خاص به بهدف توفير الإيجارات ، واستثمار جزء من المقر المنوي إنشاؤه لتوفير التمويل للأبحاث الأساسية التي يحتاجها الشعب الفلسطيني ويتعذر توفير تمويل خارجي لها (22).
كما أسفرت جهود رئيس مجلس الأمناء اّنذاك / د . اسماعيل الزبري / في استقطاب تمويل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بمبلغ 200.000 دينار كويتي ، كنواة وقفية للمعهد ، يستثمرها الصندوق لصالح المعهد ويسمح باستخدام عوائداستثمارها فقط لتمويل الموازنة التشغيلية للمعهد .(23)
رابعا : إدراك ادارة المعهد لصعوبة استقطاب الباحثين المؤهلين الفلسطينيين والدوليين من الخارج للتفرغ للعمل في المعهد لارتفاع تكلفتهم ونقص التمويل من جهة وبسبب الصعوبات الأمنية التي تحد من رغبتهم بالقدوم من جهة أخرى ، ومحاولة تعويض النقص بالاستعانة بالكفاءات البحثية المتاحة محليا في المؤسسات الأكاديمية والجامعات الفلسطينية ، للعمل بشكل منتظم مع المعهد الى جانب عملهم في الجامعات . مع الاستعانة بالكفاءات الخارجية لتحكيم الأبحاث التي ينتجها المعهد وللرقابة على جودتها .
وتم تشكيل هيئة باحثين من الباحثين الرئيسيين المنتظمين بالمعهد ، للإشراف على العمل البحثي
بحيث يحصل أحد الباحثين الرئيسيين سنويا على إجازة دراسية والعمل كمنسق متفرغ للبحوث .
خامسا : إقامة علاقات وثيقة مع السلطة التشريعية حديثة العهد في التجربة الفلسطينية ، وتوفير المشورة الفنية للجان المجلس الاقتصادية والمالية والاجتماعية المتخصصة ولأعضاء المجلس لتفعيل دورهم التشريعي والرقابي . من خلال تزويدهم بنتائج المراجعة النقدية لمشاريع القوانين الناظمة للحياة الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية ، (منظومة القوانين الاقتصادية والموازنة والقوانين الاجتماعية ) من جهة ، وبمؤشرات تطور الأداء الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني من جهة
اخرى . ما عزز دوره كمعهد لأبحاث السياسات ، وكرس مصداقيته ودعم استقلاليته . وعزز الطلب على إنتاجه البحثي ، وسهل ذلك لاحقا الفرص للحصول على تمويل من بعض الجهات العربية والدولية التي تشترط الحصول على موافقة الجهات المستفيدة من أبحاث المعهد ، لتنفيذ بعض البرامج البحثية التي تحتاجها .
سادسا : الانفتاح على القطاع الخاص الفلسطيني وتقديم بعض الخدمات البحثية الممولة جزئيا منه ، والتي تعزز مشاركته في عملية صنع القرار الاقتصادي الفلسطيني ، وتزويده بالمعلومات حول التطورات في بيئة السياسات والتشريعات الاقتصادية الفلسطينية ، وحول تطورات الأداء الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني على الصعيدين الكلي والقطاعي .
لقد اتسم عمل المعهد خلال هذه الفترة بالاهتمام بأبحاث السياسات المتعلقة بتعزيز وتنمية القدرة الذاتية للاقتصاد الفلسطيني ، وتلك الهادفة إلى استعادة روابطه الاقتصادية والتجارية بمحيطه العربي والإقليمي والدولي ، والساعية إلى تقليص روابطه بالاقتصاد الاسرائيلي لفك الارتهان الاقتصادي والمعيششي الفلسطيني للاقتصاد الاسرائيلي .
وافاد المعهد من الاستقرار الوظيفي للكادر البحثي الرئيسي المنتظم في تطوير قدرته على تلبية الطلب على الاستشارات المتخصصة بكلفة وسرعة معقولة .
كما أسهم نمو المكون الفلسطيني والعربي في التمويل ، في إكساب المعهد المرونة ، وتطوير مقدرته التفاوضية مع المانحين الدوليين ، لتوجيه التمويل لتنفيذ الخطط والبرامج البحثية للمعهد .
