ما أصعب أن يقف الإنسان ليرثي أستاذا، ومعلما، وأبا وأخا وصديقا في آن واحد.
ما أعجز مفردات اللغة العربية على غناها… عندما يتعلق الأمر برثاء طاهر عبد الحكيم.
عرفته وجمع من أبناء جيلي الفلسطينيين والعرب في مدينة بيروت أواخر عام 1970 في لحظات فلسطينية وعربية عصيبة اعتقدناها ،آنذاك، سنوات التيه، وأسماها طاهر عبد الحكيم سنوات الصحوة من صدمة الهزيمة والشروع بالنهوض.
ما زلت أذكر كلماته المتفائلة الواثقة بالمستقبل، أمام جمع عربي مصغر من الرافضين للتسليم بالواقع، الغاضبين الذين ضاقت بهم أوطانهم وضمتهم بيروت. وكان واحدا منهم، لأنهم يحلمون بوطن عربي واحد حر ديمقراطي.
يومها قال إن واقعنا ليس قدرا محتوما. وإنما نتاجا وتسجيلا أمينا لما فعلناه وما لم نفعله عبر سنين. وأن تغييره للأفضل ممكن، لكنه رهن بقرار ذاتي بالتغير للشروع بالتغيير. بالبدء بحلم مشروع نجعله هدفا. وفهم لمستلزمات بلوغه. وإدراك دقيق للقدرات والإمكانات الذاتية، ووعي صحيح بالظروف الموضوعية وما تحمله من فرص لتعظيمها، وما تنطوي عليه من أخطار لمحاصرتها ودرئها. دون تهويل أو تهوين. وثقة بالجماهير الشعبية وبقدرتها عند إشراكها في الدفاع عن مصالحها، على تصويب انحراف مسار التاريخ.
كنا نقصده كلما تقطعت بنا السبل وضاق الخناق، وعند كل حصار يختزل الوطن العربي الكبير الممتد من المحيط الى الخليج، ويقلصه إلى زقاق صغير في مخيم تل الزعتر. أو شارع غير معبد في مخيم صبرا وشاتيلا. أو مقر محاصر في تونس، أو معتقل في الوطن المحتل.
كان طاهر عبد الحكيم ورفاقه من المصريين والعرب. يفتحون بفكرهم ودعمهم أبواب الوطن العربي الموصدة بإحكام. ويستعيدون اتساعه. بل كانوا يفتحون أبواب العالم.
لا أغالي بالقول إن الجيل العربي الذي أنتمي إليه مدين لطاهر عبد الحكيم وأمثاله، في تعلم الترابط بين الخاص والعام. وفي تفهم شروط التكامل والمواءمة بين الانتماءات الوطنية والقومية والأممية دون أن تختلط الأولويات.
علمنا طاهر عبد الحكيم كيف نستفيد من تجارب الآخرين دون أن نفقد القدرة على رؤية الخصوصية. وكيف نعتمد على دعم الأصدقاء ونحفظ صداقتهم، دون أن نصادر قدرتنا على التفكير وابتكار ما يناسبنا ويلائم بيئتنا وتراثنا وحضارتنا.
وإذ يعز علينا نحن تلامذة وأصدقاء طاهر عبد الحكيم العرب، أن نفقده مبكرا وهو في قمة عطائه. وفي زمن تشتد حاجتنا إلى أمثاله، والأمة بأسرها تقف على مفترق طرق خطير.
فإننا نثق في أن فكر طاهر عبد الحكيم ورفاقه، سيبقى هاديا لنا وللأجيال العربية المتتابعة. وأن دار الفكر التي أسسها ستبقى منارة وبيتا للفكر العربي الجاد الملتزم الرصين.
رحمك الله يا استاذنا الكبير، وأعاننا على حمل الرسالة ومواصلة النضال التحرري، لتحقيق الحلم بإعادة بناء الأمة واستعادة وحدتها الذي أمضيت عمرك من أجل بلوغه.