وانعكس المنهج النقدي الذي اختطه المعهد في أبحاث السياسات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية ، وفي مراقبة الأداء الاقتصادي والاجتماعي . والعلاقة المهنية التي انشأها مع السلطة التشريعية والقطاع الخاص ووسائل الإعلام المحلية ، في تعزيز الوعي المعرفي بالأوضاع والتطورات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية ، ما اسهم بتطوير الوعي المجتمعي وتعزيز آليات الرقابة العامة على الأداء الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني، ودعم استقلالية المعهد وعزز مصداقيته المهنية .
وحرص المعهد خلال تلك المرحلة على حصر الانفاق الفعلي بحدود التمويل الفعلي ، وتجنب التوسع غير القابل للاستدامة .
المرحلة الثالثة : (2005 – حتى الآن /مطلع العام 2012)
اتسمت بداية هذه المرحلة بتحولات سياسية مهمة بعد استشهاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في تشرين الثاني العام 2004 ، بعد نحو أربع سنوات من العدوان والتدمير
وإعادة الاحتلال الاسرائيلي لمناطق الحكم الذاتي والإغلاق الداخلي والخارجي والحصار والعزل . فقد حمّلته سلطات الاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية وعموم الغرب كامل المسؤولية عن انهيار عملية التسوية السياسية الفلسطينية- الاسرائيلية ، وانسداد آفاق التوصل الى تسوية نهائية للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي .
وأدت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية التي تلت ذلك الى انتقال سلس للسلطة إلى الرئيس محمود عباس ، الذي أعلن التزامه الرسمي بنهج نقيض لنهج عرفات والالتزام بنبذ العنف وبالتنسيق لملاحقة مرتكبيه ، وبإعادة هيكلة أجهزة الأمن ، وبالتنسيق الأمني مع اسرائيل لمنعه ، وبالتمسك بخيار التفاوض كخيار استراتيجي وحيد لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي الناشىء عام 1967 . وأسفر ذلك عن بعض الانفراج الأمني والسياسي .
والمالي .
وباستثناء استئناف عملية التفاوض الفلسطيني – الاسرائيلي برعاية دولية التي افضت الى هذا الانفراج ، لم يتغير سلوك سلطات الاحتلال الاسرائيلي الهادف إلى تغيير الوقائع على الأرض للتمهيد لفرض الشروط الاسرائبلية للتسوية النهائية .
فأقدمت في العام 2005 على الانسحاب الأحادي من قطاع غزة ، وسرّعت وكثفت نشاطاتها الاستيطانية في الضفة الغربية وخصوصا في القدس وضواحيها ، وصادرت آلاف الدونمات لتوسيع المستوطنات القائمة، وأقامت عشرات البؤر الاستيطانية الجديدة ، وسرّعت بناء جدار الفصل العنصري والتوسع في عمق الضفة الغربية . واعتقلت آلاف الناشطين الفلسطينيين ، بالتزامن مع تقديم تسهيلات اقتصادية وتحقيق تحسن في الظروف المعيشية ظنا بامكانية تحقق السلام بمقايضة الاحتياجات المعيشية الفلسطينية بالحقوق الوطنية
واقتصرت ردود فعل المجتمع الدولي على السلوك الاسرائيلي على انتقاد السلوكيات الاسرائيلية ، ورعاية استمرار المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية ، والاقتصار على تمويل استمرار عملية التسوية السياسية ومنع انهيارها.
وأسهم الإخفاق في تحقيق أي تقدم ملموس في عملية المفاوضات يؤشر لإمكانية الوصول
إلى تسوية سياسية تنهي الاحتلال الاسرائيلي الناشىء عام 1967 في تقويض التأييد الشعبي للسلطة وكشف عجزها ، وأدى إلى نجاح حركة حماس المعارضة التي تم استدراجها للمشاركة في الانتخابات التشريعية – وقررت الانقلاب على موقفها السابق الرافض للانتخابات باعتبارها تجري تحت سقف اتفاق اوسلو – ففازت بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي ، ما أسس لازدواجية النظام السياسي الفلسطيني ، بين رئاسة تلتزم بمحاربة العنف ومواصلة النهج التفاوضي كخيار وحيد لحل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي ، وبين حكومة منبثقة عن المجلس التشريعي تتبنى رؤية مغايرة ونهجا نقيضا .
. وفاقم سلوك المجتمع الدولي إزاء نتائج الانتخابات وفوز حماس بالأغلبية التي تؤهلها لتشكيل الحكومة ، والتهديد بوقف كل أشكال التعاون مع السلطة الفلسطينية ، ما لم تلتزم حماس بالشروط الاسرائيلية المدعومة دوليا ، وأدى إلى تعميق أزمة النظام الفلسطيني . وساهم الانفصال الجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية، وتحكم اسرائيل الكامل في التواصل بينهما ، في تعميق حالة الاستقطاب المحلي والإقليمي والدولي بين طرفي النظام السياسي الفلسطيني ونهجيهما. وأدى إلى تفاقم الصراع بينهما على الصلاحيات بين الحكومة والرئاسة وتطوره إلى توتر وانفلات أمني غير مسبوق .
.
ولم تؤد جهود المصالحة العربية وتوقيع اتفاق مكة في 8\2\2007 ، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية في آذار\مارس \2007 إلى وضع حد للتدهور الأمني والاحتكاك بين حركتي فتح وحماس . وأسفر لجوء حماس إلى حسم الصراع عسكريا لصالحها في قطاع غزة في منتصف العام 2007، عن انقسام عمودي في النظام السياسي الفلسطيني . حيث تسيطر حكومة حماس والمنظمات الإسلامية المتحالفة معها على قطاع غزة ، في حين تسيطر حكومة الطوارئ التي شكلها الرئيس عباس على الضفة الغربية . وحظيت كلا الحكومتين بدعم سياسي ومالي من أطراف عربية وإقليمية ودولية فاعلة كرست وعمقت الانفصال بينهما . وأدت التطورات الأمنية والسياسية والاقتصادية اللاحقة إلى تكريس وتعميق الانقسام السياسي في النظام الفلسطيني، الذي ما يزال متواصلا للعام الخامس على التوالي . وعلى الرغم من بروز بعض المؤشرات للمصالحة ،بفعل مجموعة من التطورات المحلية والإقليمية، وأهمها انسداد اّفاق التسوية السياسية الفلسطينية -الاسرائيلية بفعل السياسة الاحتلالية الاسرائيلية ، والثورات الشعبية ضد أنظمة الحكم في عديد الدول العربية ، الا أن جهود المصالحة كافة قد أخفقت في رأب الصدع .
وانعكست هذه التطورات سلبا على كافة المؤسسات الفلسطينية الرسمية والأهلية ، بما في ذلك معهد ماس . ويمكن إيجاز أهم السمات التي ميزت عمل المعهد خلال هذه المرحلة بما يلي :
أولا : على صعيد السياسات والأولويات البحثية للمعهد.
انعكس التحسن النسبي في المناخ السياسي وإحياء عملية التسوية السياسية الفلسطينية –الاسرائيلية المتوقفة منذ نحو خمس سنوات (2000 – 2005 ) ، بتغيير طال السياسات والأولويات البحثية للمعهد . والعودة إلى الاعتماد في صياغة البرامج البحثية وإنتاج أبحاث السياسات الاقتصادية
على فرضية انفتاح اّفاق التسوية السياسية للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي
فرغم مضي أقل من عام على إصدار المعهد لدراسات البرنامج البحثي الخاص بتعزيز القدرة الذاتية ، الذي ارتكز على واقع تعذر التسوية السياسية للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي في المدى المنظور ، بسبب السلوك الاسرائيلي لخلق الوقائع التي تهيئ لفرض الشروط الاسرائيلية للتسوية النهائية والتواطؤ الدولي والعجز العربي . ما يتوجب معه فلسطينيا العمل على هذا الأساس وإعطاء الأولوية القصوى لسياسات التمكين الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني ، لتعزيز الصمود الفلسطيني وتقوية المناعة الفلسطينية عبر فك الارتهان الاقتصادي
الفلسطيني والمعيشي الفلسطيني للاقتصاد الاسرائيلي .
أصدر المعهد في نهاية العام 2004 دراسات تعكس تشخيصا مغايرا لطبيعة المرحلة تحت عنوان ” نحو رؤية اقتصادية واجتماعية لفلسطين ، أجندة العمل التنموي الاقتصادي والاجتماعي للأراضي الفلسطينية ” . يفترض تركيز الجهود البحثية للمعهد (24) على التنمية المستدامة وتحسين التنافسية والتعاون مع لجنة رجال الاعمال الفلسطينيين لتحقيق السلام والإصلاح ، والتعاون مع البنك الدولي في وضع برنامج عمل للتنمية الاقتصادية للضفة الغربية وقطاع غزة على ضوء فصل اسرائيلي محتمل .(25)
ثانيا : على صعيد علاقة المعهد بمؤسسات السلطة
ارتكز المعهد في توثيق علاقاته بمؤسسات السلطة على نتائج بحث استقصائي أجرته الإدارة الجديدة للمعهد في نهاية العام ، 2004 ، لتقيم جدوى وفعالية المعهد خلال كامل الفترة 1994- 2004 ،
بناء على استمارة استطلاع ميداني لعينة شملت جميع المؤسسات الحكومية التي يرتبط عملها بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية ، والمؤسسات غير الحكومية (المجتمع المدني والقطاع الخاص) والفعاليات الأكاديمية، وبعض لجان المجلس التشريعي (لجنة الموازنة واللجنة الاقتصادية ) ،وبعض الهيئات الدولية التي ساهمت في تقديم الدعم المالي للمعهد (26) .
وقد ضمت الجهات المستقصاة عديد الموسسات الرسمية والأهلية من خارج الاطار الذي استهدفه المعهد في اعماله البحثية كتلك العاملة في الصحة وغيرها . ما انعكس على نتايج التقييم .
وخلصت نتائج الاستطلاع إلى ما يلي :
1 – ان المعهد حقق نجاحا في تحديد الأولويات البحثية على الصعيد الوطني .
حيث اجاب 84.2%من المؤسسات الحكومية المستطلعة ، و70.7% من المؤسسات غير الحكومية و79.3% من الأكاديميين بان المعهد قد حقق نجاحا بمستوى جيد او جيد جدا (27)
2 – ان المعهد تجاوب بشكل جيد وجيد جدا مع الاحتياجات البحثية في القطاعين التجاري والصناعي (100%) وبنسبة( 87.5%) للقطاع المالي و(85.7% ) لقطاع العمل وبشكل جيد (71,4%) للقطاع النقدي ، و(66.7%) لقطاع التعليم و(57.1%) للقطاعات الاجتماعية .(28)
3 – على صعيد استفادة الجهات المختلفة من خدمات المعهد ، أشارت النتائج إلى ان 64% من المؤسسات الحكومية والمؤسسات غير الحكومية اعربوا عن استفادتهم بشكل جيد او جيد جدا من دراسات ماس في معرفة القضايا الرئيسية التي تواجه مؤسساتهم و14.3 % استفادوا بشكل مقبول .
4 – على صعيد الاستفادة من أبحاث ماس كمراجع لإعداد الخطط والبرامج فقد افاد 26.7% فقط من المؤسسات الحكومية و53.3% من المؤسسات غير الحكومية بانهم استفادوا بشكل جيد او جيد جدا .
5– على صعيد الاستفادة من أبحاث المعهد في تحديد الأولويات والمشاريع ، أشار 43% و42% من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على التوالي بأنهم استفادوا من أبحاث ماس بمستوى جيد اوجيد جدا .
6 – على صعيد الاستفادة من إنتاج ماس البحثي كمصدر للمعلومات في إعداد الدراسات والتقارير ، أشار 87% من المؤسسات الحكومية و62%من المؤسسات غير الحكومية و60% من الأكاديمين إلى أنهم يستفيدون بشكل جيد أو جيد جدا (29)
7- وخلص الاستطلاع إلى تدني نسبة المؤسسات الحكومية التي تطلب من المعهد عمل البحوث والدراسات .
واعتمدت ادارة المعهد على نتائج التقييم تلك في تغيير نهج المعهد البحثي ، بايلاء الأولوية في برامجه البحثية القادمة للبعد التنفيذي ، باهتمام أبحاثه في قضايا ذات بعد تنفيذي ملموس .
فقام بدراسة احتياجات مؤسسات صنع القرار الاقتصادي والاجتماعي من الأبحاث والدراسات ، وصاغ خطة العمل
للفترة 2005-2007 في ضوء الاحتياجات والأولويات والتوجهات التي حددتها الوزارات وفقا لبرامج عملها ،
ما ابعد المعهد عن ابحاث السياسات التي تستهدف التغيير البنيوي من جهة ، وحد من استقلاليته في تخطيط برامجه البحثية ، في ضوء ما توضحه نتائج مراقبة الأداء الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني من اختلالات ينبغي تصويبها بسياسات ومناهج بديلة ، وما توجبه أهداف تعزيز القدرة الذاتية وتطوير المناعة المجتمعية الفلسطينية من ابحاث تستهدف التأثير في المدى المتوسط والبعيد ، والذي قد لا يكون ملحا لصانع القرار الفلسطيني المعني بالتسيير وحل المشكلات في المدى القصير ، دون الالتفات إلى تأثيراتها البنيوية المستقبلية .
وادى تصدي المعهد المتناغم مع الموقف الحكومي لبعض القضايا بعيدا عن دوره الوظيفي ، الى تعميق الشكوك باستقلالية المعهد .
وأسهم في تعزيزها تزايد اعتماد المعهد على التمويل الحكومي (غير ذلك المفترض ادراجه في الموازنة العامة كجزء من دعم مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي )
ثالثا : تزايد اعتماد المعهد على الخدمات البحثية مدفوعة الأجر من المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمؤسسات الأجنبية . ما يثير مخاوف متنامية بشأن الابتعاد – تحت وطأة احتياجه لتمويل انفاقه – عن اختصاصه الرئيسي كمعهد أبحاث للسياسات الاقتصادية والاجتماعية ، مناط به مسؤولية وطنية تتصل بترشيد القدرة الوطنية الفلسطينية على اتخاذ القرار الاقتصادي والاجتماعي السليم ، في مرحلة تاريخية مفصلية . حيث تشسر البيانات المالية للمعهد إلى تضاعف حجم التمويل المتاح ، وهو أمر ظاهره إيجابي . إلا أن النظرة التحليلية المتانية تثير قلقا ، فقد ارتفع مجموع نفقات المعهد من 563.265$ في نهاية العام 2004 (31)الى 1.103.546$ في العام 2010 (32) والى 1.136.951$ في 2011 (33) ويتوقع ان تصل التقديرات في الإنفاق عام 2012 الى 1.230.870 $ (34)
ذلك أن البيانات المالية تشير إلى التنامي المضطرد للإيرادات المتأتية من تقديم الخدمات البحثية مدفوعة الأجر ، التي فاقت بنحو ثلاثة أضعاف الأموال المخصصة لأبحاث السياسات وشكلت في العام 2010 498.257$ فقط من مجموع 1.136.546. $( 35) . ما يعني أن المعهد بات يعتمد في تغطية جزء مهم من نفقاته عن طريق تقديم الخدمات البحثية مدفوعة الأجر ، ويبتعد تدريجيا عن الهدف الرئيس لإنشائه ومجال تميزه الأساسي كمعهد لأبحاث السياسات الاقتصادية .
رابعا : تنامي الإنفاق الإداري للمعهد ، والناجم عن متطلبات الإنفاق على المبنى الجديد . فرغم أن المبنى الجديد للمعهد يشكل إنجازا بالغ الأهمية وجهدا محمودا للدكتور سمير عبدالله شخصيا لجهده الحثيث الذي ادى للحصول على المنحة الكورية لإنشاء مقر للمعهد . إلا أن هدف تملك مقر خاص بالمعهد ، يعود أساسا لحرص مجلس الأمناء على توفير عبئ الإيجار القديم للمقر والبالغ مقداره نحو 33.000$ سنويا . لمساحة تقدر ب 600 متر مربع ،كان يشغلها طاقم المعهد .
وكانت الفكرة الأساسية من تخطيط بناء بمساحة اكبر من حاجة المعهد ، الاستفادة من المنحة المقدمة لإنشاء المقر ، والعمل على استثمار الجزء الاضافي الذي يفوق حاجة المعهد / 600 م2 / ، خصوصا في ضوء عدم زيادة
الكادر على صعيد الكم والنوع ، بحيث تسهم عائدات استثمار المساحة الاضافية في تمويل الموازنة الأساسية للمعهد وتنمية الوقفية ، ما يقلص الحاجة للاعتماد على المانحين ويحفظ استقرار المعهد ويعزز استقلاليته البحثية .
غير ان ما آل إليه الوضع ادى الى عكس المستهدف ، فالتوسع في المساحات المتاحة للكادر ، والارتفاع في تكاليف الصيانة والحراسة والاستهلاك والتأمينات والكهرباء والمياه والخدمات الأخرى أدى إلى ارتفاع نفقات مبنى المعهد إلى ما يعادل ثلاثة اضعاف الإيجار القديم .
ويثير تزايد عبئ الإنفاق الإداري الثابت للمعهد مخاوف جدية تجاه ارتفاع كلفة الإنتاج البحثي ،خصوصا في ظل افتقار المعهد لموارد مالية كافية ومستقرة ومنتظمة ، ما يرفع حجم الموازنة الأساسية للمعهد إلى مستوى يهدد استمرار نشاطه ، خصوصا عند الأخذ بعين الاعتبار عزوف المانحين الدوليين عن تمويل الإنفاق الثابت ، كالايجار والصيانة والتامين والحراسة الخ….. ، خصوصا وان التمويل للمعهد – على اختلاف مصادره – يرتبط على نحو وثيق بالتطورات السياسية ، والتي تشير كافة الدلائل إلى أنها مرشحة لمزيد من التدهور .
خامسا : عانى المعهد خلال هذه المرحلة من كثرة التغيير في منصب المدير العام اذ تناوب على الادارة خلال سبع سنوات خمس مدراء (36) . ويتحمل مجلس الأمناء المسؤولية الأساسية لتجاوزه لأنظمة العمل في المعهد .
كما عانى المعهد خلال هذه المرحلة من مشكلة سرعة دوران الكادر البحثي ومن اختلال التوازن في هيكل الباحثين ونقص كبير في الباحثين الرئيسيين المنتظمين .
خلاصة :
أصبح المعهد بعد مرور ثمانية عشر عاما على إنشائه مؤسسة بحثية وطنية مرموقة ، وتتوفر له
كافة المقومات ليعدو بيت الخبرة الفلسطيني المتخصص الأول في ابحاث السياسات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية . وأمامه فرصة حقيقية ، إن أحسن استخدامها ، في النهوض بعملية صنع القرار الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني ، إذا ما تمكن من تامين استقلاليته المالية والاطلاع بدوره التنويري النقدي البناء ، عبر التعريف ببدائل السياسات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة وكلفتها وانعكاساتها على مشروع التحرر الوطني ، وعبر رصد الأداء الاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني بمؤشرات تقيس فاعلية الأداء وفقا لدرجة الاقتراب من انجاز مشروع الاستقلال او الابتعاد عنه . وعبر نشر وتعميم المعرفة على أوسع نطاق للنهوض بالوعي المجتمعي ، وتعزيز المشاركة وتفعيل أدوات الرقابة والمساءلة .
ويتوقع ان تسهم الخلوة التي يعقدها المعهد في حسم المناقشات بشأن تشخيص المرحلة ، والأولويات البحثية ، والحجم الأمثل لإنفاقه ، وسبل تأمين موارد مالية منتظمة ومستقرة وكافية ، والسبل الكفيلة بتحسين ادارته / الاطارين الاشرافي – مجلس الأمناء – والتنفيذي وترشيد انفاقه وتوفير الكادر البحثي النوعي وتطوير علاقاته المهنية بالجامعات والمؤسسات البحثية وضمان جودة إنتاجه البحثي ، وتنظيم وتفعيل اّليات الرقابة النوعية على أداء المعهد . وتوفير الحفاظ على استقلاليته المهنية والإدارية والمالية